رجل بالزيّ الوطني الإماراتي يسير نحو الألواح الكهروضوئية في محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية المستقلة لإنتاج الطاقة، جنوب العاصمة أبوظبي، 13 نوفمبر 2023. (تصوير: كريم صاحب / وكالة فرانس برس)

هل يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تقود تحولًا بيئيًا مسؤولًا في مجال الطاقة الشمسية؟

تمضي دول مجلس التعاون الخليجي قدماً في خططها نحو توسيع البنية التحتية للطاقة الشمسية بوتيرة غير مسبوقة، وذلك على الرغم من التحديات البيئية الهيكلية التي تواجهها والتي تبدو للوهلة الأولى أقلّ تعقيداً. وتُعتبر عملية تطوير الطاقة النظيفة، وتعزيز صحّة النظم البيئية، من التحديات الأكثر أهمية التي تُشكّل فرصة استراتيجية في الوقت نفسه.

28 يونيو، 2026
فاطمة حسين

بينما تتجه الأنظار نحو مضيق هرمز وتداعيات الحرب على إمدادات المحروقات الأساسية للأسواق العالمية، تشهد منطقة الخليج تحولاً بنيوياً صامتاً لم ينل نصيبه المستحق من الاهتمامالتوسّع المتسارع في الطاقة المتجددة.  

 

فعلى مدى العقد الماضي، برزت دول مجلس التعاون الخليجي كإحدى أسرع مناطق العالم نمواً في سوق الطاقة الشمسية. حيث باتت الطاقة الشمسية تشكّل اليوم نحو نصف مزيج الطاقة في دول المجلس، بعدما كانت حصّتها تقلّ عن 10 في المئة عام 2014. كما استحوذت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على أكثر من 90 في المئة من الزيادة المسجّلة في قدرات الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط خلال عام 2023 

 

بدا حجم هذا التحوّل لافتاً بكل المقاييس. فمع الاعلان عن «مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» للمرّة الأولى في دبي عام 2012، حُدّدت القدرة المستهدفة بألف ميغاواط في عام 2020. أمّا اليوم، فقد ارتفع هذا الهدف إلى أكثر من 8 آلاف ميغاواط بحلول عام 2030. ومع وفرة الموارد الشمسية، والتراجع المستمر في كلفة التكنولوجيا، وازدياد الطلب من قطاعات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والهيدروجين الأخضر، تواصل دول الخليج رفع سقف طموحاتها في مجال الطاقة المتجددة 

 

وعلى الرغم من الأثر الإيجابي لهذا التوسّع في خفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري من خلال ازدياد مشاريع الطاقة الشمسية على مساحات متزايدة من الأراضي، فإنّه ينطوي على مفاضلات بيئية تختلف في طبيعتها من سياق إلى آخر كحال معظم الحلول المناخية، وهذا ما يستدعي فهم أعمق لكيفية تفاعل البنية التحتية مع النظم البيئية الهشّة التي تقام فيها هذه المشاريع. من هذا المنطلق، تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع يؤهلها لإثبات أنّ التوسّع في الطاقة المتجددة وحماية النظم البيئية، مساران متوازيان يمكن أن يتقدّما معاً، لا سيّما أنّ المنطقة تمتلك بالفعل الكثير من الأدوات المؤسسية والتقنية اللازمة لتحقيق ذلك.  

 

 

أكثر من مجرّد رمال 

 

لا يزال حجم تقدير المخاطر البيئية المرتبطة بتوسيع مشاريع الطاقة الشمسية على نطاق أكبر في شبه الجزيرة العربية غير كافٍ . إذ، تقوم معظم مشاريع الطاقة الشمسية في دول مجلس التعاون الخليجي على محطات أرضية شاسعة تمتدّ على آلاف الكيلومترات المربعة من المناطق الصحراوية النائية. وعلى الرغم من أن هذه البيئات تبدو قاحلة للوهلة الأولى، فإنها أكثر تعقيداً من الناحية البيئية مما يوحي به مظهرها الخارجي. 

 

يتأتى هذا التعقيد من طبيعة شبه الجزيرة العربية التي تضمّ أنواعاً من النباتات والحيوانات تكيّفت مع درجات الحرارة المرتفعة وندرة المياه، وغالباً ما تتركّز في جيوب صغيرة لكنها متميّزة بيئياً. وتشمل هذه البيئات أقارب برية لمحاصيل زراعية ذات أهمية للأمن الغذائي العالمي ولا سيّما في ظلّ التغيّر المناخي. كما تؤدّي بعض المناطق دور الملاذات البيئية التي أتاحت لأنواع متوطنة النجاة خلال فترات سابقة من التغيّرات المناخية الحادة، حيث لا يزال التنوع الحيوي قائماً بفضل هذا الدور التاريخي. وتُعدّ مرتفعات ظفّار في سلطنة عُمان، حيث يجري التخطيط حالياً لمشروع ظفّار الرابع للطاقة الشمسية، من أبرز الأمثلة على ذلك 

 

في هذا الإطار أيضاً، تؤدي مجتمعات دقيقة من الكائنات الحية المجهرية دوراً أساسياً تحت سطح الأرض في تثبيت التربة الصحراوية والحدّ من انجرافها وإغنائها بالعناصر الغذائية، وإن كان ذلك غير مرئي إلى حدّ كبير. لهذا، يُمكن لأي اضطراب أن يضرّ بهذه المجتمعات البيولوجية في التربة، وقد يستغرق تعافيها عقوداً أو حتى قروناً في البيئات الأشدّ جفافاً، هذا إن تمكّنت من التعافي أساساً.  

 

وتشير الدراسات التي أُجريت في بيئات جافة مماثلة إلى مخاطر إضافية مرتبطة بالبنية التحتية واسعة النطاق للطاقة الشمسية، من بينها إزاحة الملقّحات المتخصصة التي تعتمد عليها النباتات المحلية، وإعاقة عمليات تكاثر النباتات، فضلاً عن تغيّرات تدريجية قد تؤثر في الأنواع الحيوانية القادرة على البقاء في منطقة معينة، بما ينعكس على استقرار النظام البيئي بأكمله. وتواجه هذه النظم البيئية ضغوطاً متزايدة نتيجة التصحّر وتدهور الموائل الطبيعية والتغيّر المناخي. ويضيف التوسّع في هذا النوع من مشاريع الطاقة الشمسية طبقة جديدة من الضغوط، ما تزال آثارها دون حجمها الحقيقي في السياق البيئي الخاص بشبه الجزيرة العربية 

 

 

التخطيط المرتكز على الطبيعة 

لا تُشكّل أيّ من هذه المخاطر حجّة لوقف التوسّع في مشاريع الطاقة الشمسية، فقد أصبح خفض الانبعاثات الكربونية ضرورة ملحّة، وبات مسار التحوّل الطاقوي في المنطقة واضحاً. كذلك، فإنّ الأضرار البيئية الناجمة عن التوسّع في الطاقة الشمسية ليست حتمية، بل ترتبط إلى حدّ كبير بكيفية تصميم هذه المشاريع. 

 

وتتمثّل الطريقة الأكثر فاعلية للحدّ من التأثيرات على النظم البيئية المحيطة في اعتماد اختيار وقائي أو استراتيجي للمواقع، من خلال إعطاء الأولوية للأراضي التي سبق أن تعرّضت لتدخلات بشرية أو التي تعاني التدهور، وتجنّب المناطق الحساسة بيئياً منذ البداية. وتوصي جهات دولية، من بينها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، بأن يعمل المطوّرون أولاً على تجنّب المناطق الحساسة البيئية بالكامل، ثم الحدّ من الآثار التي لا يمكن تفاديها، وأخيراً ترميم ما تبقّى منها أو تعويضه. وعندما يُعتمد هذا النهج في المراحل المبكرة من تصميم المشاريع، يُمكنه الحدّ من الأضرار البيئية مع الحفاظ على الجدوى الاقتصادية للمشاريع 

 

يتطلّب ذلك جمع بيانات تفصيلية خاصةَ في المناطق والمواقع قبل التخطيط للمشاريع. في هذا السياق، تُساعد الأدوات العالمية لرسم خرائط التنوع الحيوي على رصد المخاطر البيئية في مرحلة الفرز الأولي، لكنها تحتاج إلى أن تُستكمل ببيانات وطنية وإقليمية التي بدورها لا تزال محدودة في البيئات الصحراوية شديدة الجفاف في شبه الجزيرة العربية 

 

وبالتالي فإنّ سدّ هذه الفجوة، يستدعي تنفيذ مُسوحات ميدانية منهجية قبل البدء بأعمال الإنشاء من خلال الاستفادة من الخبرات التي راكمتها دول المنطقة في مجالات تقييم الأثر البيئي، والمراقبة البيئية، وإعادة تأهيل المواقع، وهي خبرات تطورت عبر عقود من مشاريع البنية التحتية والتنمية الصناعية. كما يتطلّب الأمر الاستفادة من المعارف المحلية للمجتمعات الرعوية، ولا سيّما فيما يتعلق بحركة المياه الموسمية، وأنماط الغطاء النباتي ومسارات الحياة البرية، وهي معارف كثيراً ما تغيب عن الدراسات الرسمية.  

 

وتتمتّع وزارات البيئة والثقافة في دول مجلس التعاون بموقع يؤهلها للمساهمة في توثيق هذه المعارف ودمجها في عمليات التخطيط. ومن شأن جمع هذه المصادر المختلفة للبيانات ضمن منصة خليجية مشتركة للبيانات البيئية أن يُتيح إعداد تقارير موحّدة، وإجراء مقارنات متسقة بين المشاريع وعبر الحدود، بما يُسهم في تعزيز الفهم العلمي العالمي للأنظمة البيئية الجافة. 

 

 

توظيف القدرات المؤسسية  

من جهتها، تمضي السعودية بوتيرة متسارعة في توسيع شبكة المناطق المحمية لديها، فيما تقود هيئة البيئة في أبوظبي برامج رئيسية للحفاظ على الحياة البرية، وتحافظ سلطنة عُمان على أطر راسخة لحماية الطبيعة منذ عقود. وتتمثّل الفرصة اليوم في توظيف هذه القدرات المؤسسية في عملية اتخاذ القرار على مستوى المشاريع منذ مراحلها الأولى، قبل أن تؤدي الاعتبارات التجارية إلى تثبيت خيارات المواقع بطريقة تجعل إعادة النظر فيها أو تعديلها أمراً صعباً أو مكلفاً. 

 

من جهتها، تتمتع صناديق الثروة السيادية والشركات المملوكة للدولة، التي تموّل الجزء الأكبر من البنية التحتية واسعة النطاق للطاقة الشمسية في المنطقة، بموقع يؤهلها لقيادة هذا التحوّل. فمع اعتماد نحو 90 في المئة من الصناديق السيادية الإقليمية بالفعل على معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، تتوافر قاعدة مؤسسية واضحة لإدماج المتطلبات المنهجية اللازمة التي تتعلق بالطبيعة، وذلك ضمن تصميم المشاريع وعمليات الشراء والتعاقد 

 

بالإضافة إلى ذلك، تُوفّر أُطر الإفصاح المالي المرتبطة بالطبيعة أدوات عملية لترسيخ هذا التوجه، إذ تُتيح رصد المناطق الحساسة بيئياً في مراحل التخطيط الأولى، وتقييم المخاطر المحدقة بالنظم البيئية في كلّ موقع، فضلاً عن إلزام المطورين بالإفصاح عن هذه النتائج للمستثمرين كشرط استباقي يسبق تدشين أعمال البناء. 

 

وتُصبح هذه المتطلبات أكثر فعالية عندما تطبّق في المراحل المبكرة، إذ تساعد على تجنّب الاضطرابات وزيادة في التكاليف التي قد تنجم عن ظهور المخاطر البيئية بعد بدء التنفيذ.  

 

كذلك، تُشكّل شراكات الطاقة في المنطقة فرصة إضافية. فقد بلغت قيمة مشاركة الشركات الصينية، كمُطوّرين ومقاولين ومُورّدين للمعدات في مشاريع الطاقة الخضراء الخليجية، نحو 9.5 مليارات دولار بين عامَي 2018 و2023، فيما تُواصل هذه العلاقة توسّعهافعلى سبيل المثال، وضعت الصين إرشادات بيئية خاصة باستثمارات البنية التحتية الخارجية ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، تشمل متطلبات لتقييم الأثر البيئي وحماية التنوع الحيوي في المناطق الحساسة بيئياً. وفي حال تطبيق هذه الأطر بصورة متسقة، فإنها ستمتد أيضاً إلى مشاريع الطاقة الشمسية في الخليجكما توفّر أساساً لتعاون أعمق في مجالات المراقبة البيئية المشتركة وتبادل المعرفة وبناء القدرات المرتبطة بالنظم البيئية الصحراوية. وتقدّم تجربة الصين في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق في المناطق الجافة، بما في ذلك حالات أسهمت فيها هذه المشاريع في استعادة الغطاء النباتي في أراضٍ متدهورة، دروساً مفيدة بشأن الفرص والمخاطر التي ينطوي عليها التوسع في الطاقة الشمسية في البيئات الصحراوية. وقد بدأت شركة «أكوا باور» السعودية بالفعل في بناء هذا النوع من الروابط البحثية العابرة للحدود من خلال مركزها للابتكار الخارجي في شنغهاي. 

 

 

المعيار الذي يمكن ترسيخه 

يبقى تحقيق العوائد القصوى والفوائد المستدامة للتوسع في الطاقة الشمسية رهناً بكفاءة التصاميم الهندسية من جهة، وملاءمة المواقع البيئية المحددة لإقامتها من جهة أخرىلذا، يُعدّ التخطيط المبكر، واختيار المواقع، ودمج الاعتبارات البيئية، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان التوسع في الطاقة الشمسية سيؤدي إلى مزيد من التدهور البيئي، أو سيُسهم في بناء علاقة أكثر توازناً واستدامة مع النظم البيئية المحلية، لا سيّما وأنّ الأطر التنظيمية موجودة، والمؤسسات قائمة، والتمويل متوفر.  

 

غير أن الحلقة المفقودة تكمن في ربط هذه البنية الحوكمية بمرحلة التخطيط المبكر للمشاريع، أي في مرحلة مبكرة لكي تستند قرارات اختيار المواقع إلى البيانات البيئية، بدلاً من محاولة تصحيحها بعد بدء أعمال البناء. 

 

ومع امتداد البصمة الجغرافية لمشاريع الطاقة الشمسية في دول مجلس التعاون إلى بعض أكثر البيئات الصحراوية تميزاً من الناحية البيئية في العالم، تمتلك المنطقة فرصة حقيقية لإظهار ما يمكن أن يبدو عليه تطوير الطاقة الشمسية واسعة النطاق بطريقة مسؤولة في البيئات الصحراويةومن خلال ذلك، لن تقتصر الفائدة على حماية أراضيها وبيئاتها الطبيعية فحسب، بل ستتمكن أيضاً من ترسيخ معيار قابل للتطبيق في مناطق جافة أخرى حول العالم، حيث تتقاطع بالفعل أنظمة بيئية متشابهة ومستثمرون متشابهون وخيارات تنموية متقاربة. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

محللة وباحثة في مجال الاستدامة
فاطمة حسين، محللة وباحثة في مجال الاستدامة، تتركز اهتماماتها البحثية على السياسات البيئية، واستدامة الشركات، والاستثمار المسؤول، بالإضافة إلى كيفية تصميم الحلول المتعلقة بالمناخ والطبيعة، وحوكمتها، وتطبيقها عبر سياقات تنظيمية مختلفة. تحمل درجة الماجستير في العلوم بالبيئة والتنمية من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وفي إدارة الاستدامة من كلية إدارة الاستدامة SUMAS ، سويسرا.