لقد تجاوزت المواجهات العسكرية الحالية بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى الحدود المباشرة بين الأطراف المتحاربة، لتُلقي بتداعياتها على المنطقة بأسرها. فالدول المجاورة لإيران بما في ذلك دول الخليج والعراق والأردن باتت مُجتمعةً من ضحاياها الرئيسيين، على الرغم من أنّ هذه الدول لم تكن طرفاً في هذا الصراع.
منذ اللحظة الأولى للمواجهة، وجدت منطقة الخليج نفسها في قلب العاصفة مع استهداف بنيتها التحتية الحيوية للطاقة، وتعطيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وتقويض الثقة الاقتصادية، وتراجع تدفّقات الاستثمار، وأصبحت هذه المنطقة الأكثر تضرراً من تداعيات الصراع الذي تجاوزت أهدافه وغاياته النهائية حُدوده الجغرافية بمساحات كثيرة.
فرض هذا الواقع تساؤلاً إستراتيجياً بالغ الحساسية لا يمكن التغاضي عنه بالاستناد إلى التوافقات الدبلوماسية المعتادة. فدول الخليج ليست شريكاً حقيقياً في هذه المواجهة، وقد بذلت جهوداً حثيثة لمنعها، واستخدمت ثقلها الدبلوماسي لتحقيق هذه الغاية، إلا أنها تتحمّل اليوم تبعات هذه الحرب التي لا تملك السيطرة على شروط وقفها أو على مسارها.
لماذا تسعى إيران إلى تدمير اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي؟
على مدى أربعة عقود، انخرطت الدول العربية الواقعة في منطقة الخليج بحروب إقليمية إما: كداعمين، أو مموّلين، أو أطراف غير مباشرة، ونادراً ما كانت مشاركتها عبارة عن انخراط مباشر. فحتى خلال الحرب العراقية الإيرانية وتحرير الكويت عام 1991، ظلّت أراضيها بمنأى عن الاستهداف الممنهج إلى حدّ كبير.
يبدو أن هذا العصر قد ولّى. ففي غضون الشهرين الماضيين من عملية “الغضب الملحمي”، استهدفت هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية منشآت النفط والغاز، ومحطات الطاقة وتحلية المياه، والمطارات، والمراكز اللوجستية في جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست. وكما وصفتها مؤسّسة كارنيغي، فقد حوّلت الحرب “الدول المجاورة الآمنة تاريخياً إلى مناطق حرب بين عشية وضحاها”.
قد يبدو قرار إيران بشنّ هجمات على دول مجلس التعاون الخليجي- التي لم تكن طرفاً في عملية “الغضب الملحمي” بل أبدت معارضتها لها منذ البداية- أمراً مستغرباً للوهلة الأولى. ولكن هذه الاعتداءات المستمرّة بالطائرات المسيّرة، والصواريخ على البنية التحتية الخليجية، تتخطّى في حقيقتها حدود الردّ الرمزي وحفظ ماء الوجه بمراحل كثيرة.
فإيران تتّبع إستراتيجية مدروسة لتوظيف هجماتها على هذه الدول كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتّحدة، وهي إستراتيجية ترى طهران أنّها كفيلة بفرض تكاليف باهظة على واشنطن لن تتحمّلها إلى أجل غير مسمى.
وعليه، فإنّ حرب إيران على الخليج هي بمثابة هجوم اقتصادي مدروس. إذ تسعى طهران عمداً إلى شلّ العمود الفقري للطاقة في الخليج والتسبّب في ارتفاع حادّ في أسعار النفط العالمية، وذلك من خلال الضربات المُوجّهة ضد منشآت أرامكو السعودية، وشركة بترول أبو ظبي الوطنية “أدنوك”، وقطر للطاقة، بالإضافة إلى الهجمات على حقول النفط في الكويت والبحرين، والإغلاق الفعّال لمضيق هرمز.
وقد كانت التداعيات وخيمة بالفعل: فقد اضطرّ العراق إلى إعلان حالة القوة القاهرة على صادراته النفطية حيث أدّت الاضطرابات في المضيق إلى تعطّل حركة الشحن. ومن خلال إغلاق تدفّق النفط عبر مضيق هرمز، يمكن لإيران أن تلحق أضراراً جسيمةً باقتصادات الولايات المتّحدة وحلفائها، فضلاً عن معظم الدول الأخرى المستوردة للنفط في العالم، سواء في أوروبا أو آسيا أو غيرها. والمفارقة أنّ الضحايا الرئيسيين لهذه الإستراتيجية هم جيران إيران في الخليج، على الرغم من أنّ هذه الدول ليست طرفاً في الحرب، وهي حقيقة لا تُقيم لها طهران وزناً في حساباتها الإستراتيجية.
