قوات عسكرية وموظفون أمريكيون وقطريون ينتظرون وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قاعدة العديد الجوية جنوب غرب الدوحة في 15 مايو 2025. (تصوير: بريندان سميالوفسكي / وكالة فرانس برس)

الوجود العسكري الأمريكي في الخليج: من أداة للردع إلى مصدر للانكشاف؟ 

لطالما شكّلت المنظومة الأمنية الأمريكية في الخليج ركيزة للمصالح المتبادلة بين الجانبين. غير أن الحرب الدائرة في إيران باتت تدفع العواصم الخليجية نحو مراجعة فرضياتها الاستراتيجية

1 يونيو، 2026
كريستيان ألكسندر

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية، وما تبعها من هجمات صاروخية وضربات بالمسيّرات شنّتها طهران ضد دول مجلس التعاون الخليجي التي تستضيف قوات أمريكية، طرح سؤال استراتيجي قديم يتمحور حول طبيعة القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج والجهات التي تخدم مصالحها في نهاية المطاف.  

 

كما أعادت إشعال نقاش واسع بين الباحثين وصنّاع القرار والمحللين في الخليج بشأن ما إذا كان الوجود العسكري الأمريكي لا يزال يمثل الضامن الأكثر فاعلية للردع الإقليمي، أم أنه بات يعرّض دول الخليج بصورة متزايدة لتداعيات صراعات ليست طرفاً مباشراً فيها. 

 

وبرّرت إيران استهدافها منشآت في الخليج بأن الدول المستضيفة للقوات الأمريكية أسهمت في تسهيل العمليات العسكرية الموجّهة ضدها. إلا أن الحكومات الخليجية رفضت هذا المنطق، مؤكدة أن تلك الهجمات تشكل انتهاكاً لسيادتها الوطنية، وليست استهدافاً لمواقع أمريكية منفصلة عن أراضيها. ويعود ذلك إلى أن المنشآت العسكرية الأمريكية في دول مجلس التعاون ليست أراضي أمريكية ذات سيادة، بل منشآت تقع داخل أراضي الدول المضيفة وتعمل في إطار ترتيبات قانونية وسياسية وعسكرية جرى التوافق عليها بين الجانبين. وهنا تبرز مفارقة استراتيجية أساسية: فالقواعد التي أُنشئت لتعزيز الردع قد تتحوّل، خلال الأزمات الإقليمية، إلى أهداف محتملة للرد العسكري ومصدر للجدل السياسي في آن واحد. 

 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذه المنشآت بوصفها جزءاً من معادلة استراتيجية قائمة على تبادل المصالح. فالدول المضيفة توفر إمكانية الوصول والتمركز العسكري مقابل الحصول على مظلة ردع وتدريب وتقنيات متقدمة وشراكة سياسية، فيما تكتسب الولايات المتحدة قدرة أكبر على الانتشار المتقدّم والعمق اللوجستي والمرونة العملياتية. غير أن الحرب الأخيرة كشفت أيضاً حدود هذه المعادلة. ففي أوقات النزاع، قد يصبح الوجود العسكري الذي يُفترض أن يعزّز الردع عاملاً يستدعي الاستهداف. وهو ما أعاد طرح سؤال محوري في النقاشات الخليجية: هل ينبغي لدول مجلس التعاون تعميق اندماجها الدفاعي مع الولايات المتحدة، أم أن من الأفضل تنويع ترتيباتها الأمنية تدريجياً بحيث لا تتحوّل أي شراكة خارجية إلى مصدر هشاشة أو عبء استراتيجي؟ 

 

 

المنطق الاستراتيجي للقواعد العسكرية 

 

تمتلك الولايات المتحدة أوسع شبكة عسكرية خارجية في العالم، تشمل قواعد دائمة وقوات منتشرة بالتناوب ومراكز لوجستية واتفاقيات وصول وانتشار تمتد عبر أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ وأفريقيا والشرق الأوسط. وعلى خلاف روسيا أو الصين، اللتين لا يزال حضورهما العسكري الخارجي محدوداً نسبياً، تنظر واشنطن إلى هذه القواعد باعتبارها جزءاً من منظومة عالمية مترابطة تهدف إلى طمأنة الحلفاء، والحفاظ على وجود عسكري متقدم، وتعزيز قدرات الانتشار السريع والعمليات الاستخباراتية وإسقاط القوة عبر مسافات بعيدة.  

 

وفي الخليج، تؤدّي هذه البنية العسكرية وظائف استراتيجية حيوية. فالبحرين تستضيف مقرّ الأسطول الأمريكي الخامس، بينما تحتضن قطر قاعدة العُديد الجوية والمقرّ الأمامي للقيادة المركزية الأميركية، فيما تستضيف الإمارات قوات أمريكية في قاعدة الظفرة الجوية. وتشكل هذه المنشآت مجتمعة العمود الفقري للعمليات العسكرية الأمريكية في نطاق جغرافي واسع يمتد من شرق البحر المتوسط إلى جنوب آسيا. 

 

وعلى الرغم من أن القواعد العسكرية الأجنبية تُقدَّم أحياناً من قبل منتقديها بوصفها رمزاً للهيمنة الخارجية أو مساساً بالسيادة الوطنية، تستند القواعد الأمريكية في الخليج إلى اتفاقيات ثنائية أبرمتها حكومات ذات سيادة رأت في هذه الترتيبات مصلحة وطنية. وتُحدّد الأطر القانونية الناظمة لهذه القواعد، سواء عبر اتفاقيات التعاون الدفاعي، أو اتفاقيات وضع القوات أو مذكرات التفاهم أو ترتيبات الوصول العسكري، صلاحيات التشغيل والحماية القانونية للأفراد والقيود التي تفرضها الدول المضيفة. وبعبارة أخرى، لا تعمل هذه القواعد خارج سلطة الدول التي تستضيفها أو بمعزل عن الضوابط التي تضعها. 

 

ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى القواعد الأمريكية في الخليج باعتبارها مواقع مفروضة من الخارج بقدر ما هي أدوات ضمن ترتيبات أمنية جرى التفاوض عليها بين الطرفين. بل إن وصفها بـ«القواعد الأمريكية» قد يكون مضلّلاً إلى حد ما، لأنه يوحي بأن واشنطن تمتلك هذه المنشآت وتموّلها بالكامل. أما في الواقع، فتتقاسم الولايات المتحدة والدول المضيفة أعباءها المالية بدرجات متفاوتة؛ إذ توفر الحكومات الخليجية الأراضي والبنية التحتية والخدمات الأساسية والدعم الإنشائي، بينما تتحمّل واشنطن الجزء الأكبر من تكاليف الأفراد والعمليات العسكرية والنقل والذخائر والتجهيزات التشغيلية. 

 

وتبقى مسألة السيادة أكثر القضايا حساسية في الجدل المرتبط بالقواعد الأجنبية. فالدول المضيفة تحتفظ بسيادتها القانونية والإقليمية على المنشآت الواقعة داخل أراضيها، إلا أن الوجود الدائم لقوات أجنبية يثير تساؤلات مستمرة بشأن حدود الاستقلالية والاعتماد على الخارج وحجم النفوذ الخارجي في صنع القرار الوطني. كما لا تقتصر كلفة هذه الترتيبات على الجوانب السياسية فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية واستراتيجية أوسع. فالاعتماد المفرط على قوة خارجية لتوفير الحماية الأمنية قد يحد من هامش المناورة الدبلوماسية في التعامل مع الخصوم الإقليميين. وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن لأي هجوم يستهدف هذه المنشآت، أو حتى تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بها، أن ينعكس سلباً على حركة الطيران والشحن والتجارة والسياحة وثقة المستثمرين 

 

 

تصدّع المعادلة 

 

شهدت البيئة الاستراتيجية المحيطة بالقواعد العسكرية في الخليج تحوّلات عميقة خلال العقد الماضي، كما أن الشكوك بشأن فعالية المعادلة الأمنية بين الولايات المتحدة ودول الخليج سبقت الحرب الأخيرة مع إيران بسنوات. فقد أثارت الهجمات التي استهدفت منشأتي بقيق وخريص النفطيتين في السعودية عام 2019، والضربات المتكررة التي شنّها الحوثيون ضد الإمارات، فضلاً عن موجات الهجمات الصاروخية وبالمسيّرات التي شهدتها المنطقة لاحقاً، تساؤلات متزايدة لدى الباحثين والمراقبين بشأن مصداقية الردع وحدود الحماية التي تستطيع الولايات المتحدة توفيرها لحلفائها.  

 

وجاءت الحرب الأخيرة لتعمّق هذه التساؤلات. فقبل اندلاعها، أكدت حكومات خليجية عدة علناً أن أراضيها لن تُستخدم منصةً لشن عمليات هجومية ضد إيران، وهو موقف عكس حجم الحساسية السياسية المرتبطة بوجود القواعد الأجنبية خلال الأزمات الإقليمية. وكان الهدف من ذلك تحييد هذه القواعد وتجنّب تحويلها إلى أهداف مباشرة. إلا أن ذلك لم يمنع إيران من استهداف أراضٍ ومنشآت في الخليج.  

 

ولأن طهران ربطت استهدافها للأراضي الخليجية بوجود القوات الأمريكية فيها، فإن السماح باستخدام القواعد العسكرية بكامل قدراتها لدعم رد أمريكي مباشر وحاسم كان من شأنه أن يدفع دول الخليج إلى انخراط أعمق في الحرب، وهو ما سعت إلى تجنّبه. وبذلك تحوّلت القواعد إلى عبء أمني، فيما كشفت الحرب قدرتها المحدودة على توفير الحماية الأميركية للدول المضيفة. 

 

 

الردع لم يفقد أهمّيته 

 

ومع ذلك، لا يعني كل ما سبق أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج فقدت قيمتها الاستراتيجية. فما زال الوجود العسكري الأمريكي يوفر مزايا يصعب على دول مجلس التعاون الخليجي توفير بدائل مماثلة لها بصورة مستقلة. إذ تسهم القوات الأمريكية في دعم منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، وحماية الممرات البحرية، وتدريب القوات المحلية، إلى جانب توفير قدرات الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ. كما يؤكد هذا الوجود أن أمن الخليج لا يزال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.  

 

وأظهرت الحرب الأخيرة كذلك، أن القوات الأمريكية طوّرت قدراتها للتعامل مع طبيعة الحروب المعاصرة التي تتصدرها الصواريخ والطائرات المسيّرة. فقد ساعدت إجراءات مثل توزيع القوات على مواقع متعددة، وتعزيز تحصين المنشآت، وإعادة تموضع بعض المعدات والأصول العسكرية، ووضع خطط طوارئ بديلة، في الحدّ من مواطن الضعف والحفاظ على استمرارية العمليات على الرغم من الهجمات الإيرانية.  

 

ويرى بعض المحللين أن الردّ الأمريكي المحدود على الهجمات التي استهدفت منشآت وقواعد عسكرية في الخليج لم يكن تعبيراً عن ضعف أو تردّد، بقدر ما كان انعكاساً لحسابات استراتيجية مدروسة. وبما أن عدداً من تلك الضربات بدا موجّهاً أساساً إلى أهداف عسكرية أمريكية، وليس إلى البنية التحتية المدنية أو الحكومات المضيفة نفسها، فضّلت واشنطن تجنّب ردود قد تؤدي إلى انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.  

 

ومع ذلك، تبقى المعضلة الاستراتيجية الأساسية قائمة. فالقواعد العسكرية المتقدمة ما زالت توفر قيمة ردعية مهمة، لكنها تخلق في الوقت نفسه التزامات ومخاطر متزايدة، باتت إدارتها أكثر صعوبة على المستويين السياسي والعسكري. 

 

 

معادلة استراتيجية تحت الضغط 

من غير المرجح أن يتحدّد مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج بالقواعد الدائمة الضخمة وحدها. ستعتمد استمرارية هذا الوجود بصورة متزايدة على عوامل أخرى، من بينها توزيع القوات والأصول العسكرية على مواقع متعددة، والحفاظ على موافقة الدول المضيفة، وتعزيز التكامل الإقليمي في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير ترتيبات وصول أكثر مرونة، فضلًا عن الحفاظ على الشرعية السياسية لهذا الوجود.  

 

ولا ينبغي النظر إلى الحضور العسكري الأمريكي في دول مجلس التعاون الخليجي باعتباره مجرد تعبير عن الهيمنة الأمريكية أو عن اعتماد خليجي على واشنطن. فهو في جوهره نتاج معادلة تفاوضية تقوم على المصالح المتبادلة. إذ تحصل الدول الخليجية من خلالها على الردع والشراكة الأمنية، فيما تكسب الولايات المتحدة قدرة أكبر على الانتشار الاستراتيجي وتعزيز نفوذها الإقليمي.  

 

غير أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالمنطق نفسه الذي حكمها لعقود. فالقواعد التي كانت تُقدَّم بوصفها رمزًا للأمن والاستقرار باتت تُنظر إليها أيضاً باعتبارها مصدراً محتملاً للهشاشة والانكشاف. وهي لا تزال تحتفظ بأهميتها الاستراتيجية، لكن استمرار فعاليتها بات مرهوناً بقدرتها على التكيّف مع بيئة أمنية جديدة تتسم بانتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وتصاعد أشكال الصراع غير التقليدي أو ما يُعرف بحروب «المنطقة الرمادية».  

 

وهنا تكمن المفارقة الأساسية للقواعد العسكرية في العصر الحديث: فهي تمنح الدول القدرة على إسقاط القوة لأنها تتمركز في الخطوط الأمامية، لكن التمركز في الخطوط الأمامية يعني اليوم، أكثر من أي وقت مضى، البقاء ضمن مدى الاستهداف. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

باحث أول في مركز ربدان للأمن والدفاع
كريستيان ألكسندر: زميل أول ورئيس الباحثين في معهد ربدان للأمن والدفاع، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة.