(تصوير: جويل صمد / وكالة فرانس برس) 4 يوليو 2026

بين الانتقائية الأخلاقية وتلميع السمعة: قراءة في مونديال 2026 

تكشف المقارنة بين ردود الفعل الغربية، ولا سيما الأوروبية، فيما يتعلق بتنظيم بطولتي كأس العالم لكرة القدم 2022 في قطر، وبطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة، عن ازدواجية واضحة في المعايير.

12 يوليو، 2026
كريستيان كوتس أولريكسن، أنيل شيلين

واجهت قطر حملة انتقادات غير منصفة قبل تنظيمها لبطولة كأس العالم 2022، بينما لم تتعرض الولايات المتحدة لمستوى مماثل من المساءلة، وذلك على الرغم من الجدل الذي رافق تنظيم البطولة لعام 2026، بدءًا من القيود على منح التأشيرات، مروراً بارتفاع كلفة الحضور وصعوبة الوصول إلى المباريات، وصولاً إلى اتهامات بالتحيز.  

 

لقد كان من الواضح منذ البداية أن بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 ستكون نسخة استثنائية. فقد استضافتها ثلاث دول للمرة الأولى، كما ارتفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً، في سابقة تاريخية لبطولة تُعتبر الأكثر متابعة على مستوى العالم. وبعد نسختَي روسيا 2018 وقطر 2022، اللتين تعرّضتا لانتقادات واسعة في الإعلام الغربي بسبب ملفات حقوق الإنسان واتهامات بـ«تلميع السمعة الرياضية»، ربما كان رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، يأمل في بطولة أقل إثارة للجدل. إلا أن نسخة 2026 شهدت نوعاً مختلفاً من الإشكاليات، بعد الكشف عن تفاوتات كبيرة في قدرة المنتخبات والجماهير القادمة من بلدان الجنوب العالمي على دخول الولايات المتحدة وتحمل كلفة حضور البطولة. ومن هذا المنطلق، تُمثل البطولة شكلاً مختلفاً من «تلميع السمعة الرياضية».  

 

قبيل انطلاق بطولة 2026، انصبّ اهتمام وسائل الإعلام على القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على سفر مواطني أربع دول مشاركة هي إيران وهايتي والسنغال وساحل العاج، وهو ما ناقض تطمينات إنفانتينو عام 2025 حين أكد أن «كل المنتخبات المتأهلة ستتمكن من الحضور مع جماهيرها»، وأن إجراءات الهجرة «ستسير بسلاسة». وحتى بعدما استحدث ما سمّاه «جائزة فيفا للسلام» ومنحها للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في محاولة للحفاظ على علاقة وثيقة مع البيت الأبيض، أثبتت الوقائع أن تلك الوعود لم تكن سوى تصريحات. فقد رفضت السلطات الأمريكية منح تأشيرات لعدد من أعضاء البعثة الإيرانية، ما اضطر المنتخب الإيراني إلى اتخاذ المكسيك مقراً له، والسفر منها إلى الولايات المتحدة لخوض مبارياته الثلاث في لوس أنجلوس وسياتل. 

 

وامتدت حالات التمييز إلى وقائع أخرى لفتت الأنظار. فقد مُنع اللاجئ الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة على الرغم من حيازته تأشيرة دخول، بينما خضع المهاجم العراقي أيمن حسين لاستجواب استمر قرابة سبع ساعات لدى وصوله إلى مطار أوهير في شيكاغو. وفي مفارقة لافتة، عيّن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفاأرتان لاحقاً حكماً لمباراة كأس السوبر الأوروبية في أغسطس، في حين سجّل حسين الهدف الوحيد للعراق في البطولة. 

 

كما رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول للمشجّع الكونغولي الشهير ميشال كوكا مبودالينغا، المعروف بلقب «المشجع الخارق»، والذي اعتاد حضور المباريات متقمصاً هيئة تمثال الزعيم الوطني الكونغولي باتريس لومومبا في كينشاسا. علماً أن الدولة التي منعته من دخول أراضيها هي نفسها التي كانت متورطة في تعذيب لومومبا واغتياله عام 1961. كذلك، تعذّر على كثير من جماهير منتخبات أخرى، بينها الأرجنتين حاملة اللقب، السفر إلى الولايات المتحدة لمتابعة المباريات، ما حرم البطولة جانباً كبيراً من أجوائها المعتادة. 

 

ومع انطلاق المنافسات، بدأت آثار هذا التمييز تظهر بوضوح، في ظل خضوع فيفا لهذه السياسات من دون اعتراض يُذكر. فقد استحوذت جماهير اسكتلندا وهولندا والنرويج على اهتمام المتابعين بعروضها الجماعية وأهازيجها وحركاتها المنسّقة، إلا أن حضورها الكثيف عكس حقيقة أخرى، هي أن معظم الجماهير الوافدة جاءت من أوروبا، لا من بلدان الجنوب العالمي. وزاد الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر من حدة هذا التفاوت، إذ حال دون حضور كثير من المشجعين محدودي الدخل. وافتقدت معظم الملاعب ذلك التنوع الذي ميّز جماهير كأس العالم في نسخ سابقة، ولا سيما في قطر عام 2022، حين اجتمع عشرات الآلاف من المشجّعين من مختلف أنحاء العالم في الدوحة على مدى شهر كامل، وهو ما ساعد عليه أيضاً تمركز المباريات في مدينة واحدة، بدلاً من توزيعها على مدن مضيفة عدة. 

 

 

غضب استعراضي 

واجهت قطر حملة غير مسبوقة من الانتقادات منذ فوزها بحق استضافة كأس العالم عام 2010. ودفعها ذلك إلى إقرار إصلاحات في قوانين العمل، شملت إلغاء اشتراط موافقة صاحب العمل على انتقال العمّال الوافدين إلى وظيفة أخرى أو مغادرة البلاد، واعتماد حد أدنى للأجور، وتوفير حماية قانونية للعاملات في الخدمة المنزلية. وعلى الرغم من استمرار المخاوف الحقوقية في قطر، فإن ما شهدته الولايات المتحدة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية يطرح تساؤلات لا تقل أهمية. فقد احتجزت السلطات الأمريكية نحو 400 ألف مهاجر، بينهم أكثر من ستة آلاف طفل، وأدت عملياتها العسكرية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ إلى مقتل ما لا يقل عن 200 شخص، كما خاضت حرباً اختارت شنّها على إيران، أسفرت عن مقتل مئات المدنيين وألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. 

 

ومع ذلك، ظلّ حجم الانتقادات التي وُجّهت إلى قطر، ولا سيما في أوروبا، أكبر بكثير من أي انتقادات طالت الولايات المتحدة. ففي عام 2022، امتنعت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن نقل حفل افتتاح كأس العالم، وخصّصت بدلاً عن ذلك برنامجاً ينتقد قطر، بينما نقلت هذا العام حفلات الافتتاح الثلاث كاملة. كذلك، وجّه رئيس الوزراء البريطاني المنتهية ولايته كير ستارمر انتقادات حادّة إلى سجل قطر في مجال حقوق الإنسان، في حين التزم الصمت حيال الانتهاكات الحقوقية في الولايات المتّحدة. والأمر نفسه ينطبق على منتخبي ألمانيا والنرويج، اللذين احتجا علناً على الدولة المضيفة خلال عامي 2021 و2022، قبل أن يلتزما الصمت في نسخة 2026. 

 

ويعزّز ذلك الانطباع بأن الغضب الذي رافق استضافة روسيا وقطر للنسختين السابقتين من كأس العالم لم يكن سوى غضب استعراضي، يعكس ازدواجية المعايير في تحديد الدول التي تُعد أهدافاً مشروعة للانتقاد، وتلك التي يُسمح لها بانتقاد الآخرين، بل واستضافة أكبر الأحداث الرياضية. 

 

ومن حيث إمكانية حضور البطولة وتحمّل كلفتها، جاءت نسخة 2022 على النقيض تماماً من نسخة 2026. فقد كانت بطولة قطر أكثر شمولاً، وأقرب إلى أن تكون بطولة للعالم بأسره، لا حدثاً موجّهاً إلى النخب الأكثر ثراءً وامتيازاً. وبلغ متوسط أسعار التذاكر في قطر، عبر مختلف الفئات، أقل بما يصل إلى عشرة أضعاف مقارنة بنسخة 2026، فيما بدأت أسعار مباريات الدور الأول من 11 دولاراً أمريكياً، وكان النقل من الملاعب وإليها مجانياً. أما في نسخة 2026، فقد وجد كثير من المشجّعين حول العالم أنفسهم عاجزين عن تحمّل أسعار التذاكر، إلى جانب الرسوم الباهظة المفروضة على استخدام وسائل النقل العام في أيام المباريات داخل الكثير من المدن المضيفة. 

 

وتُعيد سياسات الإدارة الأمريكية خلال بطولة 2026 صياغة الفهم الشائع لمفهوم «تلميع السمعة الرياضية»، الذي يشير إلى استخدام الحكومات الأحداث الرياضية لتحسين صورتها. وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجهت إلى هذا المفهوم بسبب تركيزه على الدول السلطوية وغير الغربية، فإن قراءات أحدث توسعت في تفسيره، معتبرة أن استضافة الأحداث الرياضية قد تُستخدم أيضاً لإبراز القوة وتعزيز المكانة، داخلياً وخارجياً. وقد تجسّد ذلك في روسيا خلال استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي عام 2014 وكأس العالم عام 2018، والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب. 

 

وتشير تصريحات ترامب بشأن إيران، إلى جانب دفاع مسؤولين في إدارته عن قرارات رفض منح التأشيرات، إلى أن الولايات المتحدة تستضيف البطولة وفق شروط ترامب، لا وفق قواعد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مع اهتمام محدود بنظرة العالم إليها. وتجلّى ذلك بوضوح في تصريحات وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، الذي احتفى علناً بخروج المنتخب الإيراني من الدور الأول. وعلى الرغم من تصريحاته التي أثارت استغراباً واسعاً خارج الولايات المتحدة، فإنها عزّزت الانطباع بأن البطولة موجّهة إلى الجمهور الأمريكي أكثر منها إلى الجمهور الدولي، ولا سيما أنها تتزامن مع الاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تتابع اللجنة الأولمبية الدولية ومنظّمو دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في لوس أنجلوس عام 2028، التي ستقام في السنة الأخيرة من الولاية الثانية لترامب، هذه التطوّرات عن كثب.  

 

وفي نهاية المطاف، عكست مجريات البطولة في الولايات المتحدة حجم اللامبالاة، بل وأحياناً الاستخفاف، الذي أبدته الإدارة الأمريكية تجاه بقية العالم. ويتجلّى ذلك أيضاً في الضغوط غير المسبوقة التي مارسها ترامب على الاتحاد الدولي لكرة القدم لإلغاء البطاقة الحمراء التي أُشهرت في وجه فلو بالوغون، وهي سابقة قد تترك تداعيات بعيدة المدى على نزاهة اللعبة. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية، بطولة كأس العالم لكرة القدم
البلد: قطر

المؤلّفون

زميل في معهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس في هيوستن
كريستيان كوتس أولريكسن؛ زميل في معهد بيكر للسياسات العامة في جامعة رايس في هيوستن.
زميل بحوث، برنامج الشرق الأوسط، معهد كوينسي
آنيل شيلين، زميلة في برنامج الشرق الأوسط في معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول. متخصصة في العلوم السياسية، يتركز اهتمامها على سياسات الشرق الأوسط، الديانات، حقوق الإنسان، والسياسة الخارجية الأمريكية. عملت شيلين سابقًا كمسؤولة شؤون خارجية في وزارة الخارجية الأمريكية.