واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 19 نوفمبر 2025. (صورة بريندان سميالوفسكي/وكالة فرانس برس)

هل يبني الخليج ذكاءً اصطناعيًا ذا سيادة رقمية أم يستأجرها؟

تبدو معظم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي شيّدتها الدول الخليجية، حتى الآن، أبعد ما تكون عن محرك للاستقلالية، فهي تمثل وصفة جاهزة للتبعية: متطورة، باهظة الكلفة، لكنها تسير في الاتجاه الخاطئ.

6 أغسطس، 2026
مهند سلّوم

أعلن الرئيس التنفيذي لشركة “هيوماين”، الشركة السعودية الناشئة المدعومة من الدولة في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت سابق من هذا العام، عن عزمَه استيعابَ عقدين من التقدّم الوطني في عام واحد من تطوير الذكاء الاصطناعي. وقد عبّر بذلك عن الاتجاه السائد بهذا الصدد في منطقة تشهد تطوراً بخطى متسارعة.

 

فقد أجازت واشنطن تصدير عشرات الآلاف من معالجات “إنفيديا” الأكثر تقدماً في غضون أسابيع، لشركة “هيوماين” ومنافستها الإماراتية “جي 42″، ورفعت الرياض حجم استثماراتها المُعلنة في الولايات المتّحدة بهذا المجال إلى تريليون دولار. وبدأت أبو ظبي تشهد تَشكّل مجمع البنية التحتية الضخم، بالتزامن مع دخول الدوحة هذا السباق من خلال كيانها السيادي الخاص. وتبدو الرسالة الموجّهة إلى الرأي العام الخليجي واثقة ومتسقة: هذه هي الركيزة الرئيسة لمستقبل أكثر سيادة في مرحلة ما بعد النفط، وهذه هي اللحظة التي تتوقف فيها المنطقة عن استيراد مستقبلها وتبدأ في صناعته بنفسها.

 

بيد أن ثمة حاجة إلى قدر أكبر من الدقة، فما يُشترى هنا ليس السيادة، بل حقّ استخدام قدراتٍ يتحكم بها من يقف خارج الحدود الوطنية.

 

من البديهي أن ننطلق من حقيقة أنّ السيادة ليست في امتلاك القدرات، بل في القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية من دون إذن الطرف الآخر. فقد تمتلك الدولة قوة هائلة وتفتقر في الوقت نفسه إلى السيادة، لا سيّما إذا من يُصيغ هذه الشروط ويفرضها موجود خارج الحدود الوطنية للدولة. ومن هذا المنطلق وعلى هذا المنوال، تبدو معظم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي شيّدتها الدول الخليجية، حتى الآن، أبعد ما تكون عن محرك للاستقلالية، لأنها تعكس وصفة جاهزة للتبعية: متطورة، باهظة الكلفة، لكنها تسير في الاتجاه الخاطئ.

 

وفي نظرة فاحصة على المشاريع الحالية، يبين لنا أن الرقائق أمريكية المنشأ، وأنّ المنصّة السحابية التي تشغلها تديرها شركات أمريكية في معظم هذه الصفقات. والنماذج الرائدة المتعلقة بأنظمة الذكاء الاصطناعي الكبيرة والمتطوّرة هي الأخرى أمريكية.

 

في هذا السياق، يصف أحد التحليلات المتأنية ترتيباتِ الذكاء الاصطناعي الخليجية على أنه لا يُشكّل نموذجاً واحداً، بل نماذج على طيف متدرّج: تقع في أحد طرفيه مناطق معزولة داخل منشآت (جي 42) تديرها مايكروسوفت وفق شروط الترخيص الأمريكية، وفي طرفه الآخر، تُستخدم معالجات شركة “إنفيديا” داخل أروقة شركة “هيوماين” في المملكة العربية السعودية، وهو نموذج سيادي حقيقي، إلّا أنّه يظل رهينَ الرقائق الأمريكية. وما يبعث على القلق هنا هو أنّ مركز الثقل يقع بالقرب من الطرف التابع، حيث تضطلع الدول الخليجية بدور الدول المضيفة فيما تبقى قبضة الأيدي الأجنبية تُدير زمام التحكم.

