تعود سياسات التحالفات إلى الشرق الأوسط لتُذكرنا بمراحل سابقة من التنافس الإقليمي، ولكن ضمن مشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً. فقد عكست تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -التي أشار فيها إلى تشكّل شبكة عريضة من التحالفات المحيطة بإسرائيل تضم شركاء عدّة مثل الهند واليونان وقبرص إلى جانب أطراف إقليمية أخرى- تحولاً واسعاً في أنماط الاصطفاف الإقليمي، ازدادت سرعته بفعل الحرب الحالية. في الوقت نفسه، تواصل إيران تحالفاتها عبر شبكة راسخة من الشركاء والمجموعات المسلحة، بما يعزز نفوذها عبر ساحات عدة.
يطرح هذا المشهد المتحوّل بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، معضلة استراتيجية تتجاوز مسألة تحقيق التوازن مع النفوذ الإيراني. فقد باتت المنطقة تتشكّل على وقع مشروعين متنافسين لإعادة بناء الاصطفافات. فمن جهة، هناك شبكة النفوذ الإيرانية، القائمة على القدرات الصاروخية، ووكلائها الإقليميين، والضغط على البنية التحتية ومسارات الملاحة. ومن جهة أخرى، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ اصطفاف استراتيجي أوسع يمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا.
في هذا السياق، تجد دول الخليج نفسها في موقع وسطي بين هذين المشروعين المتنافسين. وعليه لا يقتصر التحدي على إدارة التهديدات، بل يتمثل في كيفية التعامل مع نظام إقليمي قيد التشكّل، تحاول فيه قوى أخرى فرض هندسة جديدة للتحالفات في الشرق الأوسط.
مقاربتان متنافسان لإعادة صياغة التحالفات
لطالما اعتمدت الاستراتيجية الإقليمية لإيران على شبكات غير تقليدية قائمة على أدوات غير متجانسة، بدلاً من اعتمادها على التحالفات الكلاسيكية بين الدول. فقد عملت طهران على بناء علاقات مع مجموعات مسلحة غير حكومية وشركاء سياسيين في مختلف أنحاء المنطقة، ما أتاح لها توسيع نفوذها عبر جبهات متعددة مع الحفاظ على عمق استراتيجي خارج حدودها. وتُشكّل القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة ركناً أساسياً في هذه الاستراتيجية، إذ تمتلك إيران ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية القادرة على بلوغ أهداف في مختلف أنحاء الخليج. كذلك تعمل إيران على دمج هذه القدرات مع شبكات من الوكلاء، ما يخلق ضغط بُنيوي متعددة الأبعاد، قادرة على تهديد طرق الملاحة، والبنية التحتية للطاقة، والمنشآت العسكرية في المنطقة.
في المقابل، تعكس الاستراتيجية الناشئة لإسرائيل نموذجاً مختلفاً. فبدلاً من الاعتماد على الوكلاء، تسعى تل أبيب إلى بناء شراكات رسمية وشبه رسمية مع دول تتقاطع معها في القلق من السلوك الإقليمي الإيراني. وقد أشار بنيامين نتنياهو إلى ما وصفه بـ«سداسي» التعاون الاستراتيجي، الذي يربط إسرائيل بشركاء مثل الهند واليونان وقبرص، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى. وتمتد هذه الشبكة عبر مجالات متعددة، تشمل الأمن البحري في شرق المتوسط، والتعاون التكنولوجي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والبنية التحتية للطاقة. كما أضافت اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية بعداً إضافياً من التعقيد إلى هذا الهيكل الناشئ.
والنتيجة هي تشكّل مقاربتين متنافسين لإعادة ترتيب الاصطفافات، يسهمان في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
المعضلة الاستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي
تضع هذه التطورات دول مجلس التعاون أمام تحدٍ معقّد في موازنة خياراتها، وإن كانت بعض الخيارات غير واقعية أساساً. فالتقارب مع إيران لا يشكّل مساراً استراتيجياً قابلاً للتطبيق، إذ إن الهجمات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الخليج، والضغط على طرق الملاحة، واستهداف البنية التحتية، حوّلت إيران من تهديد محتمل إلى معتدٍ مباشر وفوري. وقد عززت هذه السلوكيات قناعة راسخة في الخليج بأن الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية تقوم على الإكراه لا على التعايش.
في المقابل، فإن الانخراط الكامل في اصطفاف استراتيجي مع إسرائيل يحمل بدوره تعقيدات كبيرة. فالسلوك الإسرائيلي في الصراع الراهن، إلى جانب استراتيجيتها الإقليمية الأوسع ونهجها العسكري الحازم عبر ساحات عدة، يثيران مخاوف سياسية واستراتيجية جدية. وقد امتد أثر العمليات العسكرية الإسرائيلية بالفعل إلى البيئة الأمنية الخليجية، بما في ذلك هجوم غير مسبوق في قطر خلال شهر سبتمبر الماضي. وبالنسبة إلى دول الخليج التي تضع الاستقرار الاقتصادي وخفض التصعيد في صدارة أولوياتها، ينطوي الاندماج في مثل هذا الإطار الأمني على مخاطر كبيرة.
كما تؤدّي الاعتبارات السياسية الداخلية دوراً حاسماً. إذ لا تزال القضية الفلسطينية عامل تعبئة قوي في المجتمعات العربية، فيما تواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية إثارة غضب واسع. وهذا يفرض على الحكومات الخليجية قيوداً واضحة على مدى ما يمكن أن تبلغه الشراكات الأمنية.
وعليه، تواجه دول الخليج تحدياً متعدد الاتجاهات في إدارة التوازنات. فمن جهة، تمثل شبكة النفوذ الإيرانية تهديداً عسكرياً مباشراً للبنية التحتية الإقليمية، لا سيما في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ومن جهة أخرى، فإن التعمق في اصطفاف تقوده إسرائيل قد يجرّ دول الخليج إلى مواجهات جيوسياسية وأيديولوجية أوسع لا تخدم مصالحها الأساسية.
بناءً على ذلك، يتمثل التحدي الرئيسي أمام مجلس التعاون في تجنّب الوقوع في فخّ الانخراط بتحالفات تتشكّل خارج إرادته، وليس في اختيار طرف على حساب آخر فحسب.
تباين في التصوّرات حيال التهديد
تتفاقم صعوبة تشكيل تحالفات متماسكة في الخليج بفعل تباين التصورات حيال التهديد بين دوله. فدول مجلس التعاون تختلف في كيفية التعامل مع المخاطر المرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، إذ تميل بعض الحكومات إلى التركيز على الردع وتعزيز القدرات الدفاعية، بينما تفضّل أخرى إعطاء الأولوية للمسارات الدبلوماسية والانخراط السياسي. كما تتباين النظرة إلى إسرائيل داخل المنطقة، حيث ترى بعض الدول فيها شريكاً محتملاً في مواجهة تحديات أمنية مشتركة، في حين تتحفّظ دول أخرى بسبب التداعيات السياسية والرمزية لهذا التقارب.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن مجلس التعاون من غير المرجح أن ينخرط في اصطفاف حصري مع طرف خارجي أو في شبكة تحالف واحدة.
نهجٌ خليجي نحو الاستقلالية الاستراتيجية
تاريخياً، اتبعت دول مجلس التعاون نهجاً يمكن وصفه بـ«التحوّط الاستراتيجي» بدلاً من الارتباط الكامل بمحور واحد. فقد حرصت الحكومات الخليجية على بناء علاقات متداخلة أمنية ودبلوماسية واقتصادية مع قوى متعددة، وكانت جميعها جزءاً من حركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة. لكن منذ الغزو العراقي للكويت عام 1990، شكّل التعاون الأمني مع الولايات المتحدة العمود الفقري لمنظومة الردع الخليجية. إذ تستضيف المنطقة شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في كل من قطر والبحرين والكويت والإمارات، توفّر قدرات في الدفاع الصاروخي، وتكامل المعلومات الاستخباراتية، والاستجابة السريعة.
ومع ذلك، سعت دول الخليج إلى عدم تحويل هذه العلاقة الأمنية إلى اصطفاف جامد يزيد من حدة الاستقطاب الإقليمي. وكان الحفاظ على قنوات تواصل دبلوماسية مع إيران جزءاً مقصوداً من هذه الاستراتيجية، إذ أن الجغرافيا تجعل من الانفصال الكامل أمراً غير واقعي، في ظل الحدود البحرية المشتركة، والموارد الطبيعية المتداخلة، والأهمية الحيوية لمضيق هرمز. وبالتالي، ارتكز النهج الخليجي تقليدياً على الجمع بين الردع والدبلوماسية: تعزيز القدرات الدفاعية من جهة، مع الإبقاء على قنوات الاتصال التي تساعد على إدارة الأزمات من جهة أخرى.
الخيارات السياسية أمام دول مجلس التعاون الخليجي
مع احتدام التنافس بين شبكات التحالف، تُعدّ صياغة المقاربة الأمنية التي تحافظ على استقلالية دول الخليج التحدي الأساسي لدول مجلس التعاون. وفي الوقت نفسه تقلّص هذه المقاربة من تعرضها للضغوط الإيرانية أو الانجرار إلى اصطفافات استراتيجية غير مرغوبة، وهو أحد الخيارات الأولية في تعزيز التوازن الداخلي داخل الخليج نفسه.
