وجّه الناخبون الأمريكيون ضربة قاسية إلى سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأظهروا رفضهم لأدائه السياسي منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية، بمنح الديمقراطيين فوزاً تاريخياً انتزعوا به السيطرة على مجلسَي الكونغرس من الجمهوريين. وجاءت الهزيمة مذهلة بحجمها واتساعها، إذ فاز الديمقراطيون بمقاعد في مجلس الشيوخ في معاقل جمهورية راسخة، مثل تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، وبفوارق كبيرة في بعض الحالات. وانتزعوا أيضاً مقاعد في دوائر انتخابية كان الجمهوريون قد أعادوا رسم حدودها عمداً لضمان احتفاظ مرشحيهم بها. ولم ينجح الإنفاق القياسي على الحملات الانتخابية، ولا التلاعب الواسع بالدوائر، في صدّ «التسونامي الانتخابي» الذي اجتاح الجمهوريين. وقد عكست هذه النتائج، وفق القراءة السائدة، رفضاً لترامب أكثر مما عبّرت عن تأييد للمعارضة.
عاد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025 متعهّداً بإبعاد الولايات المتّحدة عن الحروب الخارجية، واستعادة الازدهار الاقتصادي، و«تجفيف المستنقع» السياسي في واشنطن. لكنه زجّ بالبلاد في حرب مكلفة ضد إيران، أربكت أسواق الطاقة العالمية وأدّت إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين والسلع الأساسية.
شكّلت الحرب مع إيران أحد أبرز أسباب تراجع شعبية ترامب، لكنها لم تكن وحدها وراء خسائر الجمهوريين في انتخابات 3 نوفمبر. فقد أسهمت الرسوم الجمركية التي فرضها، والفساد المكشوف في إدارته، ولامبالاته الظاهرة بتدهور الأوضاع المعيشية للأمريكيين، في تآكل التأييد له. وبينما كانت الأسر تتحمّل أعباء الغلاء الناجم عن سياساته، بدا ترامب منشغلاً ببناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض، ووضع اسمه على معالم بارزة في واشنطن، وجني الأموال من استخدام صلاحياته في منح العفو الرئاسي. وأثار هذا التناقض الصارخ بين وعوده الشعبوية وما انشغل به خلال رئاسته غضباً واستياءً واسعين.
لكن السؤال الأهم بعد الانتخابات هو ما سيفعله ترامب في الشرق الأوسط. فقد ظلّ طوال أشهر يتحدّث عن الانتخابات النصفية بوصفها محطة ستحدّد مسار الحرب. فهل تدفعه هزيمته السياسية إلى إنهاء مغامرته العسكرية، أم تجعله يصعّد الحرب في محاولة لإنقاذ إرثه السياسي؟
هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الهزيمة قد تدفع ترامب إلى التفاوض على تسوية. فالحرب أصبحت عبئاً سياسياً ثقيلاً عليه وعلى حزبه، وقد يؤدي استمرارها إلى مفاقمة خسائرهما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2028، التي يبدأ السباق إليها فعلياً من الآن. ولدى المرشحين الجمهوريين المحتملين للرئاسة، ومن بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، مصلحة في إبعاد أنفسهم وحزبهم عن حرب أضعفت ثقة الناخبين بهم. وقد يدفعهم ذلك إلى ممارسة ضغوط من داخل إدارة ترامب للحدّ من اندفاعه نحو مواصلتها.
ففي موقف مفاجئ، كتب فانس على منصة «إكس»، صباح اليوم التالي للانتخابات، أن الحرب كانت السبب الوحيد للهزيمة، وأن ترامب نفسه أقرّ بذلك. ودافع أيضاً عن المطالبين بإنهاء الصراع عبر الدبلوماسية.
وقد يصل ترامب بدوره إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب سيكلّفه أكثر مما يمكن أن يجنيه منها سياسياً أو استراتيجياً. وبعدما أخفق في تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية، قد يحاول إنقاذ فرصة التوصّل إلى اتفاق ينهي به أزمة جلبت عليه الخسائر، ويتيح له الانتقال إلى ملفات أخرى.
لكن احتمالاً معاكساً لا يقلّ وجاهة يظلّ قائماً. فقد يقرأ ترامب هزيمته على أنها دليل على أن ما تبقّى لديه ليخسره سياسياً بات ضئيلاً. فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستعرقل تنفيذ جزء كبير من برنامجه التشريعي الداخلي، وقد تستنزف التحقيقات البرلمانية في شبهات الفساد جانباً كبيراً مما تبقّى من ولايته. وفي المقابل، يتمتّع الرئيس الأمريكي بهامش أوسع للتحرّك في السياسة الخارجية، التي قد تصبح أحد المجالات القليلة التي لا يزال قادراً على اتخاذ قرارات فيها من دون قيود كبيرة.
والأخطر أن يقتنع ترامب بأن إنقاذ إرثه السياسي، والحفاظ على موقع إسرائيل في موازين القوى الإقليمية، يتطلّبان تغيير نتيجة الحرب بالقوة العسكرية. فقد يرفض تسوية تفاوضية تُبقي لإيران نفوذاً استراتيجياً كبيراً، ويرى في تجديد التصعيد فرصته الأخيرة لانتزاع نصر حاسم عجز عن تحقيقه حتى الآن.
وهكذا، لم تقرّب الانتخابات ترامب من حسم موقفه بشأن الحرب، وإنما زادت الدوافع التي قد تقوده إلى أحد الخيارين المتناقضين. فقد وجّه إليه الناخبون رسالة واضحة تطالبه بإنهاء الحرب، لكن هزيمته قد تجعله أقلّ خشية من العواقب السياسية لتصعيدها. وبالنسبة إلى إيران ودول الخليج، التي لا يزال أمنها ومستقبل اقتصاداتها مرهونَين بقرارات البيت الأبيض، فإن الاختيار بين إنهاء الحرب ومواصلتها ستكون له تبعات بالغة الخطورة.
وامتدّ الرفض الذي أظهرته نتائج الانتخابات إلى العلاقة التقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلى النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في السياسة الأمريكية. فهذان العاملان يُنظر إليهما بوصفهما من الأسباب الرئيسة التي دفعت ترامب إلى شن الحرب على إيران، وقد ينذر الفوز الديمقراطي الكاسح بتحوّل كبير في طبيعة هذه العلاقة.
فقد حقّق مرشحون ينتقدون إسرائيل والدعم الأمريكي غير المشروط لها انتصارات مهمة، أبرزهم عبدالرحمن السيد في ميشيغان وتروي جاكسون في مين، اللذان فازا بمقعدين في مجلس الشيوخ. وجاءت انتصاراتهما على الرغم من الأموال الطائلة التي أنفقتها المنظمات السياسية المؤيدة لإسرائيل، ومنها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، لإسقاط المرشحين المنتقدين لها. لكن هذه الجهود أخفقت إلى حدّ كبير. وتشير النتائج إلى أن انتقاد العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية بات أقلّ كلفة من الناحية السياسية، فيما تزداد صعوبة الدفاع عن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.
ويبدو أن ترامب نفسه بدأ يدرك هذا التحوّل. ففي صباح يوم الاقتراع، أعلن أن الولايات المتحدة ستوقف مساعداتها العسكرية السنوية لإسرائيل، البالغة 3.8 مليارات دولار، بحلول نهاية العام. وربط الإعلان صراحة بالمخاطر الانتخابية التي بات يشكّلها صعود مرشحين مثل عبد الرحمن السيد. ولم يتّضح ما إذا كان ترامب يسعى من خلال إعلانه إلى استمالة الناخبين في اللحظات الأخيرة، أم أنه ينوي فعلاً تغيير السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فاتفاقية المساعدات القائمة تمتد حتى عام 2028، ولم يوضّح كيف سيُنهي العمل بها. وقد يكون وقف المساعدات وفق الآلية الحالية مجرّد مناورة، إذا استمر تمويلها عبر «البنتاغون»، بدلاً من الكونغرس.
مع ذلك، فإن مجرّد صدور هذا الإعلان ينطوي على دلالة لافتة. فترامب، الذي كان من أشدّ الرؤساء الأمريكيين تأييداً لإسرائيل، بات يصف علناً الدعم العسكري الذي تقدّمه واشنطن لها منذ عقود بأنه عبء سياسي.
وسيتحدّد حجم التغيير الذي قد يطرأ على العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، جزئياً، بحسب موازين القوى داخل الكونغرس الجديد الذي سيقوده الديمقراطيون، وأولويات أعضائه. فالفوز الانتخابي جمع تيارات مختلفة داخل الحزب، منها التقدميون الذين يطالبون بإعادة نظر جذرية في الدعم الأمريكي لإسرائيل، ومنها الوسطيون المنتمون إلى المؤسسة الحزبية التقليدية، الذين قد يتمسّكون بهذه العلاقة، ولو اضطروا إلى تأييد بعض التغييرات الشكلية فيها. وسيكون للصراع بين هذين التيارين أثر كبير في تحديد المسار المقبل، فإما أن يؤدّي الفوز الديمقراطي إلى تغيير أساسي في العلاقة مع إسرائيل، وإما أن يقتصر على تعديلات شكلية هدفها استرضاء القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي، التي تتزايد مواقفها السلبية من إسرائيل.
وبالنسبة إلى «أيباك» وسائر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، تمثّل الانتخابات هزيمة كبيرة، لكنها ليست بالضرورة حاسمة. فما زالت هذه المنظمات تمتلك موارد مالية وتنظيمية ضخمة، والصراع على مستقبل العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية لا يزال في بدايته.
كذلك، لا تعني الهزيمة للجمهوريين أن حركة «ماغا» وصلت إلى نهايتها. فالنزعات الشعبوية والمعادية للمهاجرين والانعزالية التي حملت ترامب إلى السلطة لم تختفِ. وربما أظهرت الانتخابات أن هذه النزعات لا تزال قوية، وخصوصاً رفض الانخراط في مغامرات عسكرية خارج الولايات المتحدة.
لقد عاقب الناخبون ترامب لأنه خالف أحد المبادئ الأساسية لحركته، عندما اختار خوض حرب على إيران لم تكن مفروضة عليه. وحاول مراراً تبريرها بأنها ضرورية للقضاء على البرنامج النووي الإيراني، لكن معظم الناخبين لم يقتنعوا بذلك. ولا يعني رفض الحرب أن الناخبين باتوا يؤيدون نهج المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري، الذي نشأت حركة «ماغا» أصلاً في مواجهته. ويُرجّح أن نتائج الانتخابات تكشف أيضاً عن ضعف التأييد الشعبي لسياسات التدخّل الخارجي التي لطالما دافعت عنها تيارات ليبرالية داخل المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي.
وهذا التمييز مهم لفهم مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً بعدما غيّرت الحرب الحالية مع إيران ملامح المنطقة على نحو يصعب التراجع عنه. ويبقى السؤال الآن كيف سيفسّر ترامب هذه الهزيمة، هل يعتبرها إنذاراً يدفعه إلى وقف الحرب للحدّ من خسائره، أم يرى فيها فرصته الأخيرة للمقامرة من أجل تحقيق النصر؟
في منشوره على «إكس» بعد الانتخابات، عرض فانس أربع خطوات يرى أنها قد تعيد الناخبين الذين خاب أملهم بترامب إلى الحزب الجمهوري في عام 2028: إنهاء الحرب، والتركيز على كلفة المعيشة، ووضع مصلحة أمريكا أولاً، وتغيير طبيعة العلاقة الأمريكية مع إسرائيل.
لقد جعلت نتائج الانتخابات النصفية إنهاء الحرب ضرورة سياسية بالنسبة إلى الجمهوريين الطامحين إلى خلافة ترامب. أما ترامب نفسه، الذي لن يخوض انتخابات رئاسية أخرى، فقد يكون أكثر ميلاً إلى مواصلة الحرب سعياً وراء انتصار عسكري يثبت به صواب قراراته، مهما كانت كلفته السياسية.