 

هنا يبرز السؤال: ما هو ثمن القبول بهذا الواقع؟ لا بُد من الإشارة إلى أنّ “جي 42” تخلصت من تقنيتها الصينية، واعتمدت بروتوكولات فحص تُقصي الشركات الصينية، كذلك تخلّت عن ممتلكاتها الصينية وذلك من أجل الحصول على موافقة واشنطن على الواردات المذكورة أعلاه، وهذا يعني أنّ  الولايات المتّحدة لم تبع الرقائق للدول الخليجية فحسب، بل اشترت الحقّ في تحديد الدول التي يمكن للخليج أن يتعاون معها. فالسيادة لا تأتي هنا مصحوبةً بقائمة من المورد تُحدد الأطراف التي لم يعد مسموحًا للمشتري بالتعامل معها، ولكن هذا البند يعكس وحده دلالة كافية على ذلك، فضلًا عن متطلّبات الرصد والإبلاغ المُدرجة في التراخيص، والسيطرة التشغيلية التي يحتفظ بها المشغلون الأمريكيون. فمن يُدير المنطقة المعزولة، يُحدّد شروطها ويعمل في إطار صلاحية التصدير إلى خارج حُدود الدولة المضيفة، ويُمسك أيضًا بعناصر النفوذ والرافعة التي لا يملكها الطرف المضيف. والاشكالية لا تندرج في سياق القدرة الحاسوبية التي اشتراها الخليج، بل من يملك مفتاح إيقافها؟

 

 

حدود التبعية بوصفها ضمانة أمنية

 

يستحقّ الدفاع عن هذه الفرضية عرضاً وافياً، وننطلق من الإشارة إلى أنّ الدول الخليجية ربما تدرك تماماً ما تفعله. فمن خلال إنفاق ما قد يتجاوز تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، وتحويل أراضيها إلى طاقة استيعابية محورية لعمالقة التكنولوجيا الأمريكيين مثل مايكروسوفت وجوجل وأمازون وإنفيديا، قد تنتهج المنطقة إستراتيجية متعمدة قوامها تحويل التشابك التجاري إلى ضمانة أمنية.

 

بعبارة أخرى: عندما يُصبح استقرار الخليج لا غنى عنه للميزانيات الأمريكية، سيجد أعداء دول الخليج واشنطن في المرصاد. وقد شكّل الصراع الذي اندلع في فبراير 2026 بين الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران، والذي شهد هجمات بطائرات مسيرة إيرانية على البنية التحتية الرقمية والطاقة في الخليج، أول اختبار حقيقي لهذه المعادلة، ويُمكن القول أنّ هذا التوافق قد صمد إلى حدّ ما.

 

لكن ما يجب التنبه إليه هو أن بوليصة الضمان التي لا يُمكنك التحكّم بها هي ليست ضمانة فعلية، بل هي مجرّد وعد. والتشابك الذي يُراد منه تحقيق الحماية في مرحلة معينة قد يتحوّل إلى قيد، والتبعية التي قد يُنظر إليها كضمانة أمنية قد تدوم، بقدر تقاطع مصالح  الأطراف المعينة.

 

لقد شهدت الدول الخليجية هذا السيناريو من قبل. فصفقة النفط مقابل الأمن التي أُبرمت على متن السفينة “يو إس إس كوينسي” عام 1945 ضمن ترتيبات البترودولار في السبعينيات جعلت المنطقة غنية ومحط اهتمام العالم، لكن شروط الصفقة لم تكن ضمن الصياغة.

 

وحين تباعدت أولويات الرياض عن واشنطن بشأن تخفيضات إنتاج النفط في أكتوبر 2022، لم يتأخر الرد سوى أيام: تلويحٌ بـ”عواقب“، وإحياء مشروع قانون (NOPEC)، ومراجعة عمليات نقل الأسلحة والنظر فيها. وقد سبق وعُرض هذا السيناريو أيضاً في عام 2021، حين اشترطت واشنطن على أبو ظبي إزالة شركة هواوي الصينية من ضمن شبكاتها مقابل تسليمها طائرات (F-35) . رفضت الإمارات هذا الثمن آنذاك، ودفعت ما يعادله الآن مقابل الرقائق. إنّ العلاقة التي تعكس اليوم وجهاً من أوجه النفوذ قد تتحول غدًا إلى قيد: على ما يمكن تصديره، ومن يمكن التعامل معه، وما يُسمح ببنائه. فحين يتولى الطرف الآخر صياغة الشروط، تتجاوز النتيجة مراحل متقدمة من التبعية، وتُجسدها في أوضح صورها.

 

في هذا الإطار، تُعدّ المقارنة مع أوروبا درساً مفيداً. فقد اكتشف الاتحاد الأوروبي أن نحو أربعة أخماس بنيته التحتية الرقمية تعتمد على مزودين من خارجه، وبات يتعامل مع سيادته الرقمية باعتبارها مشروعاً إستراتيجياً صريحاً وذلك بفرضه قيوداً على الخدمات السحابية الأمريكية للبيانات الحكومية الحسّاسة، وتمويل بدائل محلية، وتشريع استعادة السيطرة التي لم يمتلكها بعد. وقد يختلف المراقبون في تقدير حظوظ بروكسل في النجاح بتحقيق هذه الغاية، إلّا أن ليس هناك مكاناً للغموض في هذا الاتجاه: فأوروبا تكافح للخروج من التبعية ذاتها التي يدفع الخليج ثروات طائلة للانزلاق فيها.

 

هذا لا يعني أنّ رهان الخليج على الاستراتيجية الحالية غير حكيم أو أنّ البناء في هذا المجال هو هدر للموارد. بل يعني ببساطة أنّه على دول الخليج أن تُحدد إستراتيجيتها للتعامل مع هذه المسائل بدقة، وأن تتصرف على ضوء الفوارق القائمة. فالسيادة الحقيقية لا تُستأجر. وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، تكمن تلك السيادة في الطبقات التي يمكن للدولة امتلاكها فعلاً وهي: بياناتها، أي المادة الخام لكل ميزة مستقبلية، والنماذج المحمولة مفتوحة المصدر التي يمكنها تشغيلها وتكييفها من دون طلب إذن. والأهم من ذلك كله، أن تتجسد السيادة في قدرات أبناء هذه الدول. إنّ القيد الحقيقي الذي تواجههُ المنطقة ليس في رأس المال، التي تمتلك منه ما يفوق أي طرف آخر، بل في شُح المهندسين والباحثين القادرين على بناء الأنظمة المتطوّرة وصيانتها دون الاستعانة بكفاءات أجنبية، وهو رصيد لا يزال هزيلاً قياساً بحجم الطموح.

 

في المقابل، تُعتبر إصدارات النماذج المفتوحة الإماراتية والأنظمة السعودية باللغة العربية، جزءاً من الطرف السيادي الحقيقي الذي يتشكل حتى الآن، وخطوة حقيقية نحو  المستقبل. إنه الاستثناء الذي ينبغي أن يكون الإستراتيجية بحدّ ذاتها.

 

يُعدّ بناء السيادة الرقمية مشروعاً حقيقياً ومساراً مستمراً، لكن ما ينبغي التنبّه إليه هو أن شراء القدرات وفق شروط الآخرين لا يحقق الاستقلالية، بل يرسخ شكلاً متطوراً من التبعية. فقيمة السيادة الرقمية عند من يمتلك بعد عشر سنوات من الآن، مفاتيح تشغيل التقنيات وإيقافها، وليس فيمن يمتلك اليوم هذه التقنيات. وما لم تُمسك الرياض وأبو ظبي بهذه المفاتيح، فإنهما لا تبنيان سيادتهما الرقمية، بل تمولان سيادة الآخرين.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، المملكة العربية السعودية، قطر

المؤلف

زميل أول غير مقيم
مهند سلوم، زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وأستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميلًا مشاركًا فخريًا في جامعة إكستر.   تتمحور أبحاثه حول تفويض السلطة من الدولة عبر المؤسسات الاستخباراتية والتقنيات الناشئة. وهو مؤلّف كتاب تصنيف الجماعات الإثنو-سياسية كمنظمات إرهابية: حالة حزب العمال الكردستاني في… Continue reading هل يبني الخليج ذكاءً اصطناعيًا ذا سيادة رقمية أم يستأجرها؟