فعلى الرغم من وجود اتفاقية دفاع مشترك بين دول المجلس، لا يزال تنفيذها العملي محدوداً. ومن شأن تعميق التكامل في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة المجال البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية، أن يعزز الردع الجماعي ويقلّل من الاعتماد على الأطراف الخارجية.
يقوم الخيار الثاني على تنويع الشراكات الخارجية دون الانزلاق إلى تحالفات جامدة. وتبرز تركيا كشريك محتمل، إذ توفّر قدرات في التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة والخبرة البحرية، من دون الأعباء السياسية المرتبطة بالتقارب مع إسرائيل. ومن الناحية الاستراتيجية، تمنح تركيا دول الخليج هامش مناورة أوسع وتحدّ من الاعتماد المفرط على مزوّد أمني واحد.
كما تمثل باكستان خياراً إضافياً، نظراً لروابطها العسكرية الطويلة مع دول الخليج، بما في ذلك برامج التدريب والتعاون البحري. وتشير الاتفاقيات الدفاعية الأخيرة، ومنها اتفاق وُقّع مع السعودية في سبتمبر الماضي، إلى أن التفكير الأمني الخليجي بدأ يتجه نحو تنويع مصادر الضمانات الأمنية خارج الإطار الغربي التقليدي. ولا تكمن أهمية باكستان في استبدال الولايات المتحدة، بل في توفير عمق استراتيجي، وقدرات بشرية، وتوسيع شبكة الشراكات مع قوة عسكرية إسلامية كبرى.
ويتمثل الخيار الثالث في تطوير طبقة أمنية عربية أوسع حول مجلس التعاون، عبر تعزيز التعاون مع دول مثل الأردن ومصر في مجالات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات، وأمن الملاحة. وعلى الرغم من أن هذا الإطار لن يرقى إلى تحالف عسكري عربي تقليدي، فإنه قد يوفر منصة أمنية إقليمية مستدامة سياسياً، لا تُعرّف من خلال شبكة النفوذ الإيرانية ولا من خلال الاصطفاف الذي تقوده إسرائيل.
أما الخيار الرابع فهو تعزيز التعاون المؤسسي مع حلف شمال الأطلسي. فمن خلال «مبادرة إسطنبول للتعاون»، تشارك عدة دول خليجية بالفعل في برامج شراكة مع الحلف تشمل التدريب، وقابلية التشغيل البيني، والأمن السيبراني، وأمن الملاحة. وعلى الرغم من أن الناتو لن يتحوّل إلى مظلة قتالية مباشرة لدول الخليج، فإنه يوفّر أطراً مؤسسية مهمة لبناء القدرات الدفاعية، خصوصاً في ظل تزايد تأثير عدم الاستقرار في الخليج على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
في المحصلة، يبدو الخيار الأكثر واقعية هو اعتماد سياسة التحوّط المتمايز ضمن إطار خليجي مركزي. فدول المجلس لن تتطابق في تقييمها للتهديدات أو في علاقاتها الخارجية، لكنها لا تحتاج إلى سياسات خارجية متطابقة لبناء استراتيجية إقليمية متماسكة. المطلوب هو التوافق على خطوط حمراء أساسية، مثل حماية السيادة، والبنية التحتية للطاقة، والممرات البحرية، والمراكز الحضرية، مع الإبقاء على قدر كافٍ من المرونة في القنوات الدبلوماسية والأمنية.
عملياً، يعني ذلك تبنّي استراتيجية متعددة الطبقات تشمل: تعزيز التكامل الدفاعي الخليجي، وتنويع الشراكات الخارجية مع أطراف مثل بريطانيا وتركيا وباكستان والناتو، والانخراط في تعاون انتقائي حسب القضايا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات دبلوماسية مع إيران لإدارة التصعيد.
تجنّب فخ التحالفات في المنطقة
إنّ عودة سياسات التحالفات تُعيد صياغة المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فبينما تعمل إيران على ترسيخ شبكة نفوذها، تسعى إسرائيل إلى بناء اصطفاف أوسع يمتد من شرق المتوسط إلى ما بعده، وهنا تجد دول الخليج نفسها أمام شبكة معقّدة من مشاريع أمنية متنافسة.
وبالنسبة إليها، يكمن التحدي منع القوى الخارجية من فرض هندسة النظام الأمني الإقليمي نيابة عنها ولا يتمثل في اختيار طرف بعينه. من هذا المنطلق، يُعدّ تعزيز التنسيق الداخلي الخليجي، وتنويع الشراكات الخارجية، والحفاظ على المرونة الدبلوماسية، عناصر أساسية لضمان الاستقرار في بيئة تزداد استقطاباً. ففي منطقة تتبدّل فيها التحالفات وتتطور فيها التهديدات، قد تكون الاستقلالية الاستراتيجية في نهاية المطاف هي الرصيد الأهم الذي تمتلكه دول الخليج.