خلال العام الماضي تقريباً، ترسّخ انطباع في وسائل الإعلام التقليدية وعلى منصات التواصل الاجتماعي بأن العلاقات بين باكستان والإمارات العربية المتحدة دخلت مرحلة من التراجع. يستند هذا التصور إلى الاعتقاد بأن العلاقات الإماراتية مع الهند، الخصم الإقليمي لباكستان، تشهد زخماً متزايداً، مع اقتراب إسلام آباد أكثر من السعودية. كذلك، زادت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، والموقف الباكستاني الحذر حيال الدفاع عن حلفائها الخليجيين، من حدّة هذه الانطباعات السلبية.
وبالنظر إلى عمق الروابط التاريخية والمؤسسية والاقتصادية التي تجمع الإمارات وباكستان، يبدو أن الحديث عن تدهور العلاقات مبالغ فيه، وأن جانباً كبيراً من الشعور بوجود أزمة أو اضطراب يعود إلى ضجيج إعلامي.
روابط متينة
استندت العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وباكستان، على مدى عقود، إلى مجموعة من الروابط العميقة التي جمعت بين البلدين، من بينها الانتماء الديني المشترك والتقارب الثقافي والتعاون المتبادل. إلى جانب القرب الجغرافي، تُعدّ باكستان من أوائل الدول التي اعترفت بدولة الإمارات عام 1971، كما أسهمت بدور مهم في بناء مؤسسات الدولة الناشئة. فقد ساعد ضباط باكستانيون في تطوير القوات المسلحة الإماراتية، ولا سيما سلاح الجو، الذي تولّى قيادته في مراحله الأولى خمسة ضباط باكستانيين تباعاً. كما أدّت باكستان دوراً أساسياً في إطلاق «طيران الإمارات»، من خلال توفير طائرات بنظام التأجير التشغيلي مع الطواقم، إلى جانب الطيارين والعاملين التشغيليين خلال السنوات الأولى للشركة.
في المقابل، أصبحت الإمارات أحد أهم شركاء باكستان. فقد أسهمت في تمويل مشاريع حيوية وتنفيذها في مجالات الطرق والصحة والتعليم والمياه، كما قدّمت مساعدات واسعة خلال الفيضانات والكوارث الطبيعية التي شهدتها البلاد. والأهم من ذلك، دعمت أبوظبي الاستقرار الاقتصادي الباكستاني من خلال الودائع لدى المصرف المركزي وبرامج التمويل التنموي، إضافة إلى استثمارات كبيرة من القطاع الخاص.
ومع مرور الوقت، تطوّرت هذه العلاقة إلى شراكة استراتيجية واسعة النطاق. فقد أصبحت الإمارات ثالث أكبر شريك تجاري لباكستان، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 10.9 مليارات دولار عام 2024. كما تُعدّ الإمارات من أبرز المستثمرين في الاقتصاد الباكستاني، من خلال استثمارات عامة وخاصة تجاوزت 10 مليارات دولار خلال العقدين الماضيين. وإلى جانب ذلك، تستضيف الإمارات نحو مليوني باكستاني يُشكّلون واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية فيها، فيما تُمثّل تحويلاتهم المالية مصدراً حيوياً لدعم الاقتصاد الباكستاني.
فجوة في المواقف
في ضوء المسار الطويل من العلاقات المتينة بين الإمارات وباكستان، فإن أي تراجع مفاجئ فيها إذا كان حقيقياً بالفعل سيشكّل تحولاً لافتاً. غير أن مراجعة خمس محطات رئيسية شهدها العام الماضي تكشف فجوة واضحة بين المواقف الرسمية من جهة والانطباعات التي روّجت لها بعض التغطيات الإعلامية من جهة أخرى.
أزمة الهند وباكستان في مايو 2025
شكّلت الأزمة العسكرية بين الهند وباكستان في مايو 2025، التي دفعت القوتين النوويتين إلى حافة مواجهة مفتوحة، إحدى أولى المحطات التي صوّرتها وسائل الإعلام على أنها دليل على تباعد استراتيجي بين الإمارات وباكستان. فقد اعتبرت بعض التقارير إن هذه الأزمة «بلورت» الخلافات بين البلدين و«عمّقت حالة انعدام الثقة» بينهما، مستندة إلى فرضية مفادها أن صانعي القرار في أبوظبي وإسلام آباد باتوا يتبنون رؤى متباينة بشكل متزايد، بالتزامن مع تنامي التقارب الإماراتي–الهندي، غير أن الوقائع الرسمية ترسم صورة مختلفة.
ففي خلال الأزمة، دعت أبوظبي إلى ضبط النفس واستئناف المسار الدبلوماسي، وهو موقف انسجم مع مواقف عدد من الشركاء الرئيسيين لباكستان، من بينهم الصين، والسعودية، وقطر وتركيا. على المستوى الرسمي، لا توجد مؤشرات أو مواقف معلنة تدل على وجود تباعد بين الإمارات وباكستان بشأن إدارة الأزمة.
اتضح التباين بين الرواية الإعلامية والمواقف الرسمية للطرفين في المحطات اللاحقة التي شهدتها العلاقة بين البلدين.
اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل
عندما وقّعت باكستان والسعودية «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل» في سبتمبر 2025، اعتبرت بعض وسائل الإعلام أن الخطوة تعكس تباعداً استراتيجياً بين إسلام آباد وأبوظبي، في ظلّ ما وُصف بتقارب متزايد بين باكستان والسعودية من جهة، وبين الإمارات والهند من جهة أخرى. وذهبت بعض التحليلات إلى حدّ تصوير خطاب النوايا الخاص بـ«الشراكة الدفاعية الاستراتيجية» الذي وقّعته الإمارات والهند في يناير 2026 على أنه رد مباشر على الاتفاقية الباكستانية–السعودية. غير أن الوقائع تشير إلى أن العلاقات بين أبوظبي ونيودلهي كانت تشهد مساراً تصاعدياً منذ سنوات.
واللافت أن الإمارات لم تصدر أي موقف علني بشأن الاتفاقية، وواصلت في المقابل الانخراط الدبلوماسي التقليدي مع باكستان. يتضح ذلك من تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين؛ إذ زار الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان باكستان في ديسمبر 2025، فيما زار الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري الإمارات في يناير 2026. خلال هذه اللقاءات، استعرض الجانبان مختلف جوانب العلاقات الثنائية، وأكدا التزامهما بتعميق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع، إلى جانب تعزيز الروابط الإنسانية والمجتمعية بين البلدين.
التأخر الباكستاني في الاستجابة
أسهمت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران إلى حدّ كبير في تعزيز الانطباع بتوتر العلاقات الإماراتية–الباكستانية. ففي خلال الحرب، أطلقت إيران صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه جميع دول مجلس التعاون الخليجي، وكانت الإمارات من أكثر الدول تعرضاً للهجمات الإيرانية. على الرغم من خطورة التهديد، جاء ردّ حكومة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف حذراً ومحدوداً. إذ أُدرجت إدانة الضربات الإيرانية ضمن دعوات عامة إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، بدلاً من صدورها في بيان واضح ومستقلّ، وهو ما بدا أقلّ بكثير مما قد تتوقعه أبوظبي من شريك استراتيجي وثيق.
في الوقت نفسه، اضطلعت باكستان بدور وساطة نشط، حيث أجرى قادتها المدنيون والعسكريون سلسلة من الاتصالات والتحركات الدبلوماسية المكثفة مع طهران. وبينما يُعدّ الحفاظ على علاقات عملية مع إيران ضرورة استراتيجية لباكستان، ظلت هذه العلاقة تاريخياً أقل أهمية من علاقاتها مع الإمارات. من هذا المنطلق، قد يكون مشهد المسؤولين الباكستانيين وهم يستقبلون الوفود الإيرانية بحفاوة لافتة قد أثار امتعاضاً في أبوظبي، في وقت كانت فيه طهران تهدد المصالح الإماراتية بصورة مباشرة.
وقد لخّص السفير الباكستاني السابق لدى الولايات المتحدة، حسين حقاني، هذه المفارقة بقوله إن «الإمارات صُدمت لأنّ باكستان لم تدعمها في مواجهة إيران، فيما صُدمت باكستان لأن الإمارات صُدمت». مع ذلك، تبقى مثل هذه التقديرات في إطار التحليل والاستنتاج أكثر منها حقائق مثبتة. إذ تشير المعطيات المتاحة علناً إلى أن الإمارات امتنعت عن توجيه أي انتقاد رسمي لباكستان بسبب موقفها من الحرب، ولم يصدر عن أي من الحكومتين ما يوحي بوجود استياء معلن أو خلاف بشأن سياسات الطرف الآخر.
سداد القروض الإماراتية
في خضم هذه الأجواء، جرى تقديم سداد باكستان قروضاً إماراتية بقيمة 3.5 مليارات دولار باعتباره دليلاً إضافياً على وجود توتر في العلاقات بين البلدين. وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى الربط بين عملية السداد وما قيل إنه استياء إماراتي من الموقف الباكستاني المتحفظ خلال الحرب. كما أشارت تقارير إلى أنّ أبوظبي طلبت استرداد أموالها قبل أيام من مساهمة باكستان في الجهود التي أفضت إلى وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، مضيفةً بُعداً درامياً إلى القضية من خلال التركيز على أن المبلغ المسدَّد يعادل نحو 21 في المئة من إجمالي احتياطات باكستان من النقد الأجنبي.
غير أن هذه التفسيرات لا تنسجم مع الوقائع المعلنة أو المواقف الرسمية للطرفين. ففي الواقع، كانت هذه القروض مستحقة السداد منذ فترة. وكانت أبوظبي قد أودعت ثلاثة مليارات دولار لدى المصرف المركزي الباكستاني عام 2018 لدعم وضع ميزان المدفوعات، قبل أن توافق على تمديد أجل الوديعة مرات عدة. في نهاية المطاف، توصّل البلدان إلى اتفاق يقضي بالسداد النهائي في يناير 2026.
رفضت وزارة الخارجية الباكستانية المزاعم التي ربطت عملية السداد بأي خلفيات سياسية، ووصفتها بأنها «مضللة ولا تستند إلى أساس». وأوضحت أن القروض سُددت عند استحقاقها وفقاً للاتفاقات المبرمة بين الطرفين. كما جدّدت التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، ووصفتها بأنها «شراكة أخوية طويلة الأمد تقوم على الثقة والتعاون الاستراتيجي في مجالات التجارة والاستثمار والدفاع والعلاقات بين الشعبين».
حملات الترحيل المرتبطة بمخاوف أمنية
تعزّزت الانطباعات بوجود تصدّع في العلاقات الإماراتية–الباكستانية مع تصاعد الجدل حول ترحيل مواطنين باكستانيين من الإمارات عقب اندلاع الحرب. فبعد الكشف في أبريل 2026 عن شبكة يُشتبه بارتباطها بأنشطة إرهابية، أطلقت السلطات الإماراتية حملة أمنية شملت مختلف أنحاء البلاد، وأسفرت عن ترحيل آلاف العمال الأجانب، كان عدد كبير منهم من الباكستانيين المنتمين إلى الطائفة الشيعية. وقدّمت بعض التغطيات الإعلامية هذه الإجراءات باعتبارها مؤشراً إضافياً على تدهور العلاقات بين أبوظبي وإسلام آباد.
لكن في الواقع، لا يمثّل عدد المرحّلين، الذي تجاوز 7500 شخص، سوى نسبة ضئيلة من نحو مليوني باكستاني يقيمون في الإمارات ويعملون فيها. كما أن هذه الإجراءات جاءت في أعقاب الكشف عن مخطط أمني أثار إدانات واسعة، واندرجت ضمن التدابير التي تلجأ إليها الدول عادة لحماية أمنها الداخلي. في هذا السياق، رحّلت باكستان في الآونة الأخيرة آلاف اللاجئين استناداً إلى اعتبارات أمنية مماثلة.
والأهم أنّ كلاً من وزارة الداخلية ووزارة الخارجية الباكستانيتين دافعتا عن الإجراءات الإماراتية، واعتبرتا أنها تدابير إدارية اعتيادية مرتبطة بمخالفات قانونية وقضايا تتعلق بقوانين الإقامة والهجرة، رافضتين المزاعم التي تحدثت عن استهداف جنسية معينة أو فئة مذهبية بعينها.
مخاطر الروايات المضلِّلة
تستند الرواية الإعلامية القائلة إن العلاقات الإماراتية–الباكستانية تشهد تراجعاً إلى حد كبير إلى قراءة انتقائية للأحداث، وإلى إخراج بعض الوقائع من سياقها، فضلاً عن غياب مواقف علنية حاسمة قادرة على تبديد هذه الانطباعات. ففي الواقع، لم يصدر عن أي من الحكومتين ما يُشير إلى أن الشراكة بين البلدين تواجه تحديات جوهرية. إذ امتنعت الإمارات عن توجيه انتقادات علنية لباكستان سواء بسبب اتفاقية الدفاع المشترك التي وقّعتها مع السعودية أو بسبب موقفها المتحفظ من الهجمات الإيرانية على دول الخليج. في المقابل، واصلت إسلام آباد رفض المزاعم التي تتحدث عن قطيعة أو أزمة دبلوماسية، مؤكدة الطابع الاستراتيجي للعلاقة بين البلدين.
مع ذلك، تبقى الانطباعات مهمة. فاستمرار الروايات التي تصوّر العلاقات الثنائية على أنها متوترة أو آخذة في التراجع ينطوي بحد ذاته على مخاطر. ومن مصلحة الحكومتين دراسة الأسباب التي سمحت لهذه التصورات بالانتشار واكتساب المصداقية، على الرغم من استمرار التعاون بينهما في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. فالرواية المصطنعة، إذا تُركت من دون تصحيح أو مواجهة، قد تتحول تدريجياً إلى حقيقة متداولة ومقبولة.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.