يكشف الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في 10 أكتوبر 2026 والإصابات الناجمة عنه حجم التحوّل في قدرة الحوثي على تهديد السعودية. فهذا الهجوم الذي وُصف بأنه الأكثر دموية على المملكة منذ أكثر من عقد، يقع في نهاية مسار بدأ قبل اثنين وعشرين عامًا في جبال مرّان، ويفرض تساؤلاً مهماً يتجاوز عدد الصواريخ المتبقية في المخازن، ليصل إلى المصادر التي تستمد منها هذه الجماعة قوتها لإطلاق صواريخها وتعويض خسائرها.
خلال الحروب الست بين جماعة الحوثيين والدولة اليمنية، لم يكن الحوثي قد أظهر امتلاك منظومة عملياتية للصواريخ الباليستية أو المسيّرات الهجومية. فقد اعتمدت قوته آنذاك على الأسلحة المتاحة محليًا وما يستولي عليه من القوات الحكومية، وعلى توظيف التضاريس، وصعوبة الوصول إلى معاقله. وقد راكمت تلك السنوات خبرة في القتال والبقاء وإعادة تنظيم القوة، وهي خبرة أسهمت لاحقًا في استيعاب أسلحة أكثر تعقيدًا من دون أن تلغي حاجته إلى الإسناد الخارجي.
ومع سقوط صنعاء بيد هذه الجماعة وتحالفها مع قوات موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، اتسع وصولها إلى مخزونات الجيش ووحداته وخبراته الفنية. شمل ذلك صواريخ من عائلة سكود ونسخها الكورية الشمالية، إلى جانب توشكا ومنظومات الدفاع الجوي التي استُخدم بعضها بعد تحويلها إلى مهام أرضية تحت اسم «قاهر».
شكّل اجتماع السلاح مع الخبرة القادرة على تشغيله وصيانته نقطة التحول، فالمخزون الموروث مَنح هذه الجماعة قدرة أولية، ووفّرت الخبرات العسكرية أساسًا لتطوير استخدامها.
اتساع القدرة الهجومية
المسار الإيراني لم يبدأ بعد عاصفة الحزم، فقد سبقتها وقائع تهريب أبرزها ضبط سفينة «جيهان 1» عام 2013. لكن الحرب منذ عام 2015 وسّعت أهمية الدعم الإيراني مع تصاعد الحاجة إلى المنظومات بعيدة المدى، والمكونات والخبرات المرتبطة بها. وهكذا تداخل استخدام الترسانة الموروثة مع استقبال أسلحة وأجزاء وتقنيات جديدة، بدل أن تنتهي مرحلة كاملة، لتبدأ أخرى منفصلة عنها.
وفي نوفمبر 2017 اعترضت الدفاعات الجوية السعودية صاروخ «بركان-2H» أُطلق باتجاه العاصمة السعودية الرياض وسقطت شظاياه في محيط مطار الملك خالد، ولم يكن ذلك أول استهداف لمنطقة الرياض التي تعرضت لمحاولات سابقة خلال العام نفسه. وقد أبرز هذا المسار اتساع مدى التهديد بالتوازي مع ظهور مسيّرات «قاصف» المرتبطة في تصميمها بعائلة «أبابيل» الإيرانية. وتُظهر هذه التطوّرات أن تقدير التهديد بالاستناد إلى المخزون المعروف وحده لم يعد كافيًا، مع تعدّد مصادر التسليح وتزايد القدرة على توظيف المعرفة الفنية محليًا.
مع امتداد الحرب، أخذ التصنيع والتجميع المحليان موقعًا أوسع. وتضع دراسة مؤسسة القرن بدايات ظهور هذا التحوّل نحو عام 2018، لذلك فإن هدنة أبريل 2022 لم تنشئ القدرة الصناعية من الصفر، لكن هذه التهدئة شكّلت ظرفًا أتاح توسيع قدرات قائمة. وهذه نقطة تتجاوز الحالة اليمنية، حيث تتوقف فاعلية الهدنة في خفض الخطر المستقبلي على ما يصاحبها أيضاً من رقابة على إعادة التسلح وآليات التحقق من الالتزامات.
ومع تصاعد هجمات البحر الأحمر أواخر 2023 ظهر اتساع الأدوات المستخدمة ضدّ الملاحة بما فيها الصواريخ الباليستية المضادة للسفن. وقد وثّقت القيادة المركزية الأمريكية استخدام هذه الفئة في هجمات ديسمبر من ذلك العام.
يمنح تنوع وسائل الهجوم الحوثيين خيارات أكثر اتساعاً للضغط، لكنه لا يكشف وحده حجم المخزون أو معدل الإنتاج أو مقدار اعتماد كل منظومة على الخارج؛ فهذه متغيرات يجب تقييمها بصورة مستقلة.
