May 18, 2026. (Photo by AHMAD AL-RUBAYE / AFP)

تآكل الطبقة الوسطى العربية بعد عقدين من الأزمات

تعد الطبقة الوسطى في العالم العربي مؤشراً على استقرار المجتمعات وثقة الناس بمؤسساتهم. ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وهجرة الكفاءات، يتجاوز تآكل هذه الطبقة البعد الاقتصادي ليطال التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.

22 أكتوبر، 2026
فالح بن حسين الهاجري

شكّلت الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية، على مدى عقود طويلة، العمودَ الفقري للاستقرار، فمنها خرج المعلمون والأطباء والمهندسون والموظفون وأصحاب المشروعات التنموية الصغيرة، ومن مداخيلها نشأت الأسواق والمتاجر المحلية.

 

غير أن هذه الطبقة تعرضت خلال العقدين الأخيرين لأزمات متلاحقة، من أزمات داخلية في ظل ثورات الربيع العربي إلى انخفاض أسعار النفط، إلى جائحة كورونا، وكذلك موجة الغلاء التي أعقبت الحرب الروسية -الأوكرانية، وصولا إلى الحرب الإسرائيلية على غزة وما تركته من آثار على التجارة والسياحة في دول الجوار.

 

 ولم تترك هذه الأزمات والتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية للأسر متوسطة الدخل فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ كانت كل أزمة تبدأ قبل أن تنتهي آثار سابقتها. وقد أدركت دولة قطر مبكراً خطورة هذه المسألة، فجعلت التنمية البشرية والاجتماعية ركيزتين أساسيتين في رؤية قطر الوطنية 2030، واستضافت الدوحة في نوفمبر 2025 القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية التي اختُتمت باعتماد “إعلان الدوحة السياسي“، في تأكيد على أن العدالة الاجتماعية والعمل اللائق والحماية الاجتماعية لم تعد قضايا ثانوية في جدول أعمال التنمية.

 

 

الغلاء وضعف الأجور

 

يُعد التضخم أشد ما يضر بالطبقة الوسطى، لأنه يعمل بصمت، فيأخذ من قيمة الراتب دون أن يُنقص رقمه. فالموظف الذي يتقاضى الأجر نفسه يجد أن ما كان يكفيه شهراَ كاملا صار ينفد في منتصفه، وأن مدخراته فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها. ففي مصر مثلاً بلغ التضخم في المدن مستوى قياسيا عند 38 في المئة في سبتمبر 2023، ثم تراجع إلى نحو 14.6 في المئة في مايو 2026. لكن تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه، وإنما يعني أنها ترتفع بسرعة أقل، في حين بقيت الأجور متأخرة عنها. ويزيد العبء أن الأسرة باتت تدفع من دخلها الخاص ثمن خدمات كانت تحصل عليها سابقاً بجودة مقبولة، كالتعليم والعلاج الصحي.

 

يبقى لبنان المثال الأشد قسوة، فقد وصف البنك الدولي أزمته التي بدأت عام 2019 بأنها قد تكون من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفقدت الليرة أكثر من 95 في المئة من قيمتها، وتبخرت مدخرات أعمار كاملة في غضون أشهر.

 

في هذا السياق، تؤكد نتائج “المؤشر العربي 2024-2025” حجم هذا الضغط، فربع المستجيبين فقط قالوا إن دخلهم يسمح لهم بالادخار، بينما قال 41 في المئة إن دخلهم يكفي الضروريات بالكاد. وهذه الفئة هي الأكثر هشاشة، فهي لا تستفيد عادة من برامج دعم الفقراء، ولا تملك مدخرات تحميها من مرض مفاجئ أو فقدان عمل.

 

 

ماذا تقول الأرقام في هذا الإطار؟

 

لم يبدأ تراجع الطبقة الوسطى في السنوات الأخيرة، فقد أشارت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في تقريرها  الصادر منذ نحو 10 أعوام إلى انخفاض حصتها من سكّان مصر من 48 في المئة عام 2000 إلى 44 في المئة عام 2011. كما أظهر تحليل نشره البنك الدولي في العقد الأخير، باستخدام منهجية مختلفة لقياس الطبقة الوسطى، أن حصّتها في اليمن تراجعت إلى أقل من العُشر بنهاية العقد الأول من هذا القرن.

 

أي أن العقد الأخير بدأ والطبقة الوسطى منهكة أصلًا. ومن ثم كشفت بيانات الإسكوا أيضاً عام 2022 أن أغنى 10 في المئة من سكان المنطقة العربية يملكون أكثر من 80 في المئة من الثروة، وأن ثروة النصف الأفقر تراجعت بمقدار الثلث. ولاحظت أن معظم الإصلاحات الضريبية في المنطقة تحمّل الفقراء والطبقة الوسطى عبئاً أكبر مما تحمّله الأغنياء، لأنها تعتمد على ضرائب الاستهلاك التي يدفعها الجميع بالنسبة نفسها مهما اختلفت دخولهم.

 

 

قيمة الاستقرار الاجتماعي للنظام السياسي

 

 قيمة الطبقة الوسطى لا تظهر بالأرقام الاقتصادية فحسب، وذلك لأنها صمّام الأمان الذي يحفظ توازن المجتمع. فلطالما أرسطو في كتابه “السياسة” أن أفضل المجتمعات هي التي تكون فيها الطبقة الوسطى واسعة وقوية، لأنها لا تطمع فيما عند غيرها، ولا يطمع غيرها فيما عندها. فهذه الطبقة تملك ما تخشى خسارته، وتملك الأمل في التقدم، ولذلك تميل إلى الإصلاح الهادئ لا إلى المواجهة. أما إذا خسرت ما تملك وفقدت الأمل معاً، فقد تتحول من عامل استقرار إلى مصدر احتقان.

