طرحت الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران التي اندلعت منذ أشهر، والهجمات الإيرانية على الدول الخليجية التي تستضيف منشآت عسكرية أمريكية، سؤالاً أساسياً يتعلق بأمن الخليج، ولكن هذه المرّة من زاوية مختلفة تتجاوز قدرة التحالفات على ردع الاعتداءات، وتصل إلى مدى قدرة دول الخليج على التأثير في الظروف التي تُحدد نجاح الردع أو فشله، أو تحويله إلى تصعيد.
لقد بيّنت هذه الضربات أنّ الأمن يرتبط بالقدرة على التأثير في القرارات التي تشكّل مسار التصعيد وإدارته، لاسيّما بعد الهشاشة البنيوية لمنظومة الأمن الخليجي التي كشفتها الضربات الأمريكية على. فالترتيبات التي يُفترض أن تُعزّز الردع من خلال استضافة القوات الأمريكية ومنشآتها، زادت أيضاً من انكشاف الدول المضيفة أمام الرّد الانتقامي التي نفذّته طهران، من دون أن تمنح دول الخليج في الوقت نفسه نفوذاً موازياً على القرارات الأمريكية التي تستدعي هذا الرد.
مفارقة القواعد العسكرية
طرحت الحرب في بداياتها تحويل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج إلى حماية فعلية، عبر دفاع جوي وصاروخي متكامل، وإنذار مبكر مشترك، وتحصين البنى التحتية، وتعزيز التنسيق بين مراكز القيادة. لكن ترتيبات تمركز القوات الأمريكية ليست واحدة في جميع دول مجلس التعاون، ولا تعني منح واشنطن حرية مطلقة في تنفيذ العلميات. وبما أن البنود التي تُنظّم هذه الترتيبات غير معلنة، فإنّ أُطرها القانونية تتفاوت بين اتفاقيات للتعاون الدفاعي في البحرين والكويت وقطر والإمارات، وبين ترتيبات لاستخدام المنشآت في عُمان، ووصول عسكري في السعودية يخضع للتفاوض السياسي بدرجة أكبر. هذه الأطر لا تُجرّد دول مجلس التعاون من قدرتها على التحكم في استخدام أراضيها، لكن الخلل يكمن في أن هذه السيطرة لا تمنحها نفوذاً مماثلاً على مسار التصعيد الذي يبدأ من خارج الخليج، رغم أنها تتحمّل تبعاته مباشرة.
هذا التشخيص لا يزال قائماً. وقد أظهر التصعيد الذي تجدد عقب انهيار مذكرة التفاهم التي وقّعتها الأطراف في يوليو، أن الانكشاف أمام المخاطر ليس سوى المستوى الأول من المشكلة. فالسؤال الأعمق يتعلّق بمن يملك القدرة على التأثير في مسار التصعيد عندما تتحمّل دول مجلس التعاون التكلفة التي تقع على أراضيها، ناهيك عن التكلفة السياسية والاقتصادية، من دون أن يكون هذا الوضع من اختيارها.
انكشف هذا التباين بشكل أوضح مع تجدد العمليات القتالية. ففي 14 يوليو، استأنفت القيادة المركزية الأمريكية حصارها البحري للسفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها. وفي اليوم نفسه، أصدرت وكالة سلامة الطيران الأوروبية نشرة جديدة بشأن مناطق النزاع، أوصت فيها شركات الطيران بتجنّب أجواء البحرين، والكويت وقطر والإمارات. وربطت الوكالة الخطر صراحةً بالهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والنشاط العسكري الأمريكي، وتفعيل منظومات الدفاع الجوي، ووجود منشآت عسكرية أمريكية كبرى. وهكذا، دخلت أجواء دول مجلس التعاون وقواعدها وممرّاتها البحرية وبُناها التحتية ضمن المجال الجغرافي للعمليات العسكرية الأمريكية خلال الحرب. ويبيّن نشاط الصواريخ والطائرات المسيّرة الذي أثّر في الكويت والبحرين وقطر مؤخراً استمرار هذا الضغط واتساع نطاقه. كذلك، كشفت التحذيرات المتجددة للطيران بشأن أجواء البحرين والكويت وقطر والإمارات وخليج عُمان أنّ تركّز المنشآت العسكرية الأمريكية الكبرى يرفع مخاطر الهجوم، والاعتراض، والخطأ في تحديد الأهداف، فضلاً عن اتساع نطاق الاضطرابات العملياتية.
بالإضافة إلى ذلك، أظهر إغلاق إيران لمضيق هرمز، الذي يمرّ عبره أكثر من ثلث النفط الخام المنقول بحراً على مستوى العالم ونحو خُمس الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب العديد من السلع الأساسية الأخرى، قوة الإكراه في الحروب المعاصرة. فاستراتيجية الرد الإيرانية لم تهدف إلى الضغط على دول الخليج من خلال استهداف بنيتها التحتية فحسب، بل إلى الضغط على الاقتصاد العالمي عبر تعطيل الروابط التي تصل الخليج بالأسواق العالمية. ولذلك، كان تعطيل صادرات الطاقة وحركة الملاحة وإمكانية استخدام المجال الجوي محورياً بقدر استهداف البنية التحتية للقواعد الأمريكية، ما فرض على دول الخليج تكلفة اقتصادية وسياسية واسعة.
