وصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (يمين) والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لالتقاط الصورة الجماعية خلال قمة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في بروكسل في 16 أكتوبر 2024. (تصوير: نيكولا توكا / وكالة فرانس برس)

الحرب الإيرانية والتقارب الإستراتيجي الأوروبي-الخليجي  

دفعت الحرب الإسرائيلية الأمريكية- الإيرانية كُلّ من أوروبا ودول الخليج إلى مزيد من التقارب الاستراتيجي، وذلك في ظل تزايد المخاوف المشتركة بشأن أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، ومخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. غير أن العوامل نفسها التي تدفع الطرفين إلى تعزيز التعاون، من تبعيات بنيوية وتباينات سياسية، قد تحدّ أيضاً من قدرة هذه الشراكة على التوسع أو بلوغ مستويات أكثر عمقاً.

26 مايو، 2026
كاميل لونس

تُمثّل الحرب الإقليمية في المنطقة نُقطة تَحوّل مفصلية في مقاربة دول الخليج للأمن وفي طبيعة شراكاتها الخارجية. وهي، من نواحٍِ عدّة، تُشبه التحوّل الجيوسياسي الذي أَحدثه الغزو الروسي لأوكرانيا في الإدراك الاستراتيجي الأوروبي منذ عام 2022. فكما هو الحال في أوروبا، تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معضلة الاعتماد على شريك أمني لا غنى عنه حتى هذه اللحظة، هو الولايات المتحدةلكنه بات يُنظر إلى واشنطن باعتبارها مصدراً للمخاطر بصورة متزايدة. 

وفي الوقت نفسه، يواجه الطرفان تهديداً مستمراً وقريباً من دولة مجاورة يُستبعد أن يختفي نظامها الحاكم في المدى المنظور. وكما تنقسم الدول الأوروبية فيما بينها حول كيفية التعامل مع هذه المعضلة الاستراتيجية، تتباين دول مجلس التعاون الخليجي بدورها في مقارباتها لإدارة هذا التحديلكن هذا التشابه يفتح الباب أمام فرص جديدة لتعميق التعاون بين أوروبا ودول الخليج، وذلك على الرغم من التطوّر الملحوظ في العلاقات بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة، الذي يبقى محدوداً في نطاقه وعمقه.  

اليوم، تكتسب الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، التي أُطلقت عام 2022، أهمية متجددة، ولا سيما في المجالات المرتبطة بالأمن البحري وتعزيز أمن الطاقة وقدرته على مواجهة الأزمات، وذلك بسبب الحرب الإقليمية الدائرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى.  

حتمية الأزمة 

يُعدّ تعزيز الدور الأمني الأوروبي في الخليج ضرورة استراتيجية وليس خياراً يُمكن تأجيله. فقد كشفت الحرب مجدداً عن المكانة المحورية التي تحتلها المنطقة في حسابات المصالح الأوروبية. وأدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى إحداث صدمة في أسواق الطاقة امتدت تداعياتها إلى مختلف أنحاء القارة. وعلى الرغم من أن اعتماد أوروبا المباشر على النفط والغاز الخليجيين يظل محدوداً نسبياً، فإن اقتصاداتها تبقى شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، بما ينعكس على معدّلات التضخم والقدرة التنافسية الاقتصادية. 

ولا تأتي هذه الهشاشة من فراغ، بل تُضاف إلى سلسلة من الاضطرابات التي شهدتها السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2023، دفعت التهديدات الأمنية في البحر الأحمر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، ما أطال زمن الرحلات بأكثر من عشرة أيام، ورفع تكاليف النقل، وأضعف مرونة سلاسل الإمداد العالمية. وعلى نطاق أوسع، تحمل التوترات في الشرق الأوسط تداعيات أمنية مباشرة على أوروبا، سواء من خلال زيادة مخاطر الهجرة غير النظامية أو تصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب. 

ويزيد الترابط بين الساحات الجيوسياسية المختلفة من حدّة هذه التداعيات. فقد استفادت روسيا بصورة غير مباشرة من الحرب في إيران، إذ ساهم ارتفاع أسعار الطاقة في تخفيف أثر العقوبات الأوروبية المفروضة عليها. كما أدى النزاع إلى استنزاف موارد عسكرية غربية، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي، كان يمكن تخصيصها لدعم أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، استغلت واشنطن دورها الأمني في أوروبا للضغط من أجل مزيد من التوافق الأوروبي مع سياساتها في الشرق الأوسط، وهو ما كشف عن التوترات المتنامية داخل العلاقة عبر الأطلسي. 

 

 

نحو دور أمني أوروبي أكثر فاعلية 

مع تزايد الشكوك بشأن موثوقية الولايات المتحدة كشريك أمني في الشرق الأوسط، تجد أوروبا نفسها أمام ضغوط متنامية لصياغة مقاربة أمنية أكثر استقلالية تجاه المنطقة. ويشكّل تعزيز الشراكة مع دول مجلس التعاون الخليجي ركيزة أساسية في هذا التوجه. وقد تدفع تداعيات الحرب إلى تسريع هذا المسار، لا سيّما أن الدول الخليجية نفسها باتت أكثر اهتماماً بتنويع شراكاتها الأمنية وتقليص اعتمادها التقليدي على واشنطن. 

وقد بدأت عدّة دول أوروبية بالفعل في ترجمة هذا التوجه إلى خطوات عملية. فقد سارعت فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وهولندا إلى نشر قدرات عسكرية دعماً لشركائها الخليجيين في مواجهة الضربات الإيرانية. وتصدرت فرنسا هذه الجهود عبر إرسال حاملة الطائرات «شارل ديغول» ومقاتلات «رافال» ووحدات بحرية إضافية، فضلاً عن تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي. كما عززت المملكة المتحدة حضورها العسكري في قواعدها الإقليمية واستعدّت لتسيير دوريات جوية فوق مضيق هرمز، فيما أشارت تقارير إلى أن إيطاليا نشرت قوات بحرية ودرست تزويد شركائها بأنظمة دفاع جوي متطورة. وقد قوبلت هذه الخطوات بترحيب واسع في دول الخليج. 

في المقابل، حرصت معظم الحكومات الأوروبية على النأي بنفسها عن العمليات الهجومية الأمريكية وامتنعت عن المشاركة فيها. وأثار هذا الموقف ضغوطاً متزايدة من واشنطن، وصلت إلى حد التلويح بتقليص التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي. ورداً على ذلك، دفعت فرنسا والمملكة المتحدة باتجاه إنشاء تحالف بحري دفاعي في مضيق هرمز، منفصل عن الولايات المتحدة، يتولى حماية حرية الملاحة في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار. 

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على البُعد العسكري. فقد أعادت الحرب إلى الواجهة النقاشات المتعلقة بالحدّ من مواطن الضعف البنيوية في منظومة الطاقة العالمية. ويبحث الأوروبيون ودول الخليج بالفعل في مشاريع بنية تحتية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، من بينها توسيع الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب السعودية المتجهة إلى البحر الأحمر، وإنشاء ممرات لوجستية برية عبر شبه الجزيرة العربية، وزيادة قدرات التكرير والتخزين خارج الخليج، إلى جانب تعزيز الروابط التجارية والطاقوية بين الصادرات الخليجية والأسواق المتوسطية. 

 

 

رياح معاكسة لا تزال قائمة 

مع ذلك، لا يزال مستقبل العلاقات الأوروبية–الخليجية محفوفاً بقدر كبير من عدم اليقين على المديين المتوسط والبعيد. بالنسبة إلى العواصم الأوروبية، ستظل أوكرانيا في صدارة الاهتمامات الاستراتيجية. وقد عمّقت الحرب في إيران المعضلة التي تواجهها أوروبا بين مواصلة تعزيز جبهتها الشرقية وضمان استمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا من جهة، وتوسيع حضورها الأمني في الشرق الأوسط من جهة أخرى. ويعكس الموقف الحذر الذي تتبناه برلين تجاه واشنطن حجم القيود السياسية التي تواجه الأوروبيين في محاولة التوفيق بين هذين المسارين. 

ولعلّ المكسب الوحيد الذي حققته أوروبا من الحرب في إيران يتمثل في التقارب المتنامي بين أوكرانيا ودول الخليج. فقد جاء هذا التقارب بصورة أساسية من خلال التعاون في مواجهة الطائرات المسيّرة، بعدما أبدت دول خليجية اهتماماً بالاستفادة من الخبرات والتقنيات الأوكرانية في التصدي للمسيّرات الإيرانية منخفضة الكلفة. وإذا كانت هذه الدول قد حرصت سابقاً على تجنب الانحياز الواضح في الحرب الروسية–الأوكرانية، فإن هذا التطور، مقروناً بالتعاون العسكري المتزايد بين موسكو وطهران، قد يدفعها إلى الاقتراب أكثر من المواقف الأوروبية. 

ومع ذلك، قد لا يكون جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي مستعدين للمضي بعيداً في توثيق العلاقات مع أوروبا. فبينما يظلّ تنويع الشراكات الأمنية وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة هدفاً استراتيجياً طويل الأمد، تبقى الأولوية الآنية لهذه الدول الحصول على ضمانات أمنية وقدرات عسكرية أمريكية أكثر قوة في مواجهة إيران. ومن ثم، قد تستمر في إعطاء الأفضلية لعلاقاتها مع واشنطن على حساب تعميق شراكاتها مع أوروبا. كما أن الدعم العسكري الأوروبي، على الرغم من أهميته، لا يزال محدوداً مقارنة بحجم التهديدات القائمة، فيما ظل الدور الأوروبي في المساعي الدبلوماسية المرتبطة بإيران هامشياً إلى حد بعيد. 

وقد تواجه الشراكة الاقتصادية، التي تشكل ركيزة أساسية أخرى في العلاقات الأوروبية–الخليجية، تحديات مماثلة. فخطط توسيع التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والصناعات الخضراء والتقنيات المتقدمة لا تزال قائمة، إلا أن تصاعد الاضطرابات الإقليمية في الخليج قد يضعف ثقة المستثمرين الأوروبيين ويؤخر تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى. 

وتزداد الصورة تعقيداً بفعل الاعتبارات السياسية الداخلية. فالتباينات القائمة داخل مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما بين السعودية والإمارات، قد تجعل من الصعب على الأوروبيين الحفاظ على توازن علاقاتهم مع مختلف الأطراف، في وقت يسعون فيه إلى تجنب الانخراط في التنافسات داخل الخليج. وفي المقابل، قد يحد صعود التيارات الشعبوية في دول أوروبية مؤثرة مثل فرنسا من الاستعداد السياسي لتعميق العلاقات مع دول الخليج، نظراً إلى النزعات الانعزالية والخطابات المعادية للإسلام التي تتبناها هذه القوى في كثير من الأحيان. 

وعليه، تُعتبر الحرب في إيران في الوقت نفسه فرصة واختباراً للعلاقات الأوروبية–الخليجية. فهي تعزز المبررات الاستراتيجية الداعية إلى توثيق التعاون بين الجانبين، لكنها تكشف أيضاً عن القيود البنيوية التي لا تزال تحد من هذا المسار، وفي مقدمتها استمرار اعتماد المنطقتين أمنياً على الولايات المتحدة. والمفارقة أن هذا الاعتماد يشكل في آن واحد العقبة الأبرز أمام شراكة أعمق، والحافز الأقوى للسعي إليها. 

على المدى الطويل، قد تسهم الحرب في تسريع تشكل نظام دولي أكثر تفتتاً، تتزايد فيه أهمية القوى المتوسطة الساعية إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية وإلى بناء تحالفات أكثر مرونة. وفي مثل هذا السياق، يُرجّح أن تتقاطع المصالح الأوروبية والخليجية بوتيرة أكبر، وأن تصبح حاجة كل طرف إلى الآخر أكثر وضوحاً وأصعب تجاهلاً. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية، منافسة القوى العظمى
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

زميلة سياسات ونائب رئيس مكتب باريس، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
كاميل لونس، زميل سياسات، ونائب رئيس مكتب باريس في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. تركز أبحاثها على الشؤون الجيو-سياسية في الخليج، والسياسة الخارجية الأوروبية، وديناميكيات الأمن في الشرق الأوسط، والعلاقات الأوروبية-الخليجية.