 

وتلتقي هذه الفكرة مع ما طرحه الاقتصادي إسحاق ديوان في دراسته عن الدور المركزي للطبقة الوسطى في أحداث المنطقة عام 2011، إذ رأى أن الطبقة الوسطى المتعلمة كانت في قلب تلك الأحداث، بعد أن شعرت بأن ثمار النمو لا تصل إليها، رغم أن اقتصادات عدد من تلك الدول كانت تسجل نمواً إيجابياً. فالفرد لا يقيس الاقتصاد بأرقام الناتج المحلي، بل بما يصل إلى بيته، وبمدى شعوره بالعدالة. ويظهر ذلك في مؤشرات الثقة، فبحسب المؤشر العربي يرى 84 في المئة من المستجيبين أن الفساد منتشر في بلدانهم. وإن ضعف الثقة يجعل الإصلاح أصعب، فعندما يُطلب من المواطن أن يتحمل رفع الدعم أو ضرائب جديدة، وهو لا يثق بعدالة توزيع الأعباء، يتحول الإصلاح نفسه إلى أزمة. ولذلك فإن حماية الطبقة الوسطى شرط لنجاح أي برنامج اقتصادي.

 

هجرة الكفاءات العلمية

 

تُعتبر الطبقة الوسطى من المحركات الأساسية للاقتصاد، إذ تسهم بقوة في الاستهلاك والطلب على السلع والخدمات، فيما تؤدي المشروعات الصغيرة والمتوسطة دوراً محورياً في توفير فرص العمل.  وحين تضعف، يتراجع الطلب في الأسواق، ويلجأ كثيرون إلى عمل إضافي أو إلى الاقتصاد غير الرسمي، ويؤجل الشباب الزواج وشراء المسكن. كما يتعطل دور التعليم بوصفه طريقا للترقي، فالشهادة الجامعية لم تعد تضمن دخلًا كريماً.

 

وإن الأخطر من ذلك هجرة الكفاءات المهنية والحرفيين والمفكرين والطلاب، فقد أظهر استطلاع الباروميتر العربي بين عامي 2023 و2024 أن نحو 46 في المئة من التونسيين و42 في المئة من الأردنيين يفكرون في الهجرة، وكانت الأسباب الاقتصادية الدافع الأول، وكان الشباب وخريجو الجامعات الأكثر رغبة في المغادرة. وهذا يعني أن الدول العربية تخسر الأطباء والمهندسين والمبرمجين الذين أنفقت على تعليمهم سنوات طويلة، وهم أنفسهم القادرون على قيادة التعافي.

 

 

الخليج العربي: استقرار نسبي ومسؤولية إقليمية

 

تتمتع دول الخليج باستقرار أكبر في هذا الملف، بفضل احتياطياتها المالية وأنظمة الرعاية الاجتماعية التي حمت مواطنيها من موجات الغلاء الحادة، ولذلك سجلت الكويت أدنى نسبة رغبة في الهجرة بين الدول التي شملها الباروميتر العربي. لكن هذا لا يعني غياب التحديات، فارتفاع تكاليف السكن والتعليم الخاص والاعتماد الكبير على الوظيفة الحكومية قضايا تحتاج إلى معالجة مستمرة، وهو ما تتناوله دولة قطر في استراتيجيتها الوطنية الثالثة للتنمية 2024-2030، التي تضع تنمية الإنسان وتعزيز مشاركة المواطنين في القطاع الخاص في مقدمة أولوياتها.

كما تُسهم دول الخليج بصورة غير مباشرة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي، إذ تضمّ ملايين العاملين العرب الذين تُسهم تحويلاتهم في إعالة أسرهم في بلدانهم الأصلية. ويمكن لاستثماراتها في المشروعات المولِّدة لفرص العمل أن تعزّز هذا الدور وتساعد على حماية الطبقة الوسطى في هذه الدول.

 

 

الحاجة إلى رؤية متكاملة

 

تحتاج استعادة عافية الطبقة الوسطى إلى رؤية متكاملة، يمكن تلخيصها في خمسة مسارات: يكمن المسار الأول في حماية القدرة الشرائية عبر ضبط التضخم ومراجعة الأجور والمعاشات بشكل دوري بما يتناسب مع تكاليف المعيشة. والمسار الثاني يتمحور حول العدالة الضريبية، بحيث يسهم كل شخص بقدر ما يملك. والمسار الثالث يدور حول توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات التي تقع بين الفقراء والميسورين، كأصحاب المهن الحرة والمشروعات الصغيرة، الذين يبقون غالباَ بلا تأمين صحي أو تقاعدي كاف. أما المسار الرابع، فيركز على تحسين الخدمات العامة من حيث توفير التعليم الجيد والعلاج الميسر والسكن المناسب الذي يمكن أن تقدمه الدولة لهذه الطبقة من باب الدعم. والمسار الخامس هو الشفافية من جهة توفير بيانات دقيقة ومنتظمة عن الدخل والإنفاق، ومصارحة الناس بكلفة الإصلاحات ومن يتحملها.

 

وهكذا يتضح أن تآكل الطبقة الوسطى في العالم العربي ليس قضية اقتصادية فحسب، بل مسألة تمس استقرار المجتمعات وثقة الناس بمؤسساتهم. فهذه الطبقة هي التي تمنح المجتمع توازنه والاقتصاد حيويته. وهي رصيد يُبنى عبر أجيال ويمكن أن يضيع في سنوات قليلة، ولذلك فإن الدول التي تجعل حمايتها أولوية هي الأقدر على عبور المرحلة المقبلة بأقل الخسائر، وعلى تحويل أبنائها من فئة قلقة على حاضرها إلى قوة واثقة بمستقبلها.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد:

المؤلف

رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية
رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية