صافح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة (يمين، في المقدمة) بينما كان سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر (يسار، في المقدمة) ورئيس أركان وزارة الخارجية دانيال هولر (وسط، في المقدمة) يراقبان مراسم التوقيع في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن العاصمة، في 26 يونيو 2026. (ساول لوب / وكالة فرانس برس)

اتفاق لبنان وإسرائيل بين النص والتنفيذ 

شكّل اتفاق لبنان وإسرائيل الذي وُقّع برعاية أمريكية خطوة نحو إنهاء الحرب. ولكن، هل ستقوّض القراءات المتناقضة والواقع السياسي جهود السلام بين الطرفين، وماذا عن التجارب التاريخية الشاهدة على ذلك؟

29 يونيو، 2026
خلدون الشريف

وقّع لبنان وإسرائيل اتفاق إطار في واشنطن برعاية أميركية في 26 يونيو 2026، يهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين الطرفين، وترتيب انسحاب إسرائيلي تدريجي، واحتكار الدولة اللبنانية للأسلحة والقرارات الأمنية. لكنّ أهمية الاتفاق تتجاوز النص نفسه، وتتجسد في آليات تنفيذه وسط تناقضات داخلية وخارجية في قراءته.

 

إسرائيل تنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره إطارًا أمنيًا يربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله. بينما تُقدّمه الدولة اللبنانية كمدخل لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال. أما حزب الله، فيراهُ مشروعًا يستهدف دوره ووجوده العسكري. السؤال ليس إذا كان الاتفاق جيدًا أم سيئًا، بل كيف سيُنفذ اتفاق تختلف الأطراف المعنية فيه على قراءته؟  

 

ماذا يقول الاتفاق؟ 

إذا قرأنا البنود الأربعة عشر بعيداً عن السجال السياسي، نجد أن الاتفاق يتضمن أربع مرتكزات أساسيةالأولى، إعلان نية إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل والانتقال، تدريجياً، إلى سلام دائم وعلاقات جوار طبيعية. الثانية، احتكار الدولة اللبنانية الكامل للسلاح وقرار الحرب والسلم، عبر نزع سلاح جميع التنظيمات المسلحة غير التابعة للدولة، وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي. 

و الثالثة، هي انسحاب تدريجي إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ضمن عملية مرحلية ترتبط بالتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية. أما الرابعة، فتتمثل في إطلاق مسار لإعادة الإعمار ودعم الاقتصاد اللبناني، برعاية أميركية ودولية، وربط هذا المسار بالتقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية والسياسية الواردة في الاتفاق. 

 

تبدو هذه الأهداف منطقية على الورق،  بل إنها تمثل ما يطمح إليه معظم اللبنانيين: إنهاء الحرب، عودة النازحين، إعادة الإعمار، واستعادة الدولة لدورها. لكن التجربة اللبنانية مع الاتفاقات السابقة تدعو إلى الحذر

فقد شهد لبنان محطات تفاوضية متعددة مع إسرائيل، اختلفت أهدافها وظروفها، لكنها اشتركت في حقيقة واحدة: لم يكن سقوطها أو تعثرها ناتجًا عن النصوص وحدها، بل عن غياب التوازن بين الالتزامات، أو انقسام الداخل اللبناني، أو تبدل موازين القوى والإرادات السياسية، وذلك منذ هدنة عام 1949، مرورًا باتفاق 17 مايو 1983، ثم الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 واعتماد الخط الأزرق، فالقرار 1701 بعد حرب يوليو 2006، وصولًا إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية وتفاهم 27 نوفمبر 2025.  لذا، لا يمكن قراءة اتفاق 2026 كأنه بداية صفحة بيضاء، بل حلقة جديدة في مسار طويل لم ينجح حتى الآن في إنتاج سلام مستدام. وكل اتفاق لا يُقاس بأهدافه فقط، بل بالتوازن بين الالتزامات والضمانات. وهذا ما يجعل تنفيذ اتفاق 2026 أكثر تعقيداً من قراءة نصوصه.

 

قراءات متناقضة 

تكمن الإشكالية إذن في أنّ الاتفاق لا يحظى بقراءة واحدة. ، وأنّ كل طرف يتعامل معه من زاوية مختلفة: إسرائيل تراه إطارًا أمنيًا مشروطًا، والدولة اللبنانية تقدمه كمسار لاستعادة السيادة، فيما يقرأه حزب الله بوصفه تهديدًا مباشرًا لدوره وسلاحه. هذه القراءات المتباينة لا تعكس خلافًا في الخطاب فقط، بل قد تحدد مصير الاتفاق عند الانتقال من النصّ إلى التنفيذ 

 

القراءة الإسرائيلية لا تبدو ملتبسة. فمنذ اللحظة الأولى، ركز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وكبار المسؤولين الإسرائيليين على نقطة واحدة: إسرائيل لن تنسحب بالكامل قبل التأكد من زوال التهديد الذي يمثله حزب الله، وهي تعتبر أن الإنجاز الأساسي هو في تحويل نزع سلاح حزب الله إلى مدخل إلزامي لأي انسحاب، وعليه فإنّ الانسحاب من جانبها، ليس حقاً لبنانياً مستقلاً، بل نتيجة تتحقق بعد تنفيذ شروط أمنية محددة.  

 

 

في المقابل، تًقدم الدولة اللبنانية الاتفاق باعتباره بداية استعادة للسيادة. فالرئاسة والحكومة ترى أن هذا الاتفاق يفتح الباب أمام إنهاء الاحتلال، وعودة الجيش إلى المناطق الحدودية، وإعادة السكان إلى قراهم، واستقطاب المساعدات والاستثمارات، وإعادة الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح وقرار الحرب. 

 

ولا شكّ أن هذه الأهداف تعبر عن تطلعات غالبية اللبنانيين. غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى مرتبطاً بإشكالية الانسحاب الإسرائيلي الكامل، أو الانسحاب المشروط إلى أجل غير معروف؟  

 

حزب الله من جهته، لم يوقع الاتفاق، لكنه حاضر في معظم بنوده. فالاتفاق يتناول نزع سلاحه، وتفكيك بنيته العسكرية، ومنع تمويله، وإنهاء أي دور أمني أو عسكري له. لذا، يقرأ الحزب هذا الاتفاق على أنه مشروع لتصفية المقاومة تحت رعاية أميركية، وأن الدولة اللبنانية ذهبت إلى واشنطن لتوقيع وثيقة تُحقق لإسرائيل لأهداف لم تستطع الحرب تحقيقها، وأنه لا يُمكن اعتباره إطار عمل بين دولتين.

أي قراءة تفترض أن الحزب سيقف متفرجاً على مسار يستهدف بنيته ودوره، هي قراءة تتجاهل الواقع اللبناني. وتتبدى المفارقة الكبرى هنا في غياب أحد أبرز الأطراف المعنية بالتنفيذ عن طاولة التوقيع. فما هي آليات التطبيق الفعلية إذن إذا استشعر الحزب أن الاتفاق يستهدفه؟ وهل تمتلك الدولة اللبنانية القدرة على فرضه قسراً؟ وهل بمقدور الجيش اللبناني الانخراط في مواجهة داخلية في وقت يستمر فيه الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب؟ لقد أحجم الاتفاق عن تقديم إجابات واضحة عن هذه التساؤلات، رغم أنها تمثل ثغرة بنيوية رئيسية فيه.

 

البعد الأمريكي والإسرائيلي: هل ألقى ترامب طوق نجاة لنتنياهو؟ 

ثمة قراءة سياسية تستحق التوقف عندها، حيث شاع انطباع بعد التفاهم الأميركي–الإيراني في إسلام آباد بأنّ واشنطن اختارت تهدئة إقليمية قد تفرض على إسرائيل تنازلات لم تكن ترغب بها، وفي مقدمها الانسحاب من جنوب لبنان ضمن سلة تفاهمات أوسع.  

 

لكن اتفاق واشنطن غيّر المشهد. فبدل أن يبقى الملف اللبناني جزءاً من المسار الأمريكي–الإيراني، جرى فصله عنه وتحويله إلى مسار تفاوضي مستقل بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مباشرة. 

 

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاق بوصفه محاولة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق هدفين في آن واحد: الحفاظ على تفاهمها مع إيران، وفي الوقت نفسه ربما منح نتنياهو انجازًا سياسيًا يخفف من وقع هذا التفاهم داخل إسرائيل. وهكذا تبدلت فلسفة التفاوض: لم يعد السؤال متى تنسحب إسرائيل من لبنان، بل هل أنجز لبنان الشروط التي تسمح بالانسحاب؟ 

 

ولا يعني ذلك بالضرورة أن واشنطن تخلّت عن تفاهماتها مع إيران، لكنه يوحي بأنها سعت إلى الفصل بين المسارين، وإلى طمأنة إسرائيل بأن الملف اللبناني لن يكون ثمناً لأي تفاهم إقليمي. 

 

الفرص ومكامن الخلل 

رغم كل الجدل، لا يجوز إنكار ما يحمله الاتفاق من فر،  غير أن هذه الفرص تبقى رهينة آلية التنفيذ. كذلك، يطرح الاتفاق أسئلة لا تقل أهمية عن بنوده. ومنها غياب الجدول الزمني الملزم للانسحاب الإسرائيلي. وغياب آلية تحكيم مستقلة عند اختلاف الطرفين على تفسير الالتزامات. وتبقى الولايات المتحدة المرجعية الدولية الأساسية والوحيدة في التحقق والمتابعة. 

 

يزيد الأمر تعقيدًا أن مفهوم الدفاع عن النفس” بقي مفتوحاً، بما قد يسمح باستمرار عمليات عسكرية إسرائيلية إذا اعتبرت تل أبيب أن التهديد ما زال قائماًأما المناطق التجريبية، فقد تتحول إلى نموذج ناجح لبناء الثقة، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مرحلة انتقالية طويلة إذا بقي تقييم نجاحها خاضعاً لاعتبارات سياسية وأمنية متغيرة. 

 

هنا يظهر الخلل الأساسي. فالتزامات لبنان محددة وقابلة للقياس، بينما يبقى الالتزام الإسرائيلي، أي الانسحاب، مرتبطاً بتقديرات لاحقة تعود عملياً إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.وبذلك يصبح تنفيذ الالتزام اللبناني شرطاً مسبقاً، بينما يتحول تنفيذ الالتزام الإسرائيلي إلى نتيجة مؤجلة.

وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل يتحول اتفاق الإطار بدوره إلى صيغة تبرر إسرائيل  من خلالها استمرار وجودها العسكري بذريعة عدم استكمال شروط الانسحاب؟ إن هذا التساؤل ليس مجرد قراءة تشاؤمية، بل هو استقراء واقعي مستند إلى سوابق تاريخية لا يمكن التغاضي عنها.

تحدي التنفيذ اللبناني 

كذلك، فإنّ نجاح الاتفاق لا يقف عند موقف إسرائيل أو حزب الله وحدهما. لكنه يرتبط أيضًا بقدرة الدولة اللبنانية على بناء توافق داخلي حول تنفيذه. فاستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم لا يمكن أن تتحقق بمجرد توقيع وثيقة، بل تحتاج إلى غطاء سياسي واسع، ومؤسسات قادرة، وجيش يتمتع بالدعم والشرعية، وخطة واضحة لإدارة مرحلة ما بعد الانسحاب وإعادة الإعمار.

كما أن جهود إعادة هيكلة الأمن في الجنوب ونزع السلاح ستبقى مؤقتة وعرضة للانهيار في غياب معالجة سياسية محلية تضمن عدم تحول هذا الاتفاق إلى سبب جديد للانقسام اللبناني. إذ لا ينحصر الخطر في المماطلة الإسرائيلية في الانسحاب، بل يكمن أيضاً في إمكانية أن يثير الاتفاق مواجهة داخلية محتدمة حول معنى السيادة وصاحب الحق الحصري في إدارة القرار الأمني.

يبقى اتفاق الإطار، حتى الآن، وعدًا أكثر منه واقعًا. فهو يفتح نافذة لإنهاء حرب طويلة واستعادة الدولة لدورها، لكنه في الوقت نفسه يضع نجاحه على محكّ التنفيذ الذي يختلف كل طرف في تفسير شروطه وحدوده. فإسرائيل ترى أن الانسحاب يكون نتيجة لاستكمال الترتيبات الأمنية، فيما تنظر الدولة اللبنانية إلى الاتفاق بوصفه مدخلًا لاستعادة السيادة وإنهاء الاحتلال. أما حزب الله، فيقرأه باعتباره مشروعًا يستهدف وجوده ودوره، وهو ما يجعله طرفًا حاسمًا في التنفيذ وإن لم يكن طرفًا في التوقيع.   

 

ولذلك، فإن مستقبل الاتفاق لن يكون في بنوده وحدها، بل في موازين القوى والإرادات السياسية وقدرة الأطراف على الانتقال من النص إلى التطبيق. 

 

لقد عرف لبنان، طوال العقود الماضية، اتفاقات كثيرة انتهت إلى التعثّر لأنها اصطدمت بالواقع السياسي والأمني. ويبقى السؤال اليوم: هل ينجح اتفاق واشنطن في كسر هذه القاعدة، أم ينضم هو الآخر إلى سلسلة الاتفاقات التي لم يسقطها ضعف النصوص، بل استحالة تنفيذها؟  

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: فلسطين، لبنان

المؤلف

محلل سياسي ومستشار سياسي أول
خلدون الشريف، محلل سياسي ومستشار سياسي أول.