حين يكشف الإكراه البنيوي فجوة الفاعلية الخليجية
من المهم الإشارة إلى أنّ دول مجلس التعاون أصبحت عنصراً لا غنى عنه لعمل منظومة الأمن الإقليمي أكثر من أي وقت مضى، لكن قدرتها على التأثير في مسارات التصعيد التي تُعرّضها للخطر ما زالت محدودة. إذ، غالباً ما تصف الأدبيات الأكاديمية مسألة الوساطة وتنويع الشراكات والتحوّط الاستراتيجي بأنها أدوات تُعزّز قدرة دول الخليج على الفعل الاستراتيجي. لكن النشاط الدبلوماسي لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على التأثير. فقد تُساعد قطر في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين واشنطن وطهران، فيما تستطيع السعودية والإمارات تنويع علاقاتهما الاقتصادية والدفاعية. وقد يمنح التنويع والتحوّط الاستراتيجي حكومات الخليج استقلالية أكبر في سياستها الخارجية في مواجهة تنافس القوى الكبرى، لكن ذلك لا يمنحها بالضرورة نفوذاً على قرارات بدء الحرب، أو والتحكم في وتيرتها، أو نطاقها الجغرافي، أو كيفية إدارتها عملياتها، أو توقيت إنهائها.
من هذا المنطلق، يسير النهج الاستراتيجي الناشئ نحو الشراكة المشروطة. فإذا كان المطلوب تحويل الوجود العسكري إلى حماية فعلية، فلا بد أيضاً من تحويل الشراكة الأمنية إلى نفوذٍ حقيقي في إدارة التصعيد. وهذا يتجاوز المشاورات الشكلية أو التحسينات التدريجية في تقاسم الأعباء، ويقتضي إعادة تفاوض جوهرية على الشروط السياسية التي تنظّم الوصول العسكري، واستخدام القواعد، وتقديم الدعم العملياتي. ولهذه الغاية، تملك حكومات الخليج بالفعل سلطة واسعة على أراضيها، فهي تستطيع تقييد آليات استخدام القواعد والمجال الجوي والمنشآت الواقعة ضمن سيادتها. لكن فجوة التأثير تظهر عندما تؤدي عمليات عسكرية أمريكية تُنفَّذ خارج أراضي دول الخليج إلى تغيير طبيعة التهديدات التي تواجهها هذه الدول في الداخل. فقد تمارس دولة خليجية حقها السيادي في رفض المشاركة بالهجوم، ومع ذلك تصبح هدفاً للرد الانتقامي.
آليات الشراكة المشروطة
| الآلية | المجال الذي تُنظمهُ؟ | الهدف | الأثر |
| سلطة الموافقة على استخدام القواعد والوصول العسكري | استخدام أراضي دُول الخليج وأجوائها ومنشآتها وأصولها اللوجستية في العمليات العسكرية الهجومية | الحفاظ على سيادة الدولة المضيفة في العمليات التي تنطلق من أراضيها أو تعتمد عليها بصورة مباشرة | منح دول مجلس التعاون سُلطة أوضح للموافقة على أنواع محددة من الاستخدام العسكري، أو تقييدها، أو ربطها بشروط |
| التشاور بشأن مخاطر التصعيد | العمليات العسكرية الأمريكية الكبرى التي تُنفّذ خارج الخليج، وقد تزيد احتمال تعرّض دول مجلس التعاون لرد انتقامي | توسيع قدرة دول الخليج على التأثير بحيث تتجاوز الموافقة على استخدام أراضيها، لتشمل القرارات التي تؤدي إلى تحوّل في بيئة التهديد المحيطة بها | إرساء مشاورات منظّمة، وإخطار مسبق حيثما أمكن، وتقييم مشترك للتداعيات الإقليمية المحتملة |
| الالتزام بتوفير الحماية في ظلّ تصاعد مستوى التعرّض للمخاطر | الحالات التي ترفع فيها العمليات العسكرية للحليف احتمال استهداف أراضي الخليج أو بنيته التحتية أو أنظمته المدنية | ربط تصاعد مستوى التعرّض الاستراتيجي بالتزامات دفاعية واضحة ومحددة سلفاً
|
تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وحماية القوات، والإنذار المبكر، ودعم البنية التحتية الحيوية |
وبناءً على ذلك، ينبغي أن تقوم الشراكة المشروطة على ثلاثة مستويات مترابطة من الفاعلية: أولاً، صون السيطرة السيادية على استخدام أراضي دول الخليج ومجالها الجوي ومنشآتها العسكرية؛ وثانياً، إرساء آليات مؤسسية تتيح لها التأثير المنظّم في القرارات العسكرية الخارجية التي ترفع بصورة ملموسة مستوى انكشافها للمخاطر؛ وثالثاً، ربط هذا الانكشاف المتزايد بالتزامات حماية محددة مسبقاً تُفعّل كلما ارتفع مستوى التهديد.
ولا يستهدف هذا الطرح التشكيك في مركزية الولايات المتحدة ضمن منظومة أمن الخليج، بقدر ما يسعى إلى منع تحوّل هذه المركزية إلى مبرر لاستدامة علاقة أمنية غير متكافئة. ففجوة الفاعلية الخليجية لا تنبع أساساً من غياب السيطرة السيادية على القواعد والمنشآت العسكرية، وإنما من محدودية التأثير في قرارات التصعيد التي قد تُتخذ خارج الإقليم، بينما تمتد تداعياتها الأمنية والعسكرية مباشرة إلى دول الخليج. وبذلك، تظل الفاعلية التي تمارسها هذه الدول أضيق من الجغرافيا الفعلية للمخاطر التي تتحمل تبعاتها.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.