كذلك، فإنّ الضرر الأعمق الذي لحق بالخليج اليوم يُصنّف على أنه ضرر بنيوي بطبيعته. لهذا، تبنّت جميع دول مجلس التعاون الخليجي الست -إدراكاً منها لمخاطر الاعتماد المفرط على تجارة النفط- خططاً طموحةً للتنويع الاقتصادي، على سبيل المثال لا الحصر: رؤية السعودية 2030 ومشروع نيوم، وتحوّل الإمارات العربية المتّحدة نحو اللوجستيات والذكاء الاصطناعي، وتنويع قطر لاقتصادها بعد استضافتها لكأس العالم.
ومع ذلك، فإنّ هذا التحوّل اعتمد اعتماداً جوهرياً على صورة الخليج كوجهة مستقرة ومنطقة يمكن التنبؤ بها للاستثمار الأجنبي. وبالتالي، فإنّ مُضي كلّ شهر إضافي من عمر هذه الحرب الاستنزافية ضد دول الخليج يلحق المزيد من الضرر، وقد يكون ضرراً لا يمكن تداركه ويخلّف تداعيات طويلة الأمد.
سابقة العراق: النصر العسكري لا ينهي التهديد
المقارنة التاريخية هنا لا مفرّ منها، وتتعارض تعارضاً صارخاً مع موجة التفاؤل التي تسود واشنطن في الوقت الراهن. ففي عام 1991، ألحق التحالف الذي انطلق بقيادة الولايات المتّحدة إحدى أشد الهزائم العسكرية الساحقة بنظام صدام حسين في العراق في التاريخ الحديث. ومع تدمير الجيش العراقي في الكويت، والكارثة الاقتصادية التي حلّت بالبلاد، واندلاع ثورتين متزامنتين في شمال العراق وجنوبه، توقّع المحلّلون بثقة أنّ الحكومة البعثية ستنهار في غضون أشهر. لكن ذلك لم يحدث إطلاقاً. فقد صمد نظام صدام لمدة 12 عاماً أخرى، شكّل خلالها مصدر تهديد دائم لدول الخليج، حيث قمع المعارضة الداخلية بوحشية، وتلاعب بملف أسلحة الدمار الشامل، وصدّر الإرهاب، وأعاد فتح الصراعات مع الكويت، وأدار شبكات متطوّرة للتهرّب من العقوبات والتحايل عليها في جميع أنحاء المنطقة. ولم يُغلق هذا الملف نهائياً إلا مع الغزو الأمريكي عام 2003، الذي أدّى بدوره إلى نشوء فراغ إستراتيجي سُرعان ما ملأته إيران ووكلاؤها، وهو ما يعكس التهديد ذاته الذي يقصف الخليج اليوم.
وكما وثّقت مجلّة “تكساس ناشيونال سيكيوريتي ريفيو”، فإنّ إخفاق واشنطن بعد عام 1991 في حسم “مشكلة صدام” ألحق ضرراً بالغاً، وربّما لا يُمحى بالمصالح الأمريكية، والنظام العالمي الذي نشأ عقب الحرب الباردة”.
الدرس المستفاد هنا واضح وصريح: إنّ إضعاف القدرة العسكرية لنظام ما لا يعني بالضرورة إنهاء قدرته على تهديد جيرانه. فالدول الأمنية ذات الأيديولوجية المتصلّبة تتكيّف وتُعيد بناء نفسها من خلال أدوات متباينة: كاستخدام الوكلاء، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والمضايقات البحرية، وكلها أدوات أقلّ تكلفةً بكثير في توظيفها مقارنةً بتكاليف الدفاع عنها.
ولا شكّ أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم أكثر قوةً من حزب البعث في عهد صدام، وأنّ الحرس الثوري الإيراني أكثر خطورةً من الحرس الجمهوري العراقي أو المجموعات شبه العسكرية الأخرى التي كانت تحت مظلة الجيش العراقي. ففحين استند نظام صدام إلى قاعدة قومية عربية سنية ضيقة وجيش تقليدي محطم. يستند الحرس الثوري الإيراني، على أيديولوجية ثورية دينية ذات جذور تعبوية أعمق. ويقود الحرس الثوري شبكة من الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وشبكة قوية من الميليشيات في العراق، ويدير مجمعاً للصواريخ والطائرات المسيّرة أكثر تطوّراً بكثير مما كان يمتلكه نظام بغداد في عام 1991.
ويمكن رؤية الدليل على ذلك في الخليج اليوم. فحتى بعد حملة جوية شعواء استمرت شهرين ضد إيران، لم تتمكّن الولايات المتّحدة وإسرائيل تماماً من كبح جماح قدرة إيران على ممارسة نفوذها في الخليج. وإذا كان النظام البعثي الأضعف بكثير قد تطلّب 12 عاماً وغزواً برياً لإزاحته، فإنّ فكرة إنهاء الضربات الجوية وحدها للحرس الثوري الإيراني كتهديد إقليمي، هي في جوهرها، فكرة واهمة لا تستند إلى حقائق واقعية.
“المهمّة أُنجزت” مرة أخرى
الحلّ الوحيد لا يكمن في تصعيد الحرب حتى انهيار نظام الجمهورية الإسلامية. ففي حال اقترنت هذه النتيجة بانهيار أوسع للدولة، ستنطلق الفوضى العارمة في جميع أنحاء المنطقة بلا أدنى شك. وكما كتب هنري كيسنجر ذات مرة: الحرب في جوهرها ليست بإلحاق هزيمة نكراء بالأعداء، بل في إرساء سلام راسخٍ ومتين يقوم على أنقاضها.
ففي أوائل القرن التاسع عشر، أرسى التحالف المنتصر بعد الحروب النابليونية، توازناً إقليمياً جديداً للقوى في أوروبا وفضّل إدماج فرنسا كعضو متساوٍ في المنظومة الدولية واحترام مصالحها بدلاً من نبذها وإقصائها، ضامناً بذلك قرناً من السلام والازدهار في القارة. وعلى النقيض من ذلك، انتزع الحلفاء الغربيون، عقب مآسي الحرب العالمية الأولى وما خلّفتها من دمار، تنازلات عقابية من ألمانيا صُمِّمت لإرغامها على الخضوع وإبقائها في حالة من الخراب والدمار. وليس هذا فحسب، إذ اندلعت الحرب بعد عقدين من الزمن جرّاء هذه التنازلات المجحفة بحق ألمانيا.
قد يكون من المرجّح أنّ الجمهورية الإسلامية غير قابلة للإصلاح السياسي، ولن تُوافق أبداً على المشاركة المتساوية في نظام إقليمي سلمي ومستقر. ومع ذلك، يجب أن يكون هذا النظام هو الهدف الإستراتيجي الأسمى لسياسة أمريكا في الشرق الأوسط، ويجب أن تكون سياساتها في ما يتعلّق بإيران، سواء من خلال الحرب أو السلام، موجهةً نحو إرساء هذا النظام.
أما بالنسبة إلى دول الخليج، فالسيناريو الأكثر خطورةً ليس التصعيد، بل الإغلاق المبكر لملف إيران. فعلى مدى نصف القرن الماضي، بدءاً من حرب فيتنام وصولاً إلى حرب أفغانستان، أعلنت واشنطن مراراً وتكراراً نصرها، وأنهت عملياتها العسكرية سياسياً قبل حلّها إستراتيجياً على أرض الواقع. وإدارة ترامب، بطبيعتها وعقيدتها، مرشح قوي للغاية للقيام بذلك مرة أخرى، وتبدو المؤشرات واضحة نحو هذا الاتجاه في: الإعلان أنّ برنامج إيران النووي قد “دُمر تماماً”، وأنّ الحرس الثوري الإيراني قد “كُسرت شوكته”، والتحوّل الخطابي إلى “أمريكا أولاً”، وتغليب النزعة نحو الانكفاء الإستراتيجي.
في حال تطبيق هذا السيناريو، ستحقّق إسرائيل مكاسبها التكتيكية، وستُروّج واشنطن لسردية تحقيق الفوز السياسي في الداخل لحفظ ماء وجهها. لكن الخليج سيُترك في مرمى النيران في مواجهة تهديدات إيران الجريحة والمُتعطِّشة للانتقام التي تمتلك كلّ الحوافز، من وجهة نظرها، لشنّ حملة طويلة الأمد وبوتيرة أقل حدّة، على البنية التحتية الإستراتيجية للخليج، سواء من خلال وكلائها أو عبر الضربات التي قد تُنكر مسؤوليتها عنها، على غرار هجوم 2019 على المنشآت النفطية لأرامكو السعودية، وهجمات 2022 على أبو ظبي.
لذا، يبقى السؤال الحاسم بالنسبة إلى خليج: ماذا بعد إعلان واشنطن لنصرها؟ وليس متى تضع الحرب الحالية أوزارها؟
لقد شكّلت الحقبة التاريخية السياسية الممتدّة بين عامي 1991و2003 درساً لدول الخليج، وهو أنّ نهاية العمليات العسكرية غالباً ما تُصبح بدايةً لمرحلة أطول أمداً، وأشدّ خُبثاً، وهي مرحلة تُخاض من خلال الاستنزاف، وعبر الوكلاء، والإكراه الاقتصادي، وذلك عقب إغلاق القوى الكبرى ملف النزاع وطوي صفحاته.
ستُصيغ واشنطن خطاب النصر وسيُترك الخليج لصياغة شروط البقاء. وإذا أساءت عواصمه قراءة الدرس العراقي، وخَلطت أوراق انهاء الاعتداءات بإزالة الخطر، فقد تكتشف بعد سنوات من الآن، أنّها لا تزال تدفع ثمن فاتورة حرب أعلن مُشعِلوها الأوائل انتهاءها، وانصرفوا إلى حال سبيلهم.
نُشر هذا المقال في مجلة “ناشونال إنترست”