عندما سحب دونالد ترامب الولايات المتحدة من «خطة العمل الشاملة المشتركة»، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وصف الاتفاق الذي أبرمته الإدارة الأمريكية السابقة بأنه «أسوأ اتفاق في التاريخ»، متعهداً بالتوصل إلى اتفاق أفضل بكثير. بدا ذلك حينها امتداداً لخطابه السياسي القائم على المبالغة والثقة المطلقة بالنفس، لكنه تحوّل مع الوقت إلى فخّ استراتيجي يصعب على إدارته الإفلات منه.
فالانسحاب وضع واشنطن وطهران على مسار مواجهة انفجر لاحقاً، بل ورسم أيضاً سقفاً سياسياً يُقيّد قدرة ترامب على إبرام أي اتفاق جديد. حيث إنّ التوصل إلى أي تسوية تُشبه الاتفاق السابق ستُعتبر تراجعاً وهزيمة سياسية في نظر خصومه وفي قاعدته.
بدت مقاربة ترامب خلال ولايته الأولى متماسكة ظاهرياً، وإن انتهت إلى نتائج عكسية. فقد هدفت سياسة «الضغط الأقصى» والعقوبات الاقتصادية إلى إنهاك إيران ودفعها إلى التفاوض من موقع أضعف، فيما جاء اغتيال شخصيات عسكرية بارزة، مثل قاسم سليماني، كجزء من استراتيجية تشديد الضغط. لكن ما تجاهلته هذه المقاربة كان طبيعة التوازنات الداخلية في إيران. فبدلاً من إضعاف المتشددين وتعزيز موقع التيار البراغماتي الذي راهن على الانفتاح على الغرب، منحت حملة ترامب هؤلاء المتشددين دليلاً إضافياً على أن التفاهم مع الولايات المتحدة لا يقود إلى مكاسب، بل يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط.
وجاء الرد الإيراني عبر الساحة الإقليمية. حيث نفّذت طهران ضربات محسوبة ضد دول خليجية كانت من أبرز الداعمين لحملة «الضغط الأقصى»، وذلك في محاولة لتقويض منظومة الاحتواء الأمريكية.
وقد وصلت الرسالة بوضوح إلى الرياض وأبوظبي، اللتين أدركتا أن الولايات المتحدة قد لا تكون مستعدة لتوفير حماية موثوقة لهما في مواجهة مباشرة مع إيران، فاختارتا خفض التوتر عبر استعادة العلاقات مع طهران وتقديم نفسيهما كطرفين محايدين نسبياً.
وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، كان المشهد الإقليمي قد تبدّل جذرياً. فالحرب الإقليمية التي اندلعت في أكتوبر 2023 أضعفت شبكة تحالفات إيران الإقليمية، وجعلت النظام الإيراني يبدو أكثر انكشافاً. وفي هذا المناخ، نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إقناع ترامب بأن اللحظة باتت مناسبة لشنّ ضربة حاسمة. وفي يونيو 2025، وبينما كانت المفاوضات الأمريكية-الإيرانية لا تزال جارية، أطلقت إسرائيل حملة جوية استمرت 12 يوماً، قبل أن تنضم إليها الولايات المتحدة في مرحلتها الأخيرة عبر هجوم واسع استهدف البرنامج النووي الإيراني. أما ردّ طهران، الذي اقتصر على ضربة رمزية ضد قاعدة عسكرية أمريكية واحدة، فقد بدا محدوداً إلى درجة دفعت واشنطن وتل أبيب إلى تفسيره باعتباره مؤشراً على ضعف إيران، لا تعبيراً عن حذر استراتيجي محسوب.
لكن هذا التقدير سرعان ما تبيّن أنه خطأ مكلف. فعندما رفضت طهران مجدداً تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات، صعّدت الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما عبر الهجوم العسكري المشترك الحالي في نهاية فبراير. وكان الرهان أن تؤدي القوة الساحقة إلى إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على الاستسلام. إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً، بعدما أطلقت الحرب يد إيران عسكرياً في المنطقة، وأعادت رسم عناصر قوتها ونفوذها بصورة أكثر اتساعاً وتعقيداً.
قبل اندلاع الحرب، كانت الورقة التفاوضية الأهم بيد إيران تتمثل في برنامجها لتخصيب اليورانيوم. لكن هذه الورقة فقدت جزءاً كبيراً من وزنها اليوم. فمن خلال فرض سيطرة فعلية على مضيق هرمز، ووضع أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط مستمر، امتلكت طهران أداة ضغط استثنائية لم تكن تملكها خلال سنوات الدبلوماسية الهادئة. وفي المقابل، استنزفت الحرب إلى حدّ بعيد أهم عناصر القوة التفاوضية الأمريكية: التهديد الموثوق باستخدام القوة العسكرية. فعلى الرغم من حجم الدمار الذي تعرضت له إيران، لم تتمكن واشنطن وتل أبيب من فرض الاستسلام عليها، بل إن طهران نجحت في فرض معادلة ردع تصعيدي على أرض المعركة، كاشفة حدود القوة العسكرية الأمريكية. وهكذا يعود الطرفان إلى طاولة التفاوض في ظل ميزان قوى مختلف: إيران تمتلك أوراق ضغط جديدة فرضتها الحرب، فيما تواجه الولايات المتحدة كلفة متصاعدة لحرب لم تحقق أهدافها.
وقد أفضت هذه المعادلة الجديدة إلى حالة من الجمود. فترامب يريد الخروج من الحرب، وهذا بات واضحاً، لكنه لا يملك خطة متماسكة لإنهائها، ولا مساراً واقعياً للتوصل إلى اتفاق يمكن اعتباره أفضل من الاتفاق النووي الذي انسحب منه سابقاً. والأسوأ من ذلك أن ترامب أضعف بصورة منهجية المؤسسات والبيروقراطيات المهنية التي كان يُفترض أن تُوّفر العمق التحليلي والاستمرارية الدبلوماسية التي تتطلبها مفاوضات معقدة من هذا النوع.
وبدلاً من ذلك، يعتمد ترامب على دائرة ضيقة من المقرّبين الشخصيين، مثل صهره جاريد كوشنر وصديقه المطوّر العقاري ستيف ويتكوف، ممن يفتقرون إلى الخبرة السياسية والتقنية اللازمة. فالتوصل إلى اتفاق نووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس صفقة عقارية في نيويورك، ولا عملية استحواذ على نادي في ساحل نيوجيرسي، بل مسار يتطلب ذاكرة مؤسساتية، وخبرة تقنية دقيقة، وقدرة على بناء منظومات رقابة وتحقق شديدة التعقيد، وهي عناصر لا تبدو الإدارة الحالية قادرة على توفيرها بصورة مقنعة.
لكن المشكلة أعمق من ذلك. فالاتفاقات الدولية تقوم، في جوهرها، على الثقة بالالتزام. وقيمتها لا تُقاس فقط ببنودها، بل أيضاً بسجل الأطراف التي توقّعها. ومن هذه الزاوية، يبدو سجل ترامب مثقلاً بما يضعف صدقية الولايات المتحدة. فقد حذّر منتقدو الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 من أن هذه الخطوة ستقوّض الثقة الدولية بواشنطن بصورة خطيرة. ومنذ ذلك الحين، استخدمت الإدارة الأمريكية المفاوضات النووية غطاءً دبلوماسياً بالتوازي مع التحضير لخيارات عسكرية وتنفيذها. كما أصدرت أوامر باغتيال شخصيات إيرانية رفيعة، من بينها المرشد الأعلى علي خامنئي، مع بداية الحرب الحالية، وهو أمر يصعب التقليل من أثره النفسي والسياسي.
ولا يقتصر الضرر هنا على السمعة السياسية، بل يمتد إلى البنية نفسها التي يمكن أن يقوم عليها أي اتفاق مستقبلي. فإذا أصبحت واشنطن طرفاً لا يمكن الوثوق بالتزامه أو التفاوض معه بحسن نية، فإن أي اتفاق جديد سيحتاج إلى آليات تنفيذ وضمان أكثر تعقيداً لتعويض هذا النقص في الثقة، سواء عبر أنظمة رقابة أشد صرامة أو ترتيبات امتثال أكثر تشعباً، ما يعني مفاوضات أطول وأكثر تعقيداً من الناحية التقنية.
وقد صُمّم الاتفاق النووي السابق أساساً لضمان التزام إيران، عبر منظومات رقابة صارمة وآلية «العودة التلقائية» للعقوبات. أما اليوم، فإيران تطالب بآليات تضمن التزام الولايات المتحدة نفسها، في وقت لا يوجد فيه حتى الآن إطار قادر على توفير مثل هذه الضمانات. فصيغة «5+1» القديمة لا تملك القدرة السياسية أو القانونية على محاسبة واشنطن، فضلاً عن إسرائيل. ولذلك، فإن بناء اتفاق يضمن التزام الطرفين معاً يتطلب إطاراً أكثر صلابة وتعقيداً من أي اتفاق عرفه العالم حتى الآن. ولهذا السبب تحديداً تعثّرت مفاوضات وقف إطلاق النار، ولهذا أيضاً تُقابل حتى العروض الأميركية الجدية في طهران بقدر كبير من الشك المبرَّر.
وفي موازاة ذلك، أوكلت إدارة ترامب الجزء الأكبر من الجهد الدبلوماسي إلى باكستان ووسطاء آخرين. وبات الرئيس الأمريكي يتابع التطورات بقلق واضح، متفاعلاً بصورة فورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مع كل معلومة تصله، وهو ما يفسّر الإشارات المتناقضة والمرتبكة التي طبعت مواقفه منذ الأسابيع الأولى للحرب. ويبدو أن ارتباكه في فهم آلية صنع القرار الإيراني لا يعكس، كما يعتقد، انقساماً داخل النظام الإيراني بقدر ما يكشف غياب قنوات التواصل المباشر واعتماده على معلومات مجتزأة وغير موثوقة.
لكن العقدة الأعمق التي تُثقل أي مسار تفاوضي تتمثل في القيود السياسية الداخلية. فأي اتفاق يشبه الاتفاق النووي السابق سيقدّمه خصوم ترامب باعتباره دليلاً على أن كل هذا التصعيد لم يكن سوى مغامرة سياسية مكلفة انتهت إلى النقطة نفسها، أو ربما إلى وضع أسوأ. فاليسار المناهض للحرب يريد استثمار الأزمة لمعاقبة ترامب والجمهوريين سياسياً، فيما يسعى اليمين الرافض للتدخلات العسكرية إلى تقديمها كدرس ضد المغامرات الخارجية. أما المعسكر المؤيد للحرب، فيدفع نحو مواصلة المواجهة حتى تحقيق «نتائج حاسمة»، مهما بلغت الكلفة. وهكذا يجد ترامب نفسه محاصراً بين هذه الضغوط المتعارضة، من دون مخرج يرضي أياً منها، ما يجعل تسويق هذه الحرب بوصفها انتصاراً مهمة بالغة الصعوبة. ويزداد المشهد تعقيداً مع رفض كل من إسرائيل ودول الخليج التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني ثنائي يُبرم فوق رؤوسها ويأتي على حساب مصالحها، فيما لا يمكن التقليل من قدرتها على عرقلة أي تسوية أو تأخيرها.
وفي ظل هذا الجمود، يلوح مجدداً فخّ التصعيد، باعتباره الوعد الوحيد، وإن كان هشّاً، بإمكانية تعديل موازين القوى لمصلحة ترامب عبر استخدام مزيد من القوة. لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً، في ظل هذه الظروف، ليست التوصل إلى اتفاق، بل استمرار حالة المراوحة: لا حرب شاملة جديدة، ولا تسوية فعلية، بل انسحاب أمريكي بطيء من الصراع الاستراتيجي حول مضيق هرمز، تاركاً للدول الأخرى مهمة التفاوض مباشرة مع طهران بشأن ترتيبات العبور والملاحة.
ولم تعد معضلة ترامب مجرّد إخفاق سياسي، بل تحوّلت إلى فخ استراتيجي قد لا يكون له مخرج مقبول سياسياً. فالإدارة الأمريكية دمّرت الاتفاق النووي الأصلي، ثم دفعت نحو الحرب بعد فشل سياسة الإكراه، وهي تجد نفسها اليوم أمام بيئة تفاوضية تمتلك فيها إيران أوراق قوة أكبر، فيما تراجعت مصداقية واشنطن مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الأزمة. والمفارقة أن أي تسوية واقعية محتملة قد تبدو شبيهة جداً بالاتفاق الذي سبق لترامب أن وصفه بأنه غير قابل للتحمّل. لكن بعد سنوات من الخطاب التصعيدي وسياسات الضغط الأقصى والتصعيد العسكري، قد يصبح الاعتراف بهذه الحقيقة بحد ذاته أمراً مستحيلاً سياسياً.