17 شباط/فبراير 2016. (تصوير حيدر حمداني / وكالة فرانس برس).

نهاية سياسة ضبط النفس السعودية في العراق

تُمثّل الضربات السعودية غير المسبوقة على فصائل عراقية مؤشراً إلى انهيار الاستراتيجية التي اعتمدت فيها المملكة على انخراط طويل النفس امتدّ على مدار عقد. فقد كشفت الرياض عن نهج جديد يستهدف معاقبة الفصائل مع دعم الدولة واختبار إمكانية إضعاف المجموعات الموالية لإيران من دون إضعاف سلطة بغداد.

10 سبتمبر، 2026
مهند سلّوم

في ليلة 28 يوليو، شنّت طائرات سعودية وأمريكية غارات في سبع محافظات عراقية، من نينوى إلى البصرة، استهدفت مواقع لقوات الحشد الشعبي، وهي مظلّة تضمّ في معظمها مجموعات شيعية شبه عسكرية. وأسفرت الغارات عن مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلاً، بينهم خمسة إيرانيين على الأقل، وإصابة 32 آخرين. وقالت الرياض إن الغارات جاءت ردّاً على هجمات بطائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية من السعودية والعاصمة الرياض نفسها. وأحصت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 30 هجوماً بطائرات مسيّرة خلال 72 ساعة، أفادت بأنها تلقت توجيهات من الحرس الثوري الإيراني. ووقعت الضربات بينما كان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في طريق عودته من أنقرة، عشية زيارته التي كانت مقرّرة إلى الرياض.

 

كانت تلك المرّة الأولى التي تستهدف فيها طائرات سعودية مواقع داخل العراق منذ حرب الخليج عام 1991، والمرّة الأولى التي تستخدم فيها المملكة القوّة ضدّ مجموعات شيعية مسلّحة عراقية. لكن المشهد تبدّل خلال أقل من أسبوعين. فرئيس الاستخبارات السعودية زار بغداد، وتوجّه مدير مكتب القائد العام للقوات المسلّحة العراقية إلى الرياض، فيما وصف وزير الدفاع السعودي العراق بأنه «جار عزيز». وهكذا، جمعت السعودية في الشهر نفسه بين قصف العراق واحتضانه سياسياً.

 

ترسم معادلة ضرب الفصائل مع دعم الدولة، ملامح نهج سعودي جديد تجاه العراق، وربّما نهج خليجي أوسع. وسيُقاس نجاحه بقدرة الرياض على ضرب الفصائل من دون إضعاف الدولة، في وقت يدفع فيه الزيدي المجموعات المسلّحة إلى تسليم أسلحتها بحلول 30 سبتمبر، وهو اليوم نفسه المقرّر لانسحاب آخر قوّات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة من العراق.

 

 

نهاية مقاربة الانخراط الهادئ

 

على مدى عقد، بنت الرياض سياستها تجاه العراق على مقاربة مفاده أن توسيع التجارة والاستثمارات والانخراط السياسي سيمنح بغداد خياراً عربياً، ويعزّز تدريجياً قدرة الدولة على مواجهة طهران ووكلائها المحليين. وتجسّدت هذه المقاربة في إعادة فتح معبر عرعر الحدودي عام 2020، ومن خلال مجلس التنسيق السعودي-العراقي، وتعزيز دور بغداد في الدبلوماسية السعودية-الإيرانية. لكن ذلك لم يؤد إلى إخراج العراق بالكامل من دائرة النفوذ الإيراني، بل ساعد في بناء دولة عراقية تزداد قدرتها تدريجياً على رفض املاءات طهران.

 

وقد جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية لتختبر هذه المقاربة. ففي أسابيعها الأولى، أُطلقت مئات الطائرات المسيّرة من العراق باتجاه منشآت أمريكية في السعودية. وسحبت المملكة طاقمها الدبلوماسي من بغداد بعد استهداف فندق الرشيد، حيث كان الدبلوماسيون السعوديون يقيمون فيه مؤقّتاً لأسباب أمنية. وبحلول أواخر يوليو، وصلت صواريخ الحوثيين من اليمن جنوباً، والطائرات المسيّرة العراقية من الشمال. وخلصت الرياض إلى أن الدولة العراقية إما غير قادرة أو غير راغبة في وقف الهجمات التي تنطلق من أراضيها، وأن شهوراً من الانخراط الهادئ لم تؤتِ ثمارها. لذلك، لم يكن قرار شنّ ضربات محدودة مجرّد ردّ انتقامي، بل مثّل حكماً على سياسة ضبط النفس التي اتبعتها المملكة طوال عقد.

احتواء تداعيات الضربة

 

ردّت بغداد أولاً بغضب. فقد ندّدت الرئاسة ومجلس الأمن الوطني بالغارات، واعتبراها انتهاكاً للسيادة واستهدافاً لمؤسّسات أمنية رسمية. وألغى الزيدي زيارته المقرّرة إلى الرياض، وكلّف وزارة الخارجية رفع القضية إلى الأمم المتّحدة. وحتى مقتدى الصدر، رجل الدين والسياسي البارز، أدان الضربات الأجنبية والمجموعات المسلّحة التي دفعت إليها، على الرغم من أن «سرايا السلام» التابعة له كانت قد وافقت في مايو على الخضوع لسلطة الدولة.

 

ثمّ تحرّكت العاصمتان بهدوء لاحتواء الضرر. ففي 7 أغسطس، زار رئيس الاستخبارات السعودية خالد بن علي الحميدان بغداد، وجدّد دعوة رئيس الوزراء العراقي إلى الرياض، واتفق معه على إبقاء قنوات تبادل المعلومات الاستخبارية مفتوحة. وسار وزيرا الخارجية في الاتجاه نفسه. وسرعان ما أصبح تبادل المعلومات، ولا سيما بشأن إطلاق الطائرات المسيّرة، محور جهود إصلاح العلاقة. وهنا برز السؤال العملياتي الأساسي: هل تمنح الرياض بغداد إنذاراً كافياً لتتحرّك بنفسها ضدّ خلايا الإطلاق، أم تواصل توجيه الضربات أولاً، ثم تبلغ بغداد لاحقاً؟

 

 تتبلور صيغة سبق أن طبّقتها واشنطن في العراق طوال سنوات، وراقبتها العواصم الخليجية على الرغم من نتائجها المتفاوتة في أفضل الأحوال تقوم على التمييز بين الدولة والفصائل، ومعاقبة الفصائل، وطمأنة الدولة. لكن هذا الفصل نفسه هو موضع خلاف في العراق. فالحشد الشعبي مؤسّسة رسمية تموّلها الحكومة الاتحادية، ويخضع اسمياً لقيادة رئيس الوزراء.

 

يكمن الخطر في أن تُفرّغ الضربات السعودية الدولة العراقية من مضمونها، لا في أن تُسقطها. حين تتجاوز الضربة بغداد، فهي تقول للعراقيين إن حكومتهم لا تسيطر على أراضيها ولا تُستشار في ما يجري عليها. وهذه تحديداً حجّة الفصائل لتبرير وجودها. فكلّ تدخّل خارجي يهين الدولة يقوّي المجموعات التي يفترض أنه يستهدف إضعافها. ويقوم النهج السعودي الجديد على افتراض وجود حدّ فاصل واضح بين الدولة العراقية والمجموعات المسلّحة داخلها، فيما تهدف مهلة نزع السلاح التي حدّدها الزيدي في 30 سبتمبر إلى إقامة هذا الحدّ نفسه.

ثلاثة أمور غيّرتها الضربة

 

أولاً، انتقل الدفاع الخليجي عن النفس إلى استخدام القوّة المباشرة. فعلى مدى عقدين، واجه مجلس التعاون الخليجي حلفاء إيران من الجهات غير الحكومية بمزيج من الردع الأمريكي، والدفاع الجوي، والدبلوماسية القائمة على الدعم المالي. لكن استهداف مقاتلة سعودية مستودعاً تابعاً لمجموعة مسلّحة في ديالى، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، يُرسي سابقة ستراقبها الكويت والإمارات ودول أخرى عن كثب. فالمجموعات المسلّحة التي تستهدف بنية تحتية خليجية عليها أن تتوقّع ردّاً خليجياً داخل الدولة التي انطلقت الهجمات من أراضيها.

 

ثانياً، يتصدّر محور العراق-اليمن إدراك السعودية للتهديدات التي تواجهها. ويقول مسؤولون سعوديون إن أجهزة الاستخبارات رصدت اجتماعات بين عناصر من الفصائل العراقية والحوثيين والحرس الثوري الإيراني، إلى جانب تحرّكات لطائرات مسيّرة وصواريخ، قُبيل هجمات منسّقة تتوقّع الرياض أن تستهدف منشآت للطاقة وموانئ ومطارات. ومن منظور الرياض، باتت المملكة محاطة بمصادر تهديد متزامنة من الشمال والجنوب. ولهذا لم يعد العراق ساحة ثانوية، بل أصبح يشكّل أحد شقّي استراتيجية التطويق المرتبطة بإيران.

 

ثالثاً، انضمّت السعودية إلى الدول المستعدّة لاستخدام القوّة داخل العراق من دون موافقة بغداد. وقد سبق أن فعلت إيران وتركيا والولايات المتّحدة ذلك، فيما كانت دول الخليج تتحرّك عادة عبر بغداد أو واشنطن. أمّا الآن، فقد انتهت سياسة ضبط النفس هذه. وبالنسبة إلى العراق، تبدو النتيجة واضحة وتتمثل في صعوبة العراق بالحفاظ على حياده عندما تتعامل الدول المجاورة مع أراضيه باعتبارها هدفاً مشروعاً كلما انطلقت منها الهجمات.

 

 

استهداف الفصائل من دون خسارة الدولة

 

لن يحقق النهج السعودي الجديد أهدافه إلا إذا ارتبط بدعم الدولة جدّياً. ويتطلّب ذلك ثلاثة أمور .أوّلاً، يجب أن تأتي القوّة في خدمة الدبلوماسية، لا أن تسبقها. فقد جاء استهداف العراق عشية زيارة رئيس وزرائه إلى الرياض في أسوأ توقيت ممكن. وأهانت الضربات رئيس الوزراء العراقي الذي وضع رئاسته للحكومة على المحكّ في مسعاه إلى نزع سلاح الفصائل، كما منحت هذه المجموعات حجّة انتهاك السيادة، وهي الحجّة التي سارع خصومها، ومن بينهم مقتدى الصدر، إلى تردادها. ويجب أن تكون القاعدة أن تُبلّغ الرياض وواشنطن، بغداد، قبل تنفيذ الضربات لا بعدها، وأن تمنحا القوّات العراقية الفرصة الأولى للتحرّك ضدّ خلايا الإطلاق. ولا تنتفي الحاجة إلى هذه القاعدة بسبب حملة نزع السلاح، بل إنّ تطبيقها هو ما يمنح الحملة القدرة الفعلية على التنفيذ. فالحكومة التي تتلقّى معلومات استخبارية ومهلة للتحرّك، تستطيع اتخاذ خطوات استباقية، أمّا الحكومة التي لا تجد أمامها سوى حفرة خلّفتها الغارة، فلا تملك إلا الاحتجاج.

 

ثانياً، ينبغي تعزيز قدرة الدولة للضغط على الفصائل. فالعراق يُواجه أزمة سيولة حادّة، حيث انهارت صادراته منذ إغلاق مضيق هرمز، ولم يتقاضَ كثير من موظفي القطاع العام رواتب يوليو، فيما تقترض الحكومة من الداخل لتغطية الأجور. وتتغذّى شبكات المحسوبية التابعة للفصائل على هذا النوع من الضعف المالي تحديداً. وإذا ارتبط الدعم المالي السعودي، والودائع لدى البنك المركزي، وضمانات القروض المدعومة بالنفط، والتقدّم في إحياء خطّ أنابيب ينقل الخام العراقي إلى ميناء سعودي على البحر الأحمر مُتجاوزاً المضيق المغلق، بتقدّم جدّي في نزع سلاح الفصائل، فمن شأن هذه الخطوات أن تُقلّص نفوذ الجماعات الموالية لإيران أكثر من طلعة جوية إضافية.

 

ثالثاً، ينبغي للطرفين أن يجعلا التعاون الاستخباري في صلب علاقة العمل بينهما. وتُشير زيارة خالد بن علي الحميدان بغداد، والوفد الذي توجّه إلى الرياض إلى المسار الممكن. ومن شأن إنشاء آلية سعودية-عراقية دائمة لملف الطائرات المسيّرة أن يُتيح تبادل التحذيرات، والتوافق على تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات، ووضع معايير متفق عليها للتحرّك. وبذلك تستطيع الرياض أن تُميّز عملياً بين الدولة والفصائل، بدلاً من الاكتفاء بهذا التمييز في البيانات الرسمية. كما يمنح ذلك بغداد سبباً للتحرّك استناداً إلى المعلومات السعودية، بدلاً من الاستياء من الضربات السعودية.

 

لن تنهي هذه الخطوات هجمات الفصائل، فوحدها حسابات طهران قادرة على وقفها. لكن الحرب حوّلت السعودية بالفعل من مُحاور صبور لبغداد إلى طرف نافذ الصبر يفرض خياراته بالقوّة. وحسمت أحداث يوليو أن الرياض ستلجأ إلى القوّة داخل العراق عندما تتعرّض أراضيها للهجوم. أمّا الاختبار الأصعب للنهج الجديد، فهو أن تواصل ضرب الفصائل من دون أن تفرّغ الدولة من مضمونها، حتى تبقى في بغداد حكومة عراقية يمكن للرياض أن تخاطبها حين تتصل مجدداً.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: العراق، المملكة العربية السعودية

المؤلف

زميل أول غير مقيم
مهند سلوم، زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وأستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميلًا مشاركًا فخريًا في جامعة إكستر.   تتمحور أبحاثه حول تفويض السلطة من الدولة عبر المؤسسات الاستخباراتية والتقنيات الناشئة. وهو مؤلّف كتاب تصنيف الجماعات الإثنو-سياسية كمنظمات إرهابية: حالة حزب العمال الكردستاني في… Continue reading نهاية سياسة ضبط النفس السعودية في العراق