ثم جاءت الحملة الأمريكية المكثفة، وانتهت باتفاق لوقف إطلاق النار أعلنته سلطنة عُمان بينما ظل مسار المواجهة مع إسرائيل منفصلًا عنه. وخلال الحملة، أعلنت القيادة المركزية في أبريل انخفاض الإطلاقات الباليستية بنسبة 69%، وهجمات المسيّرات الهجومية بنسبة 55%. وتشير هذه الأرقام إلى تراجع وتيرة الهجمات وفق التقييم الأمريكي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرة الجماعة على استعادة زخمها العملياتي.
ينطبق الاحتراز نفسه على دخول الحوثيين هذه الحرب المرتبطة بإيران عبر إطلاق صواريخ نحو إسرائيل في 28 مارس 2026. فتوقيت المشاركة بعد قرابة شهر من بدء الحرب، لا يكفي لتحديد ما إذا كان التأخر ناتجًا عن حسابات سياسية أو قيود عملياتية أو الرغبة في الحفاظ على المخزون. كما أن استئناف الهجمات لاحقًا لا يحسم مقدار ما جاء من مخزونات سابقة أو إمدادات جديدة أو إنتاج محلي، لذا يُعدّ تحديد مساهمة كلّ مصدر عنصراً أساسياً في تقييم قدرة الحوثيين على مواصلة هجماتهم.
التصنيع المحلي وشبكات التوريد الدولية
في هذا السياق، تقدم دراسة مؤسسة القرن دليلًا على اتساع دور سلاسل التوريد، إذ تذكر أن أكثر من 80% من المواد المضبوطة المتجهة إلى الحوثيين خلال عامي 2024 و2025 كانت مخصصة لتصنيع السلاح، بدلًا من منظومات مكتملة. وتخصّ النسبة المواد التي حللها التقرير ولا تمثل إحصاءً شاملًا للإمدادات أو نسبة التصنيع المحلي في السلاح، لكنها تدعم الاستنتاج بأنّ حصر التهديد في تهريب المنظومات الجاهزة يغفل جانبًا متناميًا منه.
تُضيف منظمة أبحاث تسليح النزاعات «CAR» دليلًا أكثر تحديدًا يتمثل في مكونات مخصصة ومواد وأدوات ومعدات اختبار في شحنات متجهة إلى الحوثيين، حيث تشير إلى محاولتهم تصنيع أجزاء على الأقل من صواريخ سلسلة «خيبر شكن» الإيرانية. وهذا يكشف اتساع الطموح الصناعي لكنه لا يثبت نجاح إنتاج صاروخ مكتمل أو دخوله الخدمة أو تحقيقه مستوى معينًا من الدقة. وبين امتلاك المكونات وإنتاج سلاح موثوق مسافة ينبغي أن تبقى واضحة في التقدير.
وليست صلة الموردين في الصين ببرنامج التسليح استنتاجًا ناشئًا عن هذا التحقيق وحده، فقد أعلنت الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة «Shenzhen Rion»، وقالت إنها شحنت مئات المكونات المستخدمة في تصنيع أنظمة توجيه الصواريخ إلى جهات حوثية. ومع ذلك، يجب التمييز بين منشأ المكوّن ودور الشركة الموردة ومسؤولية الدولة، فالأدلة على نشاط شركات أو وسطاء لا تثبت وحدها اعتماد الحكومة الصينية عمليات التوريد أو علمها بكل مسار منها.
وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى أن قطع الإمداد الإيراني، مع أهميته لا يكفي لمعالجة مصادر القدرة كلها. فالشبكة التجارية تتيح الحصول على أجزاء ومواد ومعدات من بيئات متعددة، بينما تظل المعرفة والتصاميم والمكونات المتخصصة عناصر مؤثرة في حدود التصنيع المحلي. غير أن تعدد المسارات لا يجعل الشبكة منيعة، فبعض الأجزاء يصعب استبداله، وبعض المعدات يتطلب خبرة وصيانة، وتبديل الموردين والطرق يرفع الكلفة ويستهلك الوقت. وعليه، من المهم تحديد هذه القيود، لا افتراض قدرة غير محدودة على تجاوزها.
استعادة القدرة وفاعلية المواجهة
ومن هنا تبرز أهمية زمن استعادة القدرة بوصفه أحد مؤشرات تقييم أثر المواجهة، عبر قياس المدة اللازمة لاستعادة مستوى محدد من القدرة الهجومية بعد تعطيلها، مع مراعاة عدد الهجمات ونوعيتها وموثوقيتها، ومدى الحفاظ على وتيرتها بمرور الوقت. ويختلف ذلك عن زمن الإطلاق التالي الذي قد يعتمد على سلاح جرى تجهيزه مسبقًا، كما يختلف عن زمن إنتاج بدائل جديدة. ومن دون هذا التمييز، قد يُفسَّر استمرار بعض الإطلاقات على أنه تعافٍ كامل للقدرة الهجومية، أو يُفهم تراجع وتيرتها على أنه زوال للتهديد.
وعليه، فإن هجمات أكتوبر تثبت بقاء قدرة عملياتية مؤثرة وتفرض مراجعة تقدير حجمها ومصادرها. لكنها لا تعيّن وحدها معدل التعويض الصناعي ولا تثبت استخدام نموذج صاروخي بعينه لمجرد ظهور مكوناته في شحنة مضبوطة. وتحتاج المقارنة بين القدرة قبل الضربات وبعدها إلى متابعة ممتدة تميز بين بقاء المخزون وعودة الإنتاج وتجدد الإمداد. بذلك يصبح تقييم النجاح مرتبطًا بالأثر المستمر في قدرة الخصم، إلى جانب ما دُمّر من مخازن ومنصات.
تظهر أهمية هذه القراءة أيضًا في الساحل الغربي، حيث أعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة المخا، وأعلنت تقدمًا في المواقع الساحلية المحيطة بباب المندب بعد التوسع الحوثي. ويظل التمييز ضروريًا بين إعلان السيطرة على مواقع برية، وتثبيت تلك السيطرة وتأمين المرور البحري.
في هذا الإطار، أشار رئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك سعيد في تصريحات للغارديان إلى مشكلات التنسيق بين التشكيلات الحكومية، وتحدث عن تعرض تعز للهجوم من أربعة محاور. ويعزز هذا التقييم أهمية القيادة المنسقة لكنه لا يغني عن فحص الوقائع الميدانية لكل جبهة.
وحين تتزامن قدرة الحوثي على تهديد الملاحة قرب باب المندب مع اضطراب المرور في هرمز، تتشكل حالة اختناق مزدوج تضغط على حركة الطاقة والتجارة وبدائل التصدير. ولا يشترط هذا الأثر المتراكم إثبات غرفة عمليات واحدة تدير الممرين؛ إذ يكفي تزامن التهديدات وتداخل نتائجها لإضعاف مرونة الحركة.
تمنح جغرافيا اليمن هذا التهديد أهمية تتجاوز حدوده، فموقعه عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يوفر فرصًا مستمرة للتأثير في الملاحة. لكن تحويل الموقع إلى نفوذ يتوقف على القدرات والمراقبة والإمداد وتوازن القوى على ضفتي الممر.
ومن ثم، فإن توسع الاستقلال العملياتي للحوثي لا يعني انتهاء حاجته إلى إيران، كما أن استمرار الدعم الإيراني لا يلغي قدرته على المبادرة. والتقدير الأدق يتابع كيف تتغير علاقة الاعتماد وفي أي مجالات تتراجع أو تظل قائمة.
نحو استجابة متكاملة
تقتضي مواجهة هذا التحول جمع الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية في مسار متصل يبدأ بتعاون منهجي مع الدول التي تنشط فيها شبكات الشراء والتصدير، لتحسين التحقق من المستخدم النهائي وملاحقة تحويل السلع والمعدات إلى برامج التسليح وتعطيل الوسطاء والشركات التي تثبت صلتها بها. كما يتطلب تتبع قنوات التمويل والعائدات التي تُمكّن الجماعة من مواصلة الشراء، مع قياس الأثر الفعلي لهذه الإجراءات في الكلفة ومواعيد التسليم والقدرة على التعويض.
على المستوى الدفاعي، تبرز الحاجة إلى تكامل الإنذار المبكر والاعتراض والإنذار المدني ضد التهديدات الباليستية والجوالة والمسيّرة، وربطها بخطط حماية المنشآت الحيوية واستمرارية تشغيلها. ولا يختزل أداء المنظومة في المسافة التي يقطعها السلاح؛ فأزمنة الكشف والتصنيف واتخاذ القرار والاستجابة تُشكّل عناصر حاسمة في النتيجة.
في اليمن، تظلّ قدرة الدولة على توحيد القرار العسكري وتنسيق تشكيلاتها وتثبيت حضورها في المناطق المستعادة ركيزة أساسية لاستدامة أيّ تقدم. فالضغط على سلاسل الإمداد يحتاج إلى مؤسسات قادرة على المتابعة والإنفاذ، كما تحتاج النجاحات الميدانية إلى إدارة تمنع استثمار الانقسامات وإعادة فتح المسارات. وتكمن قيمة استعادة الساحل في تحويلها إلى أمن مستمر وسلطة فعلية للدولة، يضيق معهما هامش الحركة وإعادة بناء القوة.
لم يعد عدّ الصواريخ في المخازن كافيًا لفهم التهديد. فالمعيار الأعمق هو قدرة الجماعة على تعويض خسائرها واستعادة وتيرة هجماتها. وتُقاس فاعلية المواجهة بما تدمره من قدرة قائمة، وبما تمنعه من إعادة إنتاجها، بحيث تصبح كل خسارة أبطأ تعويضًا، وأعلى كلفة، وأشد أثرًا في قدرة الحوثي على مواصلة الحرب.