في 30 يوليو، حاول نحو 72 ألف شخص العبور من المغرب إلى سبتة، وهي “الجيب الإسباني” على الساحل الشمالي لأفريقيا. ولم تكن محاولات اختراق حدود سبتة التي تُعتبر شديدة التحصين جديدة لا سيّما من قبل الشباب الراغبين في الهجرة إلى أوروبا. لكن الموجة الأخيرة كانت الأكبر وربّما الأكثر مأساوية في العقود الأخيرة، إذ لقي 88 شخصاً حتفهم، معظمهم من فئة الشباب المغاربة الذين خاطروا بحياتهم، ظناً منهم بأن الحدود مع إسبانيا قد فُتحت فعلياً.
في البداية، عزت السلطات المغربية والإسبانية الحادثة إلى انتشار معلومات مضلّلة. فقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي منشورات ومقاطع فيديو تزعم أن إسبانيا ستسمح للمهاجرين بدخول سبتة، فيما أسهمت شبكات تهريب البشر في ترويج هذه الشائعات. وقد عزز انتشار خبر الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية، في تعزيز الاعتقاد بأن الوصول إلى سبتة سيجعل ترحيل المهاجرين فوراً أكثر صعوبة، لأنه يرفض إعادة المهاجرين الذين يُعترضون في البحر من دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. ومع نطاق اتساع الشائعة، توجّه الآلاف إلى الحدود بوتيرة أسرع من قدرة الحكومتين على احتواء الحركة.
أثارت الحادثة أيضاً أسئلة بشأن دور المغرب. فقد غذّى سيناريو التراخي في ضبط الحدود التكهنات التي اعتبرت أن السلطات سمحت بتفاقم هذا التدفّق بطريقة أو بأخرى، لا سيما في ضوء سابقة عام 2021، عندما خفّف المغرب الرقابة على حدود سبتة خلال فترة التوتر الدبلوماسي مع إسبانيا بشأن الصحراء الغربية. لكن مسألة أي تدخل رسمي ونطاقه لا يزال غير واضح وغير ثابت.
هذين التفسيرين لا يكفيان لتبيان حجم هذا الحدث ودراسة الظروف المحيطة به. فالمعلومات المُضلّلة قد تكون سبباً لتفسير اندفاع عشرات الآلاف من المغاربة لدخول إسبانيا في 30 يوليو، وسيناريو التلاعب المحتمل بالرقابة على الحدود قد يكون سبباً لتفسير كيف تمكّنوا من التحرك. على الرغم من ذلك، لا يمكن تفسير وجود هذا العدد الكبير من الأشخاص المستعدين للمخاطرة بحياتهم وخوض هذه المحاولة بناء على هذين السببين.
لذا، من المهم تسليط الضوء على أزمة سبتة من خلال الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي يواجهها الشباب في المغرب. ففي مقابل الإنجازات الاقتصادية التي حقّقها المغرب، تعاني شريحة عريضة من المواطنين من ضعف فرص العمل، والتفاوت في التنمية، وارتفاع كلفة المعيشة، والاستياء من الخدمّات العامة، وتتراجع ثقتهم بإمكانية تحسن فرصهم الاقتصادية مستقبلاً. وبالتالي، فإنّ الفجوة بين أداء الاقتصاد المغربي وبين هؤلاء تتسع يوماً بعد يوم. وقد شكّلت محاولة العبور الجماعية هذه، مؤشراً بارزاً عن هذه الفجوة خلال عام واحد بعد الاحتجاجات الشبابية في خريف 2025.
نمو لا يخلق ما يكفي من الوظائف
شهد المغرب نمواً اقتصادياً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين. ففي عام 2025، تصدّر هذا البلد الدول الأفريقية في مؤشر التصنيع الصادر عن البنك الأفريقي للتنمية، متجاوزاً جنوب أفريقيا للمرة الأولى، مدفوعاً بنمو قطاعات السيارات والطيران والفوسفات. كما نما الاقتصاد المغربي بنحو 5 في المئة في العام نفسه، فيما عزّزت الاستثمارات الكبرى في البنى التحتية والتصنيع موقع المغرب بوصفه أحد أكثر اقتصادات شمال أفريقيا تنوّعاً.
لكن هذا النجاح يخفي ثغرة في نموذج التنمية المغربي، تتمثّل في توسّع اقتصادي لم يُرافقه فرص عمل كافية ومُنتجة تستوعب الزيادة في عدد السكان النشطين اقتصادياً في سنّ العمل. حيث سجل العقد الماضي، نمواً في هذه الفئة بنسبة تخطّت الـ 10 في المئة، فيما لم ترتفع نسبة التوظيف سوى 1.5 في المئة، وذلك بحسب البنك الدولي.
فضلاً عن ذلك، يتركز جزء كبير من الاستثمارات في الصناعات كثيفة رأس المال، ومشاريع ضخمة ترفع الإنتاجية، وتجذب الاستثمار الأجنبي، من دون أن توفّر ما يكفي من الوظائف. وهذا ما يفسّر تعايش المؤشرات الاقتصادية القوية مع الضغوط المزمنة في سوق العمل.
هذه الضغوط البنيوية تقع بصورة أكبر على الشباب الذين يشكّلون أكثر من نصف سكان المغرب. وبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغت البطالة بين المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً 29.2 في المئة في الربع الأول من 2026، أي نحو ثلاثة أضعاف المعدل الوطني البالغ 10.8 في المئة. وترتفع النسبة بين الشباب إلى 45.3 في المئة عند احتساب أشكال أخرى من التعطّل في سوق العمل، مثل العمالة الناقصة والراغبين في العمل الذي لا يبحثون عن الوظائف بشكل نشط. بالإضافة على ذلك، مضى أكثر من عام على بطالة نحو ثلثي العاطلين عن العمل في المغرب.
هذا ما أسهم بدوره في تعرّض القدرة الشرائية للأُسر لضغوطات متواصلة. فقد أدّت موجة التضخم في 2022 و2023، التي تجاوزت ذروتها 10 في المئة، إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين، وما تزال آثارها قائمة حتى اليوم. والنتيجة فجوة واضحة بين أداء الاقتصاد المغربي على المستوى الوطني وبين الفرص المتاحة على أرض الواقع.
وبالتالي، استطاعت الصناعات الجديدة ومشاريع البنى التحتية المدعومة بالاستثمار الأجنبي إحداث التغيير في أجزاء من الاقتصاد المغربي، لكنها لم تخلق الفرص الاقتصادية الكافية للشباب.
من الاحتجاج إلى الهجرة
يبدو أن محاولات العبور إلى سبتة تعكس حالة من الاستياء، ففي سبتمبر 2025، امتدّت احتجاجات نُظّمت تحت شعار GenZ 212 إلى ما لا يقل عن عشر مدن، بعد وفاة ثماني نساء حوامل في مستشفى عام يفتقر إلى التجهيزات الأساسية. وسرعان ما اتسعت التظاهرات لتُعبّر عن غضب من تردّي الخدمات العامة ومن أولويات الإنفاق الحكومي، وخصوصاً حجم الاستثمارات المرتبطة باستضافة المغرب كأس العالم 2030 بالمقارنة مع الموارد المخصّصة للصحة والتعليم.
تجاوبت الحكومة بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم بنسبة 16 في المئة في موازنة 2026، لكن المغرب شهد على خلفية هذه الاحتجاجات توقيفات أُحيل خلالها أكثر من 2,400 شخص إلى القضاء وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص. لكن أحداث سبتة توحي بأن ما حملته تلك الاحتجاجات من مطالبات لتحسين الأوضاع المعيشية لم ترتق إلى طموحات الشباب. ولا يوجد هنا ما يدعو إلى الافتراض بأنّ المشاركين في احتجاجات 2025 هم أنفسهم الذين حاولوا لاحقاً الوصول إلى سبتة، لكن كلتا الحالتين انطلقتا من فئات لا تعلّق ثقة كبيرة على وعود الحكومة الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن استعداد الأفراد لخوض رحلة عبور خطرة استناداً إلى شائعة غير موثوقة يُوحي بأهمية قراءة قنوات التعبير عن السخط في الداخل ومدى إغلاقها، أو عجزها عن إحداث تغيير فعلي. فقد تبيّن أن زيادة الإنفاق الاجتماعي في دورة موازنة واحدة لمعالجة أوضاع تراكمت على مدى سنوات غير كافية، ما يستدعي استجابة أكثر استدامة.
يتوقف تفسير أسباب الهجرة أيضاً على اعتقاد الشباب لما ينتظرهم في الخارج. فجاذبية أوروبا بالضرورة لا تنبع مما توفره في المطلق، بل من المقارنة بينها وبين الفرص المتاحة في المغرب. بالإضافة إلى تعزيز وسائل التواصل الاجتماعي لهذه المقارنة من خلال عرض أنماط الحياة في أوروبا والفرص التي تخلقها، أمام جمهور يدرك ماهية الواقع الاقتصادي الذي يُحيط به.
في هذا السياق، تعكس أوضاع بعض الذين حاولوا العبور هذه الصورة. فبعضهم كان يعمل ويتمتع بظروف معيشية مستقرة نسبياً، ومع ذلك اعتقد أن هناك إمكانية نحو بناء مستقبل أفضل في أوروبا. وكان آخرون يعملون بأجور لا تتيح لهم فرصة تُذكر لتحسين أوضاعهم. وفي الحالتين، تنبع جاذبية أوروبا من الأمل بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وهو أمل يرى الشباب المغربي أن تحقيقه في الداخل بات أكثر صعوبة.
قد تكون المعلومات المضلّلة هي الشرارة التي فجّرت أزمة سبتة، لكنها لا تفسّر الدافع الكامن خلفها. فالشائعة اكتسبت قوتها لأنها قدّمت فرصة مفاجئة لشباب يعتقد بأنه سيجد وسيلة لتحقيق تطلعاته في الخارج.
تحدٍّ أعمق
من المُرجّح أن تركّز الحكومتان المغربية والإسبانية على الإجراءات التي تُعد أكثر وضوحاً ومباشرةً، وفي مقدّمها تشديد الرقابة على الحدود، إلى جانب زيادة الإنفاق الاجتماعي في المغرب. وقد تحدّ هذه الخطوات من حجم المشكلة وظهورها في المدى القصير، لكنها لن تعالج على الأرجح الضغوط الأعمق التي تقف خلفها. فما دام الاقتصاد المغربي يحقق نمواً من دون أن يخلق ما يكفي من فرص العمل للشباب، ستبقى الأسباب التي مهّدت لما حدث في سبتة قائمة.
وتكمن دلالة ما حدث، في النهاية، في قدرة الشائعة على إقناع عشرات الآلاف ودفعهم إلى التحرّك بهذه السرعة. فاحتجاجات 2025 ومحاولات العبور إلى سبتة تمثلان استجابتين مختلفتين لتآكل العقد الاجتماعي نفسه: إحداهما تتجه إلى المطالبة بالتغيير في الداخل، والأخرى إلى البحث عن الفرص في الخارج. وستُحدد طريقة استجابة الدولة لهذه الضغوط، احتمال تكرار أزمات مشابهة إلى حدّ بعيد، كما ستؤثّر في طبيعة علاقتها بالجيل الذي سيُشكّل مستقبل المغرب خلال العقود المقبلة.