إيرانيون يزورون معرضًا يستعرض إنجازات الصواريخ والطائرات المسيّرة في طهران في 12 نوفمبر 2025. (تصوير: عطا كناره / وكالة فرانس برس)

هل تغيّر إيران عقيدتها الدفاعية؟

في ظلّ تصاعد الضغوط الخارجية وتفاقم مواطن الهشاشة في مرحلة ما بعد الحرب، أصدرت السلطات الإيرانية بياناً تُلمّح فيه إلى أنّ البلاد قد تتحرّك عند رصدها مؤشرات خطر واضحة، بدلاً من انتظار التعرّض لهجوم فعلي. وقد أثار هذا الموقف جدلاً متزايداً عما إذا كانت هذه المقاربة تُقلّل من احتمالات نشوب الصراع أم تزيد من مخاطره.

8 يناير، 2026
حميد رضا عزيزي

في السادس من يناير، أصدر مجلس الدفاع الإيراني، الذي أُنشئ حديثاً، بياناً مقتضباً لكنه مثيراً للجدل. فمع إعادة تأكيده على الموقف الإيراني الراسخ بعدم السعي إلى الحرب، أعلن المجلس أنّ طهران لم تعد ترى نفسها مقيّدة بالردّ بعد وقوع هجوم، وأنّها ستتعامل مع «مؤشرات التهديد الموضوعية» بوصفها جزءاً من حساباتها الأمنية. وقد صيغ هذا الموقف بحذر متعمّد، من دون الإشارة الصريحة إلى مفهوم الضربة الاستباقية، لكنه يوسّع، بصورة غير مباشرة، حدود تعريف إيران لما تعدّه دفاعاً مشروعاً.

 

ويأتي هذا البيان في سياق تجدّد الإشارات الأمريكية والإسرائيلية إلى احتمال تنفيذ ضربات مستقبلية محتملة، وهي إشارات عُبّر عنها علناً في خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في أواخر ديسمبر الماضي. وفي الوقت نفسه، أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قلقاً متزايداً في الأوساط الأمنية الإيرانية، إذ عمّق المخاوف في طهران من سيناريوهات استهداف  القيادات العليا في الدولة بالاغتيال أو الاختطاف. وتتزامن هذه الضغوط الخارجية مع الاحتجاجات الداخلية المستمرّة، ما يعزّز القلق من احتمال تقاطع عدم الاستقرار الداخلي مع عمل عسكري خارجي.

 

على مدى عقود، استند الردع الإيراني إلى منطق «الضربة الثانية»، معتمداً على ترسانة إيران الصاروخية وقدراتها على التصعيد الإقليمي، مع إصرارها على عدم المبادرة إلى الصراع. ومن هذا المنطلق، يطرح البيان الأخير تساؤلات جوهرية عما إذا كانت إيران بصدد إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية، وعما إذا كانت هذه المراجعة تُعزّز قدرتها على الردع أم تزيد من مخاطر التصعيد.

 

تحليل البيان

 

بيان مجلس الدفاع موجز، لكنه يحمل في طياته دلالات متعدّدة في آنٍ واحدٍ؛ بعضها مباشر صريح، وبعضها الآخر مُضمَّن في الإطارين القانوني والمفاهيمي. وأكثر عباراته أثراً هي في الوقت نفسه الأكثر إحكاماً في الصياغة، إذ يعلن أنّ إيران «لا تعدّ نفسها مقيّدة بالردّ بعد وقوع الفعل»، وأنّها ستتعامل مع «مؤشرات التهديد الموضوعية» بوصفها جزءاً من معادلتها الأمنية. وبعبارة أخرى، توجّه طهران إشارة مفادها أنّها قد لا تنتظر تعرّضها لضربة فعلية قبل اعتبار استخدام القوّة الدفاعية أمراً مشروعاً، من دون اللجوء إلى مفردات تجعل هذا التحوّل صريحاً أو لا لبس فيه.

 

ويتّسق هذا الطرح مع النهج الإيراني المعهود في رسم الخطوط الحمراء والإشارة إليها. يعيد البيان التأكيد على أنّ أمن إيران واستقلالها وسلامة أراضيها مسائل غير قابلة للتفاوض، ويحذّر من أنّ أي عدوان، أو استمرار في السلوك العدائي، سيُواجَه بردّ يوصف بأنّه «متناسب وحاسم ومُحدِّد». وفي الوقت نفسه، يوسّع البيان عتبة التحفيز على الردّ، بحيث لا تقتصر على الهجمات التي تقع فعلياً، بل تشمل أيضاً مؤشرات التهديد القابلة للرصد، والتي باتت تُؤطّر باعتبارها استفزازات ذات صلة قد تستدعي تحرّكاً إيرانياً.

 

ولا تقلّ أهمية ما يقوله البيان عن الأمور التي يتجنّبها عمداً. فهو لا يعلن تبنّي مفهوم «الضربة الاستباقية»، ولا يتعهّد بتوجيه ضربة أولى، ولا يحدّد أهدافاً أو عتبات أو جداول زمنية. بل إنّه لا يعرّف حتى ما الذي يُعدّ «مؤشر تهديد موضوعي». ويبدو أنّ هذا الغموض المتعمَّد يهدف إلى ترك هامش واسع أمام طهران لمعايرة ردودها لكل حالة على حدة. وعليه، يمكن فهم البيان بوصفه محاولة لتوسيع مجال الحركة المتاح للعمل الدفاعي، أكثر منه توجيهاً عملياتياً مباشراً. إنّها رسالة قوية، لكنها غامضة عن قصد، تسعى إلى توسيع هامش المناورة الإيراني مع الحفاظ على مظهر ضبط النفس.

 

لماذا الآن؟

 

يمكن فهم توقيت بيان مجلس الدفاع بوصفه نتاجاً لتراكم ضغوط إستراتيجية متزايدة. وثمّة ثلاثة عوامل مترابطة، ازدادت حدّتها في خلال العام الماضي، تفسّر لجوء طهران في هذه المرحلة إلى توسيع لغة الدفاع.

 

أول هذه العوامل هو إرث حرب يونيو 2025 مع إسرائيل. فلطالما اعتمد نموذج الردع الإيراني على مصداقية «الضربة الثانية»، أي امتصاص الضربة الأولى ثم الردّ بانتقام مدروس لكنه مؤلم. غير أنّ هذا المنطق خضع لاختبار جدّي في خلال الحرب. فعلى الرغم من إطلاق إيران موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ظلّ ردّها متدرّجاً ومحدوداً مقارنةً بقدراتها النظرية، ما يعكس قيوداً عملياتية من جهة، وسعياً متعمّداً من جهة أخرى إلى تجنّب تصعيد غير مضبوط. في المقابل، كشفت الضربات الإسرائيلية والأمريكية عن ثغرات في منظومات الدفاع الجوّي الإيرانية وبعض عناصر بنيتها التحتية الهجومية. وسواء كانت هذه الثغرات مبالغاً فيها أم لا، فقد عزّزت تصوّرات داخل طهران بأنّ انتظار الضربة الأولى بات ينطوي على كلفة أعلى مما كان عليه في السابق.

 

يتمثّل العامل الثاني في تجدّد التصعيد الأمريكي والإسرائيلي تجاه إيران. فبعد اندلاع احتجاجات في عدد من المدن الإيرانية في خلال الأيام الأخيرة، حذّر دونالد ترامب القيادة الإيرانية من احتمال النظر في تدخل عسكري أمريكي ردًا على القمع العنيف. وفي الخامس من يناير، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التأكيد أنه لن يسمح لإيران بإحياء برامجها للصواريخ الباليستية أو الأسلحة النووية. وقد عزّزت هذه التصريحات الإحساس في طهران بأنّ خصومها قد يكونون بصدد التحضير لجولة جديدة من الضربات. وفي ظلّ هذه الأجواء، يخشى الإستراتيجيون الإيرانيون من أنّ الردع القائم قد لا يكون كافياً إذا اعتقد الطرف المقابل أنّه قادر على انتزاع زمام المبادرة بكلفة مقبولة.

 

أمّا العامل الثالث، فيتعلّق بتحوّل عدم الاستقرار الداخلي إلى قيد إستراتيجي إضافي. فقد أدّى استمرار الاحتجاجات الشعبية، مقروناً بضغوط اقتصادية حادّة، إلى تصاعد المخاوف من أنّ أي صدمة خارجية، إذا ما تزامنت مع اضطرابات داخلية، قد تُنهك النظام. وقد دفع ذلك صانعي القرار في إيران إلى محاولة ترميم الردع عبر التخلّي عن نهجهم الدفاعي الحذر نسبياً، وتوجيه إشارات استعداد لاعتماد وضعية أكثر تشدّداً في مقاربتهم للأمن والدفاع.

 

منطقيّات متنافسة في الخطاب الإستراتيجي الإيراني

 

لم تُنتج صياغة مجلس الدفاع تفسيراً واحداً موحّداً داخل أوساط الخبراء الإيرانيين. بل على العكس، كشفت عن منظومات تفكير متنافسة بشأن ما يتطلّبه الردع في ظلّ أوضاع هشّة، ومستوى المخاطر التي يمكن لطهران تحمّلها في المرحلة الراهنة.

 

يتمثّل التيّار الأول في مقاربة واقعية ذات طابع تفسيري أكثر منه دعوي. فقد تناول محللون، من بينهم محسن صلح دوست ومحسن ريحاني النقاش من زاوية «عدم استقرار  الأزمات». ووفق هذا المنظور، عندما يعتقد صانعو القرار أنّ الضربة الأولى قد تُعمي منظومات القيادة والسيطرة، أو تُضعف الدفاعات الجوّية، أو تستهدف رأس القيادة وصانعي القرار، يصبح الانتظار أكثر خطورةً من المبادرة. وفي مثل هذه البيئة القائمة على منطق «استخدمه أو اخسره»، يُنظر إلى توسيع تعريف مؤشّرات التهديد التي تستدعي التحرّك بوصفه وسيلة لكسب الوقت وانتزاع زمام المبادرة، من دون تبنّي الضربة الاستباقية كعقيدة رسمية أو الإيحاء بنيّة توجيه ضربة أولى.

 

أمّا التيار الثاني، فيتّسم بطابع عقائدي وقانوني أوضح. يرى منصور براتي، على سبيل المثال، أنّ الدول في ظروف ما بعد الحرب الهشّة تميل غالباً إلى ما يسمّيه «الدفاع من مصدر التهديد»، أي المقاربة التي تشير إلى أنّ الدفاع عن النفس قد يقتضي التحرّك ضد تهديد ناشئ في منبعه. وعلى نحو مماثل، قدّمت وكالة «تابناك» الإخبارية رسالة مجلس الدفاع بوصفها مندرجة ضمن مفهوم «الدفاع المشروع»، مستشهدةً  بلغة المادة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة، للإيحاء بأنّ التحرّك الاستباقي يمكن تأطيره كدفاع عن النفس لا كفعل عدواني.

 

في المقابل، يتّخذ التيّار الثالث منحى تحذيرياً ودبلوماسياً. يحذّر الدبلوماسي السابق كوروش أحمدي من أن استدعاء مفهوم الدفاع الاستباقي قد يساهم في تمكين الخصوم من بناء إجماع دولي يبرّر الردّ على إيران، ويقوّض حجّتها التقليدية بأنّها لا تتحرّك إلا ردّاً على العدوان. ويذهب حميد أبوطالبي، المسؤول السابق في إدارة الرئيس حسن روحاني، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن توسيع تعريف الدفاع المشروع قد لا يؤدّي إلى تثبيت الردع، بل قد يفضي إلى تقليص أُطر اتّخاذ القرار، وتطبيع افتراضات أسوأ السيناريوهات، وجعل التصعيد أكثر ترجيحاً حتى في غياب استفزاز متعمّد.

 

تعزيز الردع أم استدعاء التصعيد؟

 

يكمن العنصر الأكثر أهميةً، وربما الأشدّ قابلية لزعزعة الاستقرار، في بيان مجلس الدفاع في إشارته إلى «مؤشرات التهديد الموضوعية». فعلى الرغم من إمكانية الدفاع عن هذه العبارة  قانونياً ومصاغة بقدرٍ متعمّد من الغموض، فإنّها تُدخل درجة من الغموض البنيوي إلى بيئة أزمات مضغوطة أصلاً. وبمجرد تأطير استعدادات الطرف الآخر، أو تغيّر وضعيته، أو مؤشرات استخباراته على أنّها تهديدات تستدعي التحرّك، يصبح من الصعب الحفاظ على الفصل الواضح بين الاحتياط الدفاعي والنيّة الهجومية.

 

في مثل هذه البيئات، لا يكون سوء الفهم استثناءً طارئاً بل سمة بنيوية ملازمة. فعندما تعمل أطراف متعدّدة ضمن فضاءات استخباراتية متنازع عليها، يمكن بسهولة تفسير الإجراءات الرامية إلى تعزيز الحماية أو رفع الجاهزية على أنّها تحضيرات لهجوم وشيك. ولا تتطلّب هذه الدينامية سوء نية أو قصداً عدوانياً، بل تنشأ من عدم اليقين، ضغط الوقت، والخشية من الوقوع في موقع غير مستعد. ومن ثمّ، فإن توسيع نطاق ما يُعدّ محفّزاً مشروعاً للعمل الدفاعي قد يُقلّص زمن ردّ الفعل، لكنه في المقابل يزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود.

 

ومع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة لغة مجلس الدفاع على أنّها تحوّل عقائدي حاسم باتجاه منطق «الضربة الأولى». فما صدر عن طهران يُفهم فهماً أفضل بوصفه إشارة إستراتيجية تتعلّق بإعادة رسم حدود العتبات، لا إعلاناً عن عقيدة عملياتية جديدة. وهو يعكس تعديلاً تفاعلياً في ظل أوضاع هشّة، وتآكل الردع، وتصاعد المخاطر السياسية، في محاولة لتوسيع هامش العمل الدفاعي من دون التخلي رسمياً عن الوضعية الدفاعية التي طالما أكدت عليها إيران.

 

وسيتوقّف ما إذا كان هذا التعديل سيفضي في نهاية المطاف إلى تعزيز الاستقرار أو إلى مزيد من زعزعته ، أقلّ على مضمون البيان بحدّ ذاته، وأكثر على كيفية تفسير غموضه، وترجمته عملياً، والتعامل معه بالمثل من قبل الأطراف الأخرى. وتتفاقم هذه المخاطر بفعل حقيقة أنّ إسرائيل تعمل منذ زمن وفق عقيدة استخدام للقوة أكثر تساهلاً وعلنيةً في طابعها الاستباقي، ما يمنحها زمام المبادرة مع قدرٍ محدود من الاكتراث بالظهور كطرف بادئ. وفي ظلّ غياب قنوات تواصل إستراتيجية مباشرة وآليّات خفض تصعيد فعّالة، فإنّ تعريفات التهديد الغامضة وتبادل الإشارات المتقابلة تزيد زيادةً ملموسةً احتمالات سوء التقدير والعواقب غير المقصودة.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية، العلاقات الإقليمية
البلد: إيران

المؤلف

زميل غير مقيم
حميد رضا عزيزي هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وزميل زائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وهو أيضاً باحث مشارك في معهد كليندال الهولندي للعلاقات الدولية.   وكان عزيزي قبل ذلك زميلاً مشاركاً في مركز الشرق للأبحاث الاستراتيجية في العام 2022. وقد حاضر في عددٍ من الجامعات الإيرانية، مثل جامعة… Continue reading هل تغيّر إيران عقيدتها الدفاعية؟