في الحادي عشر من أغسطس 2026، أصدرت محكمة الجنايات في دمشق حكماً بالإعدام غيابياً على الرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر، بعد إدانتهما بجرائم شملت القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت خلال الصراع الذي استمر في البلاد قرابة 14 عامًا. وفيما لا يزال بشار وشقيقه خارج البلاد، حوكم ابن خالتهما عاطف نجيب، المسؤول الأمني السابق حضورياً وصدر بحقه حكم بالإعدام. كما صدر الحكم نفسه بحق وسيم الأسد في الثامن عشر من الشهر نفسه.
تُشكّل هذه الأحكام لحظة فارقة لبلد ينهض من ركام الاستبداد والدمار التي عنى منها على مدار عقود، لكنها تطرح سؤالاً أكثر صعوبة: كيف تُبنى العدالة بعد انتهاء الديكتاتورية؟ هذا السؤال ليس مجرد تأمل نظري. فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، باشرت سوريا بناء آليات مساءلة رسمية. فأُنشئت في مايو 2025 هيئتان وطنيتان: للعدالة الانتقالية وللمفقودين، كما تشكّلت لجان تحقيق لاستقصاء أحداث العنف الدموي التي وقعت على الساحل وفي السويداء في مارس 2025.وفي أبريل 2026، انطلقت في دمشق أولى المحاكمات العلنية لمسؤول بارز من حقبة الأسد، حيث مثُل عاطف نجيب أمام القضاء، وجرى محاكمة بشار وماهر غيابياً.
تُشير هذه الخطوات إلى أن المساءلة لم تعد مجرد وعد سياسي، بل تحولت إلى إجراء مؤسسي، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن صعوبة بالغة: كيف يُمكن تحديد من يُحاسب، وعلى: أي أساس ووفق أيّ أدلة؟ لا يمكن ببساطة قياس الإجابة بعدد الأحكام الصادرة أو بمدى شدّتها. فقد خلّف نظام الأسد وراءه جهازًا أمنيًا وإداريًا واسعًا، تباينت فيه المسؤولية على مستويات عدّة. فقد وضع بعض المسؤولين خطط العنف المنهجي وأصدروا أوامرهم، بينما تولى آخرون تنفيذها. فيما عمل كثيرون غيرهم داخل مؤسسات الدولة من دون أن يرتكبوا جرائم جسيمة، لأن وظائفهم أحيانًا كانت وسيلتهم الوحيدة لإعالة أسرهم، وأحيانًا لأن رفض الأوامر كان يعني المجازفة بالبقاء على قيد الحياة. هذا التمييز لا يُعَدّ تبريرًا للإفلات من العقاب، بل هو الأساس الذي تقوم عليه المساءلة الموثوقة وذات مصداقية.
بين المسؤولية والبقاء
من غير المنطقي اختزال العلاقة بين الأفراد والسلطة ضمن ثنائية مبسطة كـ “الولاء” و”المعارضة”، بل ينبغي فهمها بوصفها طيفاً متدرجاً من أنماط التكيف السلوكي الذي تحكمه اعتبارات معينة مثل البقاء والأمن الشخصي، لا سيّما في ظل نظام سلطوي استبدادي، يقوم على البراغماتية النفعية المدعومة بأدوات القسر والعنف.
تصف أدبيات العدالة الانتقالية هذه المعضلة بـ”الامتثال القسري” لكنها في السياق السوري تتخذ وجهًا أكثر تعقيدًا: ولاءات مفروضة تجلت في زمن الأسد بسلوكيات سياسية علنية أبرزها: مشاركة في مسيرات، هتاف الشعارات، أو إظهار التأييد اللفظي. لكن هذه الأفعال لم تكن تعكس بالضرورة قناعة سياسية معينة، بل كانت في الغالب وسيلة امتثال من أجل البقاء.
إن إدراك هذا الفارق لا يُقلّل من فظاعة جرائم النظام، بل يُؤسس لتمييز ضروري: محاسبة الجناة دون تحويل كل وسيلة من وسائل الامتثال إلى دليل إدانة. تُعدّ محاكمة عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا على إرساء تدرّج واضح للمسؤولية. وتؤكد محاكمته، إلى جانب الحكم الصادر في 11 أغسطس بحق الأسد وشقيقه، أهمية ملاحقة الأفراد الأكثر مسؤولية عن الجرائم الجسيمة. لكن العدالة الانتقالية لا تكتسب مصداقيتها بمجرد الوصول إلى كبار المتهمين، بل يجب أن تُظهر أيضًا أن إثبات الذنب يستند إلى الأدلة، والإجراءات القانونية السليمة، والمسؤولية الفردية. ولا تزال سوريا تعمل على تطوير الإطار القانوني اللازم لهذه المحاكمات، بما في ذلك كيفية التعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ومسؤولية القيادة.
تُمثل حمص اختباراً مبكراً لهذا التمييز. ففي يوليو 2026، أجرت هيئة العدالة الانتقالية عملاً ميدانياً في المدينة، وأطلقت فرقاً لتقصي الحقائق في الحولة وتسنين للتحقيق في الانتهاكات السابقة. تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة لأن المدينة التي تشكّلت بفعل دورات متعاقبة من القمع والانتقام أصبحت اليوم ساحةً رسمية لتقصي الحقيقة. وفي الوقت نفسه، شهدت حمص أعمال قتل انتقامية استهدفت أفراداً يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بالنظام السابق فضلًا عن مدنيين وجدوا أنفسهم في بيئة كان من الصعب فيها الفصل بين الانتماء السياسي، والهوية الطائفية، والمسؤولية المفترضة عن الانتهاكات.
بادرت السلطات الحالية إلى احتواء هذا العنف، ففي يونيو 2025 أصدر المجلس الأعلى للإفتاء فتوى تحرّم جرائم الثأر والانتقام خارج إطار القانون، ودعت إلى إحالة الخلافات والنزاعات إلى الجهات القضائية المختصة وشدّدت الإجراءات الأمنية. ومع ذلك، واصلت جهات حقوقية توثيق حالات قتل في حمص خلال عام 2026، مشيرةً إلى أنّ عددًا كبيرًا منها لم تُعلن بشأنه تحقيقات رسمية أو نتائج قضائية. يكشف هذا التباين عن التحدّي الأهم الذي تواجهه المرحلة الانتقالية في سوريا: منع تحويل اتهامات “فلول النظام” بالانتماء إلى أداة فضفاضة للانتقام أو الإقصاء بديلاً عن المساءلة الحقيقية، بالتوازي مع أهمية بناء مؤسسات تضع معايير دقيقة تضمن محاسبة المسؤولين فعلياً، دون أن تتحول إلى أداة لإنتاج مظالم جديدة.
ا تُقدّم التجارب الدولية نماذج مختلفة للتعامل مع إرث الأنظمة السلطوية، وتشير في الوقت نفسه إلى تحذيرات مهمة بشأن مخاطر الخلط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية.
تُظهر التجربة الألمانية بعد سقوط نظام ألمانيا الشرقية أهمية التمييز بين درجات المسؤولية عند التعامل مع إرث أجهزة القمع. فبعد إعادة توحيد ألمانيا، فُتحت أرشيفات جهاز أمن الدولة “الشتازي”، وكشفت الوثائق عن شبكة واسعة من المتعاونين والمخبرين الذين اختلفت دوافعهم ودرجة انخراطهم في عمل الجهاز، فبعضهم تعاون طوعًا، مدفوعًا بمكاسب مهنية أو مصالح شخصية، بينما خضع آخرون لضغوط بدرجات متفاوتة. لكن مجرد ورود اسم شخص في جهاز “الشتازي” لم يكن كافياً لإثبات ارتكابه جريمة أو تحميله مسؤولية جنائية. لذلك اتجهت عملية التعامل مع إرث النظام إلى فحص طبيعة دور الفرد، وظروف تعاونه، ومدى مشاركته في القمع أو الجرائم. وكان هذا التمييز ضروريًا للفصل بين المسؤولين عن تصميم منظومة القمع وإدارتها، وبين من وجدوا أنفسهم داخلها بدرجات مختلفة من المشاركة أو الإكراه.
أما لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، فقد اختارت مسارًا مختلفًا، يقوم على منح عفو مشروط لمن يقدّم اعترافًا كاملًا بما ارتكبه، مع إتاحة المجال للضحايا لسرد تجاربهم علنًا والمساهمة في صياغة رواية وطنية مشتركة. ورغم أن التجربة لم تحقق ما يكفي في مجال جبر الضرر والإنصاف الكامل للضحايا، فإنها قدّمت نموذجاً لإمكانية الجمع بين كشف الحقيقة والمصالحة الوطنية.
في المقابل، تكشف تجربة اجتثاث البعث في العراق بعد عام 2003 عن مخاطر توسيع نطاق المساءلة لتتجاوز المسؤولية الفردية. فبدل أن تتركز الإجراءات على المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، امتدت إلى قطاعات واسعة من مؤسسات الدولة والعاملين فيها، ما أضعف مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها، وأسهم في توفير بيئة مواتية للتمرد وتعميق الانقسامات والمظالم الطائفية.
تقود هذه التجارب إلى خلاصة أساسية لسوريا: إن إعادة بناء المجال السياسي على أسس عادلة تتطلب فهمًا دقيقًا لكيفية تكيف الأفراد والمؤسسات مع القسر، والتمييز بين المسؤولية الفعلية والانخراط القسري، وبين المشاركة في صناعة العنف والامتثال الذي فرضته ضرورات البقاء. فالمساءلة العادلة لا تعني الإفلات من العقاب، كما لا تعني معاقبة الجميع، بل تعني محاسبة من ارتكبوا الجرائم ووجهوها، وترك مساحة لإعادة الاندماج لمن فرضت عليهم ظروف القمع قدراً من الامتثال دون أن يكونوا طرفًا فعليًا في الانتهاكات.
إدارة العدالة
إذا كان الامتثال القسري جزءًا متجذراً في بنية نظام الأسد، فإن العدالة لا يمكن أن تُدار بمنهج واحد ينطبق على الجميع. فمصداقية مسار العدالة لا تعتمد فقط على القوانين الناظمة للمساءلة، وإنما أيضاً على كيفية التمييز بين الحالات وترتيب أولوياتها. ويتعيّن على سوريا أن تضع تدرجاً واضحاً للمسؤولية بحيث يوجّه اهتمام القضاء وموارده نحو من خططوا العنف المنهجي، بدلاً من استنزاف الموارد القضائية في محاكمات عشوائية لمسؤولين من الرتب الأدنى.
يكشف استخدام النظام عضوية حزب البعث بوصفها مسارًا شبه إلزامي للوصول إلى الوظائف والتقدّم المهني عن صعوبة إجراء هذا التمييز. فبالنسبة إلى كثير من السوريين، لم تكن العضوية الحزبية بالضرورة تعبيرًا عن قناعة سياسية، بقدر ما كانت استجابة لضغوط مؤسساتية وأمنية. وفي بيئة اتسمت بالرقابة والخوف والتغلغل الواسع للأجهزة الأمنية، تحوّلت حتى مظاهر الولاء العلني إلى وسيلة للحفاظ على الذات. وهنا، تتطلب المساءلة البحث في طبيعة السلوك: ماذا فعل الفرد فعليًا؟ ما الصلاحيات التي كان يمارسها؟ هل شارك في القمع أم اكتفى بالامتثال الظاهري للنظام؟ ما الأدلة التي تثبت مسؤوليته؟
انطلاقًا من ذلك، يصبح التعامل مع مواقف الأفراد الذين سبق لهم التعبير عن تأييد النظام مسألة تتطلب قدرًا كبيرًا من التمييز والحذر. لذلك، لا ينبغي اعتبار التصريحات المؤيدة، أو المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو المشاركة في الفعاليات الرسمية، دليلًا قائمًا بذاته على المسؤولية أو التورط، بل يجب تقييم كل حالة في سياقها، والنظر في موقع الفرد ودوره وسلوكه الفعلي.
فقد أصبح مصطلح الفلول مصطلحاً جامعاً وخطيراً في الخطاب السوري، إذ يُستخدم أحياناً للإشارة إلى كبار الجناة وإلى الموظفين المدنيين بالرتب الأدنى على حد سواء. وعندما تتجاوز المساءلة الحدود، فإنها تفقد قدرتها على تحديد الجناة الفعليين. لذا، لا بُدّ من محاسبة بشار الأسد ومعاونيه وكلّ من تثبت مسؤوليته عن الجرائم الجسيمة على أساس الأفعال التي ارتكبوها والأدوار التي أدّوها، لا بسبب انتمائهم الطائفي أو الديني، ولا لمجرد عضويتهم في مؤسسات الدولة أو عملهم فيها.
العدالة دون عقاب جماعي
من المهم ألاّ ننظر إلى الأحكام الصادرة بحق بشار الأسد وغيره من كبار المسؤولين، باعتبارها نهاية لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، وإنما بوصفها اختبارًا مبكرًا لقدرة هذا المسار على إرساء عدالة حقيقية وذات مصداقية.
فالعدالة لا يمكن أن تتحوّل إلى وسيلة لمحاكمة مجتمع سياسي أو اجتماعي بأكمله. وعليه، لا ينبغي أن يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بعدد الملاحقات أو الأحكام، وإنما بمدى دقة تحديد المسؤولية وإسنادها إلى من تثبت مسؤوليته فعلًا. فالضحايا يستحقون العدالة، ومن خططوا لارتكاب الجرائم الجسيمة أو وجّهوا ارتكابها أو شاركوا فيها يجب أن يحاسبوا. لكن من اضطروا إلى العمل داخل مؤسسات الدولة السابقة والتكيف مع آلياتها من أجل البقاء، لا ينبغي أن يُدانوا لمجرد أنهم عاشوا في ظل ذلك النظام أو واصلوا العمل داخله.
فالعدالة التي تتأنى في التمييز بين الحالات ليست عدالة متساهلة، بل عدالة أكثر دقة وإنصافًا. ولهذا، تحتاج سوريا إلى ترسيخ مبدأ جديد: المساءلة تُبنى على السلوك والأدلة والمسؤولية الفردية، لا على الطائفة، أو الحزب، أو المؤسسة، أو الهوية الجماعية. وبهذا يمكن للعدالة أن تخرج من حالة الفوضى الاتهامية وتعامل مع الماضي دون أن تُعيد انتاجه.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.