10 أكتوبر 2026 (الصورة بواسطة - / وكالة الصحافة الفرنسية)

النظام الإقليمي في مواجهة الأزمات المتزامنة

أعادت الهجمات على السفن في مضيق هرمز وخليج عدن إشكالية تداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية وتأثيرها على إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، وطرحت أهمية حفاظ دول الخليج على مصالحها.

7 أكتوبر، 2026
إبراهيم الشيخ

هناك فرق كبير بين أن تقع الأزمات متفرقة وأن تقع تباعاً في الوقت نفسه. ففي الحالة الأولى، تستطيع الدول التعامل مع كل أزمة بأدواتها الخاصة. أما في الحالة الثانية، فإن كل أزمة تتحول إلى عامل ضغط إضافي، فتتضاعف الكلفة مع توالي الأزمات، حتى تجد الدولة أمام شبكة من الضغوط المتداخلة.

 

قد تبدو هذه المقاربة الأكثر ملاءمة لقراءة ما يجري اليوم، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها في أوروبا، مرورًا بالحرب الإسرائيلية الأميركية مع إيران، وصولًا إلى تأثيرات هذه الأزمات على دول الخليج، والتطورات ذات الصلة في اليمن والبحر الأحمر، ومشروعات إعادة رسم طرق التجارة والطاقة الدولية، نتيجة عرقلة الملاحة الدولية عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، وبالتالي إعادة تشكيل العلاقات السياسية الدولية والإقليمية.

 

 

تداخل الأزمات وتحولات الأمن الأوروبي

 

فبريطانيا، في مراجعتها الاستراتيجية للدفاع لعام 2025، لم تتحدث عن تهديد روسي منفرد فحسب، بل وصفت البيئة الدولية بأنها أكثر اضطرابًا، ورأت أن العقود المقبلة ستتسم بـ«معضلات متعددة ومتزامنة». وقد حذّرت أيضاً من أن تنامي الروابط بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية يعقّد حسابات الردع وإدارة التصعيد عبر المناطق المختلفة. كما أوصت باعتبار الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، منطقتَي لهما الأولوية بالنسبة إلى الانخراط الدفاعي البريطاني في المجال الأوروبي الأطلسي.

 

بدورها أعادت فرنسا، في مراجعتها الاستراتيجية الوطنية لعام 2025، بناء تصورها للأمن على أساس بيئة دولية أكثر تدهورًا، معتبرة أن روسيا تمثل الخطر الرئيسي على فرنسا وأوروبا حتى عام 2030. كما أشارت الوثيقة الفرنسية إلى احتمال تراجع المظلة الأميركية نسبيًا، وإلى الحاجة للاستعداد لهذا السيناريو وإعادة بناء القدرات الأوروبية، في سياق توجّه أوروبي أوسع نحو تعزيز القدرات الدفاعية، برز أيضًا في بلجيكا.

 

إذن، لا يقتصر القلق الأوروبي على أوكرانيا، وإن كانت الحرب فيها نقطة التحول الكبرى. فأوروبا تواجه تحديات تتصل بروسيا، والحرب الهجينة، والطاقة، والأمن البحري، وسلاسل الإمداد، واحتمال انتقال الصراع من مسرح إلى آخر. ومن هنا يتضح ارتباط هذه التحولات بأمن الخليج.

 

 

الأمن السعودي وحدود الضمانات الأميركية

 

السعودية ليست مجرد دولة خليجية تراقب الحرب من بعيد. فهي تقع عند تقاطع ملفات الطاقة والبحر الأحمر والخليج واليمن. وفي الوقت نفسه، تتبنى رؤية اقتصادية واسعة تهدف إلى تنويع اقتصاد المملكة وتقليص اعتمادها على النفط، وترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا للاستثمار والتقنية والخدمات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث إذا تعرضت هذه الملفات كلها للضغط في وقت واحد؟

 

قدّمت الحرب الإسرائيلية الأميركية مع إيران إجابة أولية. فوفقًا لتحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 6 يوليو 2026، لم تسعَ السعودية إلى هذه الحرب، ولم تُستشر بصورة كافية بشأنها، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى إدارة آثارها الأمنية والاقتصادية. لتُعيد الحرب طرح إشكالية محورية تتعلق بعلاقة دول الخليج الأمنية مع واشنطن: هل يقلّل التحالف مع القوة الكبرى مخاطر الحرب ويوفر الحماية منها، أم قد تجد الدولة الحليفة نفسها تدفع ثمن حرب لم تخترها؟

 

وما ينطبق على السعودية ينطبق على معظم الدول الخليجية بدرجات متفاوتة. فثنائية التحالف والحماية لم تعد توفر إجابات حاسمة، بل باتت تفتح مزيدًا من الأسئلة حول حدود الضمانات الأمنية وكلفة الارتباط بالقوى الكبرى. وتبرز هذه الإشكالية في ما واجهته دول الخليج خلال الحرب الأخيرة، وما تسببت به الهجمات على منشآت الطاقة السعودية.

 

الممرات البحرية وأدوات الضغط الاقتصادي

 

فقد استأنفت السعودية تشغيل خط أنابيب الشرق–الغرب بعد توقفه إثر هجمات بطائرات مسيّرة، لكن الضخ عاد بمعدل منخفض. وتكمن أهمية الخط في إتاحة نقل النفط إلى ينبع على البحر الأحمر، وتجاوز مضيق هرمز. فإذا أصبح المرور عبر هرمز محفوفًا بالمخاطر، ازدادت أهمية البحر الأحمر؛ وإذا تعرض البحر الأحمر بدوره للخطر، تقلصت قدرة السعودية على استخدام هذا البديل. وهكذا، يمكن للضغط على ممر واحد أن يزيد أهمية الممر الآخر، ثم يصبح استهداف البديل وسيلة لتقليص المرونة الاستراتيجية للدولة.

 

في هذا السياق، تتحول الممرات البحرية من طرق للنقل إلى أدوات ضغط اقتصادي واستراتيجي. فكلما طال اضطراب الملاحة في هرمز أو باب المندب، تجاوزت الكلفة قطاع الطاقة، لتشمل التجارة والأسعار والسيولة والاستثمار، وقدرة الاقتصادات الخليجية على المحافظة على استقرار نشاطها.

 

وتنعكس تداعيات هذا الترابط في ارتفاع أسعار الشحن من الصين إلى جدة بنسبة 256%، وفق بيانات شركة «زينيتا».  كما تكشف الأرقام التي أوردتها صحيفة «فايننشال تايمز» حجم التحول بصورة أوضح؛ إذ انخفض مرور سفن الحاويات عبر هرمز بنحو 94%، وارتفعت تكاليف التأمين وأزمنة الرحلات، واضطرت التجارة إلى البحث عن مسارات بديلة عبر جدة وعُمان وخورفكان، بما يضيف وقتًا وكلفة إلى حركة السلع في المنطقة. كذلك، فرضت شركات شحن منها ميرسك رسومًا وزيادات طارئة على الشحنات المتأثرة بمضيق هرمز، لتغطية تكاليف المخاطر والتأمين وإعادة توجيه الشحنات.

 

وفي ظلّ البحث عن مسارات بديلة عبر البحر الأحمر، تكتسب تطورات الصراع في اليمن وأنشطة الحوثيين أهمية تتجاوز نطاقها المحلي، لما لها من تداعيات على أمن الملاحة وصادرات الطاقة والتجارة الخليجية.

 

 

الحوثيون وتشابك جبهات الصراع الإقليمي

 

من المهم قراءة حركة الحوثيين في إطار يتجاوز الحرب اليمنية الداخلية. فارتباط الحركة بإيران، وقدرتها على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، يمنحانها تأثيرًا استراتيجيًا عابرًا للحدود اليمنية. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا حوثيًا استهدف الناقلات السعودية وممرات الطاقة، بالتزامن مع تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر. كما أوقفت السعودية مؤقتًا خط أنابيب الشرق–الغرب بعد هجوم بطائرة مسيّرة قيل إن مصدرها العراق، ما يبرز تعدد مصادر الضغط على المملكة.

 

ولا يعني ذلك أن كل خطوة حوثية تمثل بالضرورة تنفيذًا مباشرًا لتعليمات إيرانية، فالجماعة تمتلك حساباتها المحلية أيضًا. لكن النتيجة الجيوسياسية تتمثل في امتلاك إيران، عبر حلفائها وشركائها، قدرة على ممارسة الضغط في أكثر من مسرح في وقت واحد.

 

 

التطبيع وإعادة رسم مسارات التجارة

 

يُضاف إلى ذلك التباين في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما في مقاربة اليمن والنفوذ الإقليمي والعلاقات مع إيران وإسرائيل. ففي 15 سبتمبر، لمّح السفير الإسرائيلي لدى الإمارات، يوسي شِلي، إن دولة أخرى قد تنضم إلى اتفاقات إبراهام خلال أربعة إلى ستة أشهر، وذكر الكويت بوصفها احتمالًا. ولم يكن التصريح إعلانًا كويتيًا أو اتفاقًا معلنًا، بل وُوجه برفض كويتي علني.

 

تكمن دلالة التصريح في استمرار المساعي الإسرائيلية -الأميركية لتوسيع دائرة اتفاقات إبراهام. ويأتي ذلك بالتوازي مع تطور العلاقات الإسرائيلية المغربية عبر تبادل فتح السفارات، ومع تقارير اقتصادية تشير إلى نمو تجارة السلع بين إسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين منذ توقيع اتفاقات إبراهام عام 2020.

 

في هذه المعادلة، تمثل السعودية ثقلًا خليجيًا وعربيًا وإسلاميًا، ما يجعل التحولات في موقعها الإقليمي ذات تداعيات تتجاوز حدودها. ومن ثم، فإن أي ضغوط تستهدف تقليص قدرتها على التأثير تستحق الدراسة في ضوء مصالح الأطراف المعنية وأدواتها، من دون افتراض وجود تنسيق شامل بينها.

 

كذلك، تكتسب السعودية أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ثقلها السياسي والديني والاقتصادي، بل أيضًا لأن مشروع «ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا» يضعها والإمارات ضمن الدول الموقعة على مذكرة التفاهم الخاصة به. ويهدف المشروع إلى بناء شبكات نقل وطاقة واتصال تربط الهند بالخليج وأوروبا. وهنا يصبح التطبيع جزءًا من سؤال أوسع يتعلق بمستقبل طرق التجارة والترتيبات الإقليمية المرتبطة بها.

 

وقد دعا تحليل نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في 22 مايو 2026 إلى إعادة تصميم الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بما يعزز قدرته على الصمود أمام إغلاق المضائق واستهداف طرق التجارة. وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد أعلنت، في 24 أبريل 2026، استعداد الاتحاد للعمل مع دول الخليج لتنويع البنية التحتية للتصدير وتقليص الاعتماد الحصري على مضيق هرمز، بالتوازي مع دفع مشروعات الربط، ومنها هذا الممر.

 

إذن، نحن أمام تحولات تدور حول إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والاتصال بين آسيا والخليج وأوروبا. ولهذا، فإن الضغوط على السعودية للانخراط في ترتيبات إقليمية جديدة ينبغي قراءتها من زوايا دبلوماسية واقتصادية واستراتيجية متكاملة.

 

 

تقاطع المصالح والاستنزاف الاستراتيجي

 

ربما يكون البحث عن دولة واحدة تقف خلف كل ما يحدث تفسيرًا سهلًا، لكن التحليل الأكثر صرامة يقتضي النظر إلى تعدد المصالح والحسابات. فهناك أهداف روسية، وحسابات إيرانية، ومصالح إسرائيلية، واستراتيجية أميركية متحركة، وتباينات خليجية، ومصالح أوروبية مرتبطة بالطاقة والتجارة، ومشروعات للربط الاقتصادي بين آسيا والخليج وأوروبا.

 

يتحرك كل طرف وفق حساباته، لكن تقاطع هذه الحسابات قد يؤدي إلى نتيجة مشتركة: استنزاف بعض مراكز القوة الإقليمية وإعادة توزيع القدرة على التأثير، حتى في غياب خطة موحدة أو تنسيق مباشر.

 

وهنا يبرز سؤال محوري بالنسبة إلى السعودية: هل يمكن لتزامن الضغوط على أمنها، وقدرتها على إنتاج الطاقة وتصديرها، وحدودها الجنوبية، وممراتها البحرية، وعلاقاتها الدولية، ومشروعها الاقتصادي، أن يؤدي إلى استنزافها من دون وجود خطة واحدة تستهدف هذه النتيجة؟

 

هذا احتمال استراتيجي يستحق الدراسة. فالدولة قد لا تُهزم في حرب واحدة، لكنها قد تُستنزف عبر أزمات متزامنة تضطرها إلى توزيع مواردها وقدراتها بين الدفاع عن منشآتها، وحماية حدودها، وتأمين صادراتها، وإدارة علاقاتها الدولية، ومواجهة تداعيات الصراعات في اليمن ومع إيران، والحفاظ على مشروعها الاقتصادي.

 

تكمن خطورة هذه المرحلة في أن الصراع على موازين القوة قد لا يتخذ شكل إسقاط دولة أو تفكيكها، بل قد يتمحور حول تحديد الأطراف التي تخرج من عصر الأزمات المتزامنة محتفظة بقدرتها على التأثير، وتلك التي تتقلص قدرتها على صنع القرار بفعل الاستنزاف المتراكم.

 

تتيح قراءة التحديات التي تواجهها دولة واحدة استشراف ملامح نظام إقليمي جديد يتشكل وسط الحروب والضغوط على الطاقة والممرات البحرية، وتتداخل فيه حسابات روسيا وأوروبا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فيما يقع الخليج العربي في قلب هذه التحولات.

 

فالمنطقة تواجه مسارًا لإعادة توزيع القوة، يتجاوز تداعيات أي أزمة منفردة. وتقتضي الاستجابة الاستراتيجية إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز التماسك الخليجي، وتنويع الشراكات والممرات الاقتصادية، بما يحافظ على قدرة دول المنطقة على اتخاذ القرار ويحدّ من استنزاف مواردها وتآكل نفوذها.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العلاقات الإقليمية
البلد:

المؤلف

أكاديمي وباحث بحريني
أكاديمي وباحث متخصص في شؤون الخليج، تتركز مؤلفاته حول التحوّلات السياسية والإعلامية في المنطقة، مع تسليط الضوء على دور الاتصال السياسي في تشكيل الرأي العام وأثره على صناع القرار. تجمع أعماله بين الرؤية الأكاديمية والخبرة في البحوث التطبيقية، سعياً لفهم ديناميكيات العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بمنطقة الخليج.