2 فبراير 2026. (تصوير: ياسر الزيات / أ ف ب)

تحوّلات طبقات أمن الخليج في العقيدة القتالية وقواعد الاشتباك

مع تصاعد التهديدات الصاروخية والسيبرانية والبحرية كشفت «حرب الأربعين يومًا» أن أمن الخليج لم يعد يُدار بمنطق الضمانات الخارجية وحدها، بل بمنطق القدرة الذاتية والردع متعدد الطبقات.

16 سبتمبر، 2026
ظافر محمد العجمي

دخلت منطقة الخليج حقبة أمنية جديدة كشفت خلالها هشاشة الترتيبات التقليدية والضمانات الخارجية. ووجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة أمنية جديدة تجمع بين التحوط البراغماتي، وتوطين القدرات، وإبقاء الدبلوماسية قناةً لإدارة التصعيد. كذلك، أثبتت الاعتداءات الإيرانية أن أمن المنطقة لم يعد قابلًا للتفويض، وأن الصواريخ والمسيّرات أسرع من قرار الحلفاء في صون الاستقرار الإقليمي، وأنّ التوجه نحو أمن متعدد الطبقات هو الخيار الأنسب.

 

فقد تجاوزت الحرب حدود الاشتباك العسكري التقليدي، وامتدت إلى الصواريخ الباليستية، والمنشآت النفطية، والممرات المائية الدولية، والفضاء السيبراني، وسلاسل الإمداد. ونتيجة لذلك، تبلورت معادلة استراتيجية قاسية: الولايات المتحدة تملك القدرة على إيلام إيران دون إخضاعها، فيما تملك إيران القدرة على الصمود والمقاومة دون تحقيق نصر حاسم.

 

بين هذين الحدين، أدركت دول مجلس التعاون ضرورة إعادة النظر في دوائر الأمن، والاعتماد على الذات، وإعادة بناء عقيدتها القتالية، وقواعد اشتباكها، واستقلاليتها الاستراتيجية، لمواجهة مرحلة عنوانها الردع المتبادل وحروب المنطقة الرمادية.

 

 

طبقات أمن الخليج الخمس

 

تقليديًا، بُنيت المنظومة الأمنية الخليجية على خمس دوائر متداخلة: الأمن الوطني، والأمن الخليجي الجماعي، والتحالفات الدولية، والأمن العربي، ودائرة الأصدقاