يرى كثيرون أن توجيه ضربة عسكرية خارجية إلى نظام سياسي قابل للانهيار قد يكون كفيلاً بإسقاطه أو شلّ قدرته على الاستمرار بصورة نهائية، بينما تكشف التجارب التاريخية أن الأنظمة الأيديولوجية والسلطوية لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية مباشرة. فقد تبقى ترسانتها قائمة ومؤسساتها الأمنية حاضرة، لكنها قد تعجز عن استخدام ما تملكه من قوة في اللحظة الحاسمة. فالفرق شاسع بين امتلاك أدوات القوة، والقدرة الفعلية على توظيفها في الوقت المناسب.
ولا شكّ أنّ الترسانات والجيوش لا تضمن بقاء السلطة في الوقت الراهن، لا سيّما إذا تصدعت سلسلة القيادة الداخلية، وانهارت الآلية التي يتحوّل عبرها القرار السياسي إلى فعل قسري ميداني، ووصلت الأجهزة المكلفة بحمايتها إلى قناعة مفادها: إنّ كلفة الدفاع عن رأس النظام أصبحت أعلى من كلفة الانكفاء عنه. وهذا مُتغيّر لا تكشفه أعداد الجنود أو الصواريخ، وإنما يُقاس بمدى ثقة المؤسسات الأمنية بالقيادة، وقدرتها على تنفيذ أوامرها وتقديرها لكلفة الاستمرار في الدفاع عنها.
التاريخ يزخر بالنماذج، ففي الاتحاد السوفياتي حاولت «لجنة الطوارئ» وقف إصلاحات رئيس الدولة ميخائيل غورباتشوف عام 1991بنشر قوات عسكرية والسيطرة على وسائل الإعلام، لكن المحاولة الانقلابية انهارت خلال ثلاثة أيام أمام المقاومة الشعبية، وصعود السلطة المنافسة بقيادة بوريس يلتسن، بعد امتناع قطاعات من الجيش عن تنفيذ الأوامر. وقد كشفت تلك الحالة أنّ المشكلة لم تكن غياب السلاح، بل بالعجز عن تحويله إلى فعل سياسي، بما أدّى في النهاية إلى الجمع بين انهيار النظام وتفكّك الدولة الاتحادية.
وفي رومانيا عام 1989 انتقل الجيش إلى جانب الثورة وتوقف عن حماية نيكولاي تشاوشيسكو، بينما واصلت وحدات من جهاز «الحماية الخاصة» القتال منفردة لأيام. وأثبت هذا التفاوت أن أجهزة القوة ليست كتلة صماء. فعندما تفشل السلطة في إدارة تباين المصالح بين أجهزتها، يتحول التعدد الأمني من مصدر للحماية إلى عامل للتفكك. وانتهت الحالة بسقوط النظام السياسي مع استمرار هيكل الدولة.
أما في إيران عام 1979، فعلى الرغم من الترسانة العسكرية الضخمة التي امتلكها نظام الشاه، أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 11 فبراير حياد الجيش وأمر الوحدات بالعودة إلى ثكناتها، في محاولة لوقف إراقة الدماء وتجنّب الانزلاق إلى حرب أهلية، بعدما كانت الانشقاقات والتصدعات قد بدأت تتسع داخل المؤسسة العسكرية. وقد جسدت هذه الحالة معادلة الكلفة: فعندما يغدو الدفاع عن النظام مُهددًا لبقاء المؤسسة العسكرية نفسها، قد تختار المؤسسة الحياد وهو ما أفضى حينها إلى زوال النظام الملكي وقيام نظام آخر من دون انهيار الدولة.
وفي سوريا كشف السقوط الخاطف لنظام الأسد أواخر عام 2024 أن صموده الطويل كان يخفي تآكلًا بنيويًا عميقًا، بفعل تهاوي الرواتب، وانتشار الفساد، وتدهور الإمداد وتراجع دعم الحلفاء. وفضّل كثير من الأفراد الفرار أو الانكفاء على خوض معركة فاصلة، فكان المشهد أقرب إلى سقوط النظام وتفكك مؤسسته العسكرية من دون زوال هيكل الدولة السورية ذاتها.
ومع ذلك لا تقود عوامل التآكل بالضرورة إلى انهيار النظام وهو ما تثبته الحالات المضادة. ففي إيران لم تؤدي هذه الآلية خلال الحراك الأخضر عام 2009 أو احتجاجات عام 2022 النتيجة نفسها، إذ نفّذ الحرس الثوري والباسيج حملة واسعة لقمعها وتنفيذ الاعتقالات دون تردد حاسم. ولم يكن الفارق في حجم الاحتجاجات بقدر ما كان في استمرار تدفق الموارد والحوافز المادية إلى النواة القسرية للنظام. فتآكل الشرعية الشعبية شرط مهم لكنه غير كافٍ: إذ لا تنضج اللحظة الحاسمة إلا حين يتزامن التآكل السياسي مع جفاف الموارد التي تشتري ولاء شبكات القوة وتحافظ على تماسكها.
وقد استوعب النظام الإيراني درس عام 1979 فأنشأ بنية قسرية موازية تعتمد على الحرس الثوري، ودمجها في القرار السياسي والاقتصادي حتى أصبح مصير هذه المؤسسة مرتبطًا بصورة عضوية ببقاء الجمهورية الإسلامية.
لذا، لا بُدّ من التمييز بين التماسك العقائدي الهيكلي وسقف التكيف الهيكلي عند إسقاط النماذج التاريخية على الحالة الإيرانية الراهنة. فالحرس الثوري اليوم ليس مجرد جيش من المجندين أو العناصر، بل شبكة مالية وعقائدية ومؤسسية مدمجة في بنية الدولة، ويُشكّل النواة القسرية لإعادة توزيع الموارد المتبقية واحتواء الضغوط الداخلية قبل وصول الانقسام إلى المستويات القيادية والميدانية، وهو ما يُعدّ مؤشراً لسقف التكيّف الهيكلي. فالسؤال هنا لا يتمحور حول حياد الجيش النظامي وحده، بل باحتمال امتداد التآكل إلى النواة القسرية ذاتها، عندما يتجاوز الضغط المالي قدرتها على التكيف وإعادة توزيع الموارد وضمان استمرار الولاءات.
“المنبوذ الاقتصادي” وغياب البديل
في هذا السياق، تكتسب استراتيجية “المنبوذ الاقتصادي” التي اعتمدتها الخزانة الأمريكية أهميتها. إذ تُركز على استهداف منافذ موازية تشمل الأصول الرقمية، والذهب، والشحن البحري، والطيران، والتقنية، إلى جانب الوسطاء الماليين بدلاً من الاكتفاء بسياسة التضييق المالي العام.
لكن انتقال هذا التجفيف المالي من الضغط الاقتصادي إلى التفكيك المؤسسي ليس آليًا ولا حتميًا، إذ قد تظهر ظاهرة “احتكار الرمق الأخير”. فعندما تنكمش الموارد العامة قد تتجه النواة القسرية وفي مقدمتها الحرس الثوري إلى احتكار الاقتصاد غير الرسمي وما تبقى من التدفقات المالية. وعندئذ يقع العبء الأكبر على السكان والمؤسسات المدنية، بينما تزداد الحصة النسبية الموجهة إلى الأجهزة الأمنية لضمان بقائها وقدرتها على البقاء.
ومن المهمّ الإشارة أيضاً إلى ارتباط فاعلية استراتيجية التجفيف بحدود المرونة الجيو-اقتصادية التي يوفرها بعض الفاعلين الدوليين. ففي الحالة الإيرانية، يُشكّل الاعتماد على المصافي الصينية المستقلة وعلى نظم الدفع البديلة وشبكات التجارة الرمادية، عاملاً لتأخير الوصول إلى نقطة الانقطاع المالي. كذلك، لا تبلغ العقوبات غايتها السياسية لمجرد إفقار المجتمع أو إضعاف الاقتصاد، بل عندما تعجز السلطة عن حماية الحلقة الأمنية التي تحميها، وتبدأ شبكات الولاء في مراجعة حساباتها على أساس الكلفة والمصلحة والبقاء.
بالإضافة إلى ذلك، لا يكفي نقص التمويل وحده أيضاً لكي تنتقل القيادات الأمنية والوحدات الميدانية من الدفاع عن النظام إلى الانكفاء عنه، بل يتطلب ذلك وجود بديل سياسي أو ترتيبات مؤسسية آمنة تضمن لها عدم التعرّض للتصفية أو الانتقام بعد السقوط. وفي غياب هذا البديل قد تفضّل النواة الأمنية القتال حتى النهاية، لا دفاعًا عن النظام بوصفه فكرة سياسية فحسب إنما دفاعًا عن وجودها الشخصي والطبقي ومصالحها المتراكمة.
وهنا تتشكل لحظة الانفصال القسري، وهي لا تحدث بالضرورة نتيجة هزيمة عسكرية خاطفة، بل عندما ينفصل العتاد عن الإرادة التنفيذية، وتصدر الأوامر، فيتردد منفذوها. وتكتشف المؤسسات المكلفة بالحماية أن كلفة استمرار الدفاع عن القيادة أصبحت أعلى من كلفة الانكفاء عنها أو التخلي عنها.
عند تلك النقطة لا يفقد النظام سلاحه فحسب، بل يفقد أيضاً القدرة على دفع مؤسساته العسكرية والأمنية إلى استخدام السلاح للدفاع عن بقائه.