كشف الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تامير هايمان، أن إسرائيل كانت تعوّل، في بداية الحرب التي شنّتها إلى جانب الولايات المتحدة في أواخر فبراير، على ممارسة ضغوط على طهران عبر إشعال تمرّد كردي داخل إيران، وذلك خلال مقابلة تلفزيونية أجراها مؤخراً. غير أن هايمان وصف هذه الخطوة بأنها «الركيزة الأساسية» لخطة أوسع تهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، لكنها أُحبطت بعدما أقنع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيره الأمريكي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتخلي عنها.
يعود امتناع القوى الكردية عن التحرّك لعوامل متعددة، لكنّ هذه الرواية تعكس واقعاً أكثر اتساعاً آخذاً في التشكّل بالشرق الأوسط، وهو يتمثل في أنّ تركيا باتت بصورة متزايدة، تُشكّل عائقاً أمام الأهداف الإقليمية لإسرائيل.
يظهر هذا الواقع جلياً في سوريا، حيث أتاح انهيار نظام الأسد فُرصاً، كما خلق مخاطر أمام القوى الإقليمية في آن واحد. فقد سعت إسرائيل، منذ ذلك الحين، إلى الحيلولة دون قيام سلطة مركزية سورية متماسكة، بما يضمن لها هامش واسع من حرية الحركة، في المقابل أعطت تركيا الأولوية لإعادة بناء دولة سورية قادرة على أداء وظائفها، بما يتيح استقرار البلاد والحد من اتساع رقعة الصراع. هذا التباين في الأهداف بين الجانبين، حوّل سوريا إلى ساحة رئيسة للتنافس التركي–الإسرائيلي المتصاعد، في وقت يعمل فيه الطرفان أيضاً على التأثير في توجهات السياسة الأمريكية بما يخدم مصالح كل منهما.
سوريا.. ساحة نفوذ مركزية
عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تحوّلت سوريا إلى ساحة رئيسة للتنافس بين أنقرة وتل أبيب. وقد سارعت إسرائيل إلى توسيع انتشارها العسكري في جنوب سوريا بذريعة إقامة منطقة عازلة أمنية تتجاوز المناطق المحتلة في هضبة الجولان. وفي سياق ذلك، قيّدت انتشار القوات المسلحة السورية في الجنوب، وعملت على تأجيج التوترات الطائفية في المنطقة ذات الغالبية الدرزية، بالتوازي مع تشجيع تمرد علوي ضد حكومة أحمد الشرع في غرب البلاد.
وفي شمال شرقي سوريا، أفادت تقارير بأن إسرائيل أقامت قنوات اتصال غير معلنة مع فصائل كردية، مقدمة لها تطمينات بالدعم. كما شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات استهدفت بنى تحتية عسكرية سورية ومرافئ، إضافة إلى مبانٍ حكومية تقع على مقربة من القصر الرئاسي في دمشق، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها رسالة تحذيرية.
من جهتها، رأت أنقرة أن هذه التحرّكات تُنذر بترسيخ الانقسامات الإثنية والطائفية، وتقويض فرص قيام دولة سورية مستقرة، بما يشكّل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. فلطالما جادل صانعو القرار في تركيا بأن عدم الاستقرار في الدول المجاورة لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل قد يمتدّ إليها عبر الإرهاب، وتدفقات اللاجئين، والاضطرابات الاقتصادية، ونشاط المجموعات المسلّحة العابرة للحدود. وانطلاقاً من ذلك، تمثلت أولوية أنقرة في ترسيخ سلطة الدولة بقيادة حكومة أحمد الشرع، وإعادة دمج المناطق السورية المجزأة ضمن إطار سياسي موحّد.
وقد أفضى هذا التباين في المواقف بين تركيا وإسرائيل إلى سلسلة من المواجهات غير المباشرة. ففي البداية، ركّزت الجهود الدبلوماسية التركية على إضفاء الشرعية الدولية على أحمد الشرع وحكومته، وهو ما أثمر باعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقيادة السورية الجديدة، قبل أن يحذو عدد من قادة العالم حذوه.
وعلى الصعيد الأمني، نجح الرئيس رجب طيب أردوغان في إقناع ترامب بالموافقة على سحب القوات الأمريكية من سوريا. وفي الوقت نفسه، أسهم الدعم العسكري التركي في تمكين القوات المسلحة السورية من احتواء التمرد العلوي، ومواصلة دمج عناصر «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن هيكلية الجيش الوطني. ونتيجة لذلك، أخذت سلطة الدولة المركزية تمتد تدريجياً إلى مختلف أنحاء البلاد، باستثناء المنطقة الدرزية في الجنوب. كما تمكّنت أنقرة من إقناع واشنطن بعدم الاستعانة بحكومة أحمد الشرع في أي مواجهة مع «حزب الله» في لبنان، على الرغم من أن ترامب كان قد طرح هذا الاحتمال علناً في الآونة الأخيرة.
أما من المنظور الإسرائيلي، فإن بروز دولة سورية أكثر تماسكاً وقدرة يفرض تحديات جديدة. فعلى مدى عقود، عملت إسرائيل في بيئة إقليمية اتسمت بضعف الدول المجاورة نتيجة الصراعات الداخلية والتفكك السياسي. في حين، قد يفضي قيام دولة سورية متماسكة في المستقبل إلى تقييد هامش حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، وإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
لماذا تعارض تركيا الاستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية؟
مع تنامي الدور التركي في عرقلة خطط إسرائيل الإقليمية، تصاعدت حالة الإحباط داخل إسرائيل تجاه أنقرة. إلا أن التدقيق في سلوك تركيا يشير إلى أن تحركاتها لا تنبع، في المقام الأول، من رغبة متعمدة في تحدي إسرائيل، بقدر ما تعكس اعتبارات أمنية ترى أنقرة أنها تمس مصالحها الحيوية.
فقد تكبّدت تركيا كلفة باهظة نتيجة عدم الاستقرار في الدول المجاورة، ولم يكن في وسعها، من وجهة نظرها، الوقوف مكتوفة الأيدي إزاء ما تعتبره تدخلات خارجية من شأنها زعزعة الاستقرار على حدودها.
ومن ثم، فإن انخراطها في أزمات الإقليم يعود لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، واستمرار النشاط الاقتصادي، والحفاظ على الاستقرار الداخلي. ووفق هذا المنظور، فإن الامتناع عن التحرّك سيؤدي إلى انتقال حالة الفوضى إلى الداخل التركي.
ولهذا تبنّت أنقرة سياسة إقليمية أكثر حزماً، وهي سياسة تتقاطع، بحكم طبيعتها، مع الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في المنطقة.
في الوقت نفسه، تتزايد الانتقادات الدولية للسلوك الإقليمي الإسرائيلي، بما في ذلك من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويرى منتقدو إسرائيل أن استمرار الاعتماد على القوة العسكرية والتوسع الإقليمي لا يهيئ الظروف اللازمة لتحقيق سلام مستدام. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحركات التركية بوصفها محاولة للحفاظ على توازن إقليمي يعلن معظم الفاعلين الدوليين، على الأقل من حيث المبدأ، تأييدهم له. كما أن التداعيات الاقتصادية لاستمرار الصراعات في المنطقة، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة، تعزز الحجة القائلة إن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يفرض كلفة تتجاوز بكثير حدود ساحات الصراع المباشرة.
إلى أين يتجه هذا التنافس؟
لم يعد التنافس التركي–الإسرائيلي يقتصر على أبعاده السرية، بل بات يتخذ طابعاً علني بشكل واضح، إلى درجة أن احتمالية اندلاع المواجهة العسكرية لم تعد مستبعدة. ففي أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية وصف مسؤولون إسرائيليون، تركيا، علناً بأنها تهديد آخذ في التشكّل، وذلك على خلفية موقفها الداعم للفلسطينيين، وتصاعد انتقادات الرئيس رجب طيب أردوغان للقيادة الإسرائيلية، واستمرار أنقرة في عرقلة الخطط الإقليمية الإسرائيلية. كذلك، أصبحت اللغة التي يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون أكثر حدة وحزماً، وهو ما قابله المسؤولون الأتراك بخطاب مماثل.
انعكس هذا التوتر المتصاعد في وسائل الإعلام لدى الطرفين، حيث أصبحت الانتقادات المتبادلة سمة مألوفة. كما عمد أردوغان، في تصريحاته العلنية الأخيرة، إلى تغيير نبرته بصورة مقصودة، مؤكداً بشكل صريح أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان تشكل تهديداً لتركيا. ويعكس هذا تحولاً عن الخطاب الأكثر تحفظاً الذي ساد في مراحل سابقة، ويتضمن، في الوقت نفسه، تحذيراً ضمنياً من تداعيات استمرار هذا المسار.
مع ذلك، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ هذا التحول لم يحدث بصورة مفاجئة. فقد تغاضت أنقرة، لسنوات، عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا ولبنان وفلسطين وإيران، ما دامت ضمن حدود معينة. غير أن تعمّق العلاقات الإسرائيلية مع قبرص واليونان، التي تنظر إليها تركيا باعتبارها محاولة لتطويقها، أحدث تحولاً ملموساً في إدراكها لمصادر التهديد، حيث تعتقد أنقرة أن حصول إسرائيل على إمكانية استخدام قواعد عسكرية في قبرص وعدد من الجزر اليونانية يهدف إلى توفير مواقع انطلاق عسكرية متقدمة في حال اندلاع حرب.
كما تدرك أنقرة أن جماعات الضغط الإسرائيلية سعت، إلى تعقيد موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي في ظروف معينة.
ومن ثم، فإن انتقال العلاقة من تنافس خفي إلى مواجهة سياسية أكثر انكشافاً يعكس ضغوطاً بنيوية تواجه الطرفين. فاعتراضات تركيا تنطلق بحسب رؤيتها من رفض ما تصفه بالنزعة التوسعية الإسرائيلية، لا من الميل إلى الانخراط في مواجهة عسكرية.
أما إسرائيل، فيبدو أنها تبدي قلقاً متزايداً من صعود قوة إقليمية ذات غالبية مسلمة قد تمتلك القدرة على الحد من هامش تحركاتها العسكرية وطموحاتها التوسعية.
وفي هذا السياق، يندرج حرص أنقرة على الإعلان بمتابعة الخطط والقدرات والنوايا الإسرائيلية عن كثب، ضمن رسائل الردع الاستراتيجية التي تهدف إلى مواجهة التهديدات الإسرائيلية.
ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بمخاطر سوء التقدير. فبينما جرى احتواء مراحل التوتر السابقة بين البلدين عبر القنوات الدبلوماسية، ووساطات أطراف أخرى، تبدو البيئة الإقليمية الحالية أكثر تعقيداً، لا سيّما في ظل الثقة التي اكتسبتها إسرائيل عقب نجاحاتها العسكرية التكتيكية منذ السابع من أكتوبر، وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن، وتعزيز تعاونها الأمني مع اليونان وقبرص. وقد يدفعها هذا المزيج إلى الاعتقاد بأن القيود الاستراتيجية التي كانت تكبح تحركاتها أصبحت أقل تأثيراً.
بالإضافة إلى ذلك، يكمن الخطر الحالي في تراكم الخلافات غير المحسومة عبر ساحات متعددة، لا في اندلاع أزمة واحدة. صحيح أن سوريا أصبحت ساحة للتنافس التركي–الإسرائيلي، لكنها لم تعد ساحته الوحيدة. إذ تتسع الهوة بين الجانبين تدريجياً بفعل الخلافات المتزايدة حول الأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية، وشرق البحر المتوسط، وطبيعة علاقة كل منهما بواشنطن. ومع ازدياد وضوح الطرفين في اعتبار كل منهما الآخر عقبة أمام طموحاته الإقليمية، يُرجح أن يصبح هذا التنافس أكثر ظهوراً، وأشد تأثيراً، وأكثر صعوبة في الاحتواء. وإذا كانت سوريا تمثل اليوم ساحة المواجهة الأكثر إلحاحاً، فإن جوهر الصراع بات يتجاوزها ليتمحور حول شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور في المرحلة المقبلة.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.