دخل الاتفاق الأمريكي الإيراني المعلن حيّز التنفيذ في توقيت يكشف الكثير عن طبيعة التحول الذي أصاب مقاربة واشنطن للأزمة في الخليج. فالإدارة الأمريكية التي قدّمت التصعيد في بدايته باعتباره طريقاً إلى إعادة صياغة التوازن مع طهران، وجدت نفسها في النهاية أمام ضرورة احتواء النار قبل أن تتحول إلى استنزاف سياسي، واقتصادي، وأمني، واسع. وهكذا، تغدو التسوية سبيلاً قسرياً للخروج من مأزق عجزت أدوات القوة عن إدارته بمفردها، لا تتويجاً للنصر.
اللافت في المشهد أن الإعلان عن الاتفاق جاء وسط ارتباك سياسي في العاصمة الأمريكية، وفي ظل انشغال داخلي بصورة الرئيس ومشهدية السلطة، بالتزامن مع قمة السبع وبوساطة باكستانية نشطة. هذا التداخل بين الرمزية والاستراتيجية منح الاتفاق طابعاً مزدوجاً. في الخطاب الرسمي، قُدّم باعتباره إنجازاً تاريخياً يفتح طريقاً جديداً للاستقرار. وفي القراءة الفنية للنصوص المتداولة، بدا أقرب إلى عودة مكلفة إلى تعهدات قديمة، مع تنازلات مالية وسياسية تمنح إيران قدرة أوسع على ترميم موقعها الإقليمي.
من تغيير النظام إلى منطق الخروج الآمن
تكشف الصيغة المعلنة للاتفاق عن انتقال واضح في الأولويات الأمريكية. إذ تراجع سقف طموحات استراتيجية الضغط الأقصى وما رافقها من مساعٍ لتغيير سلوك النظام أو دفعه نحو الانهيار، ليحلّ محلها هدف أكثر واقعية يرتكز على خفض التصعيد، وتأمين أسواق الطاقة، وتبديد مخاوف الحلفاء، وضمان سلامة الممرات البحرية. هذا التحوّل لا يمكن فصله عن كلفة المواجهة ذاتها، ولا عن إدراك واشنطن أن استمرار الأزمة سيضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي، ويرفع كلفة التأمين والشحن، ويضع الخليج أمام اختناق استراتيجي طويل.
من هذا المنطلق، جاء الاتفاق كصيغة لإدارة كيفية الانسحاب من التصعيد أكثر منه كإطار لإعادة تشكيل العلاقة مع إيران. فالولايات المتحدة لم تحصل، وفق ما كشفته مذكرة التفاهم، على قفزة نوعية في القيود النووية أو الإقليمية. كما أن طهران لم تقدم تنازلاً سياسياً يمسّ بنية نفوذها الداخلي أو أدواتها الإقليمية. فما تحقق عملياً هو وقف مؤقت للتدهور، مع إبقاء الملفات الرئيسة مفتوحة على جولات لاحقة من التفاوض.
هنا تكمن المعضلة الأساسية. فالاتفاق الذي يُسوّق بوصفه نهاية أزمة، يحمل في داخله بذور أزمة مؤجلة. إنه يخفف الضغط المباشر عن الأطراف، لكنه لا يزيل مصادر الخطر. يضبط الإيقاع العسكري، لكنه يترك أسئلة الصواريخ والوكلاء والملاحة والرقابة النووية في منطقة رمادية. ومن ثم، فإن واشنطن لا تبدو وقد فرضت شروطها بقدر ما تبدو وقد قبلت بتسوية تتيح لها مغادرة ذروة التصعيد مع الحفاظ على خطاب النصر أمام الداخل.
العودة إلى نص 2015 بثمن أعلى
تظهر المفارقة الأشد إحراجاً عند مقارنة اللغة النووية في الاتفاق الجديد بلغة الاتفاق النووي لعام 2015. فالصياغات الخاصة بتعهد إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي تكاد تستعيد العبارة نفسها التي وردت في الاتفاق السابق، وهي العبارة التي سبق لواشنطن في عهد ترامب أن وصفتها بأنها جزء من «أسوأ اتفاق» أبرمته الولايات المتحدة. هذا التشابه لا يحمل دلالة لغوية عابرة، لأن الاتفاقات السياسية تُقرأ من خلال ما تضيفه إلى النصوص السابقة، لا من خلال قدرتها على إعادة إنتاجها بثمن أعلى. والنتيجة أن الإدارة الحالية عادت عملياً إلى منطق التعهد الإيراني القديم، من دون أن تُظهر حتى الآن آليات تحقق أكثر صرامة، أو قيوداً أعمق على البرنامج النووي، أو ضمانات تمنع إعادة إنتاج الأزمة لاحقاً. لذا، تبدو الفجوة واسعة بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن اتفاق أقوى، وبين النص الفني الذي يعيد تدوير الالتزامات ذاتها تقريباً.
يزداد هذا التناقض وضوحاً عند النظر إلى الملف المالي. فالاتفاق يفتح الباب أمام إيران للوصول إلى مبالغ كبيرة من أصولها المجمدة أو عوائدها المقيدة، ما أثار عاصفة سياسية خلال مرحلة أوباما التي قد تعرضت لهجوم واسع بسبب تحرير 1.7 مليار دولار، فإن الحديث اليوم عن قرابة 24 مليار دولار يجعل التسوية الراهنة أكثر كلفة من الناحية السياسية والاستراتيجية. فواشنطن لا تكتفي بالعودة إلى وعود 2015، بل تدفع ثمناً أكبر مقابل تعهدات لا تبدو أكثر صلابة.
يمنح هذا التدفق المالي الاتفاق بعداً إقليمياً بالغ الحساسية. فالأموال التي ستدخل الاقتصاد الإيراني لن تبقى محصورة في معالجة الاختناقات الداخلية. اذ سيُعيد جزء من هذه السيولة إمكانية توسيع هامش الحركة أمام الحرس الثوري، سواء في تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو في ترميم شبكات النفوذ الممتدة في العراق ولبنان واليمن. لذلك ينظر خصوم طهران إلى الاتفاق باعتباره تمويلاً غير مباشر لمرحلة جديدة من إعادة بناء القوة الإيرانية، تحت عنوان التهدئة وإعادة الإعمار.
الأهداف المعلنة وحسابات الفشل الاستراتيجي
يمكن قياس الاتفاق من خلال الأهداف التي رُفعت خلال مرحلة التصعيد. فقد قيل إن الحرب أو الضغط العسكري سيؤديان إلى تدمير القدرات الصاروخية، وتحجيم نفوذ الوكلاء، وإضعاف البحرية الإيرانية، وضرب صناعة الصواريخ، ومنع الاقتراب من السلاح النووي، وربما فتح الباب أمام تغيير سياسي داخلي. وعند مقارنة هذه الأهداف بالنتائج المعلنة، تظهر فجوة كبيرة بين سقف التوقعات وحصيلة التسوية. فالقدرات الصاروخية الإيرانية تعرضت لضربات وإرباكات، لكنها لم تُمحَ من المعادلة. وشبكات النفوذ الإقليمي بقيت قائمة، وإن اضطرت إلى إعادة التموضع. أما القوة البحرية الإيرانية، فقد تضررت في جانبها النظامي، في حين بقيت الزوارق السريعة والقدرات غير المتماثلة قادرة على تهديد الملاحة ورفع كلفة العبور في الخليج. وفي ملف الصناعة الصاروخية، يبدو الإنجاز مؤقتاً أكثر منه حاسماً، لأن الأموال التي سيفرج عنها الاتفاق ستمنح طهران قدرة على التعويض وإعادة البناء، ناهيك عن الحديث حول تعويضات بمليارات الدولارات لمحت الإدارة الأمريكية بأنها قد تكون التزاماً تعويضياً ستقدمه دول الخليج لإيران.
أما في الملف النووي، فإن الاتفاق يستند إلى تعهدات سياسية أكثر مما يستند إلى منظومة تحقق كافية لإغلاق الباب أمام الاقتراب التدريجي من العتبة النووية. هذا لا يعني أن إيران حصلت على ضوء أخضر، لكنه يعني أن المشكلة أُعيدت إلى مساحة التأجيل والمراقبة والضغط اللاحق. أما هدف تغيير النظام، فقد خرج من الحساب نهائياً، وحلّ محله منطق تثبيت الاستقرار ومنع الانفجار. وبذلك تحوّل السقف الأمريكي من تغيير بنية القوة في طهران إلى إدارة مخاطرها.
تمنح هذه الحصيلة النظام الإيراني مكسباً سياسياً لا يمكن تجاهله. فقد خرج من التصعيد محتفظاً ببنيته الأمنية، وحرسه الثوري، وشبكاته الإقليمية، وبقدرته على تقديم الاتفاق داخلياً على أنه اعتراف بدور إيران لا هزيمة لها. في المقابل، وجد الحلفاء الإقليميون للولايات المتحدة أنفسهم أمام سؤال دقيق عن معنى الضمانات الأمريكية حين تتحول المواجهة الكبرى إلى تسوية مالية وسياسية تسمح لطهران بالتقاط أنفاسها.
هرمز ولبنان وإسرائيل
تحتل مسألة مضيق هرمز موقعاً مركزياً في فهم التداعيات الأوسع للاتفاق. فواشنطن تؤكد أن المضيق سيبقى مفتوحاً وحراً أمام الملاحة الدولية، بينما تشير الرواية الإيرانية إلى ترتيبات انتقالية تمتد ستين يوماً، تمهيداً لمناقشة رسوم عبور أو تكاليف تأمين على السفن العابرة. ومجرد فتح هذا الباب يغيّر طبيعة النقاش. فالمضيق، الذي كان يُعامل باعتباره ممراً دولياً لا يجوز تحويله إلى أداة ابتزاز، أصبح موضوع تفاوض سياسي واقتصادي مع قوة إقليمية تملك القدرة على تعطيله أو رفع كلفته. هذا التحول يضع الخليج أمام معادلة جديدة. فاستقرار الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بوقف إطلاق النار، بل بمدى قبول طهران بضبط أدوات الضغط البحري. كما أن شركات التأمين وأسواق الشحن ستتعامل مع الاتفاق من زاوية المخاطر الفعلية، لا من زاوية التصريحات الأمريكية. وكلما اتسعت المنطقة الرمادية حول هرمز، زادت كلفة العبور، وارتفعت حساسية الاقتصادات الخليجية والآسيوية تجاه أي مناورة إيرانية.
وفي لبنان، لا يعني انعكاس الاتفاق الأمريكي الإيراني على الجبهة الجنوبية أن البلاد دخلت مرحلة تسوية نهائية، بل إن ما يجري أقرب إلى تهدئة مؤقتة فرضتها حسابات أوسع من الساحة اللبنانية نفسها. فتوقف الغارات أو تراجع وتيرتها يمنح الداخل اللبناني هامشاً محدوداً لالتقاط الأنفاس، ويخفف الضغط الأمني والنفسي عن سكان الجنوب، ويفتح المجال أمام الدولة لترميم جزء من حضورها السياسي والخدماتي. غير أن هذا الهدوء يبقى هشاً، لأنه لا يستند إلى معالجة جذرية للعناصر التي صنعت الانفجار في الأصل. فالمشكلة في منطقة جنوب لبنان لا تختصر في الغارات وحدها، ولا في لحظة التصعيد الأخيرة، بل تتصل ببنية أمنية معقدة تراكمت عبر سنوات. هناك احتلال إسرائيلي أو حضور عسكري في نقاط حدودية متنازع عليها، وهناك معادلة ردع قائمة بين إسرائيل وحزب الله، وهناك دولة لبنانية تحاول استعادة موقعها في منطقة لم تكن تملك فيها دائماً القرار الميداني الكامل. لذلك فإن أي توقف مؤقت لإطلاق النار لا يكفي وحده لتحويل الجنوب إلى منطقة مستقرة، ما دامت الملفات الأساسية عالقة، وما دام ميزان القوة لا يزال موزعاً بين الدولة والحزب وإسرائيل وحسابات الإقليم.
كما أن مسألة السلاح خارج سلطة الدولة تبقى في قلب الإشكال اللبناني. فالاتفاق قد يخفف الضغط العسكري على حزب الله، لكنه لا يجيب عن سؤال يكمن داخل الدولة اللبنانية، ولا عن حدود دوره العسكري بعد انتهاء موجة التصعيد. فالحزب يستطيع أن يقدم التهدئة باعتبارها نتيجة لصمود معادلة الردع، بينما ترى قوى لبنانية أخرى أن أي تهدئة حقيقية ينبغي أن تقود إلى تعزيز سلطة الجيش اللبناني وتوحيد القرار الأمني. وبين هذين التصورين يبقى الجنوب معلقاً بين منطق الدولة ومنطق المقاومة، وبين الحاجة إلى السيادة والحاجة إلى الردع.
تبدو التهدئة الحالية كأنها تجميد للصراع أكثر من كونها إنهاءً له. فهي تؤجل الانفجار، وتخفف كلفته المباشرة، لكنها تترك الأسباب العميقة قائمة. إسرائيل لم تصل إلى ضمانة نهائية تمنع عودة التهديد من الشمال، وحزب الله لم يفقد موقعه العسكري، والدولة اللبنانية لم تستعد بعد كامل قدرتها على إدارة الحدود وحدها. ولهذا فإن الجنوب يدخل مرحلة رمادية، تتراجع فيها النار من دون أن تختفي احتمالات عودتها، وتتقدم فيها لغة التهدئة من دون أن تتوافر شروط الاستقرار الكامل.
والأرجح أن لبنان سيكون من أكثر الساحات تأثراً بمآلات الاتفاق الأمريكي الإيراني. فإذا تحولت التسوية إلى مسار تهدئة طويل، فقد يحصل الداخل اللبناني على فرصة لترتيب وضع الجنوب، وتعزيز دور الجيش، وإعادة فتح النقاش حول علاقة السلاح بالدولة بعيداً عن ضغط الحرب اليومية. أما إذا بقي الاتفاق مجرد استراحة بين جولتين من التصعيد، فإن الجبهة الجنوبية ستظل قابلة للاشتعال عند أول اختبار جديد بين واشنطن وطهران، أو بين إسرائيل ومحور إيران. بذلك يصبح لبنان ساحة اختبار حقيقية لمدى جدية التهدئة الإقليمية، لا مجرد تفصيل جانبي في الاتفاق.
أما في إسرائيل، فيبدو الاتفاق ضربة سياسية لحسابات بنيامين نتنياهو. فقد راهن اليمين الإسرائيلي على فصل جبهة لبنان عن جبهة إيران، وعلى تحويل التصعيد إلى فرصة لإضعاف الحرس الثوري وشبكاته. لكن التسوية أعادت ربط الجبهتين بطريقة معاكسة، إذ منحت طهران موقعاً تفاوضياً أوسع، وأعطت حزب الله هامشاً لالتقاط الأنفاس، وعمّقت النقاش الداخلي الإسرائيلي حول حدود الاعتماد على المظلة الأمريكية. لذلك لا يُقرأ الاتفاق في تل أبيب فقط من زاوية البرنامج النووي، بل من زاوية أمن الحدود الشمالية ومستقبل الردع في مواجهة شبكة إيرانية لا تزال قائمة.
على المستوى الجيوسياسي الأوسع، يضرب الاتفاق أحد أكثر الأسئلة حساسية في النظام الدولي، وهو سؤال الردع النووي. فالمفارقة التي يلتقطها كثير من الخبراء أن إيران، التي لا تمتلك سلاحاً نووياً، تعرضت للضغط والهجوم والتهديد، بينما كوريا الشمالية، التي تمتلك سلاحاً نووياً، بقيت خارج نطاق الخيار العسكري الأمريكي المباشر. هذه المقارنة، بما تحمله من رسالة قاسية، قد تدفع قوى إقليمية ودولية إلى إعادة تقييم خياراتها الأمنية. وفي هذا السياق، يصبح القلق في الرياض وأبوظبي وطوكيو وسيول مرتبطاً بمصداقية الضمانة الأمريكية بقدر ارتباطه بالخطر الإيراني نفسه.
يكشف الاتفاق الأمريكي الإيراني عن تسوية وُلدت من الحاجة إلى وقف الانحدار، لا من القدرة على إنتاج نظام أمني جديد. فهو يخفف احتمالات المواجهة المباشرة، لكنه لا يعالج جذور الصراع. ويُعيد إيران إلى طاولة التفاوض بموارد أكبر، من غير أن يفرض عليها تحولاً محورياً في بُنيتها الأمنية أو سلوكها الإقليمي. كما يمنح واشنطن مخرجاً سياسياً من مأزق مكلف، لكنه يترك حلفاءها أمام شعور متزايد بأن المظلة الأمريكية صارت أكثر قابلية للمساومة وأكثر حساسية لضغط الكلفة.
لذلك، تبدو التسوية أقرب إلى تأجيل مُنظم للصراع منها إلى حل مستدام. فقد استبدلت واشنطن منطق الحسم بمنطق الإدارة، واستبدلت طهران كلفة العزلة بفرصة التقاط الأنفاس، فيما بقيت المنطقة معلقة بين تهدئة مؤقتة وانفجار مؤجل. الخطر الأكبر أن تنتهي هذه المرحلة إلى إيران أكثر قدرة على تمويل نفوذها، وحلفاء أكثر شكاً في واشنطن، ونظام إقليمي أكثر هشاشة أمام أول اختبار جديد في هرمز أو لبنان أو الملف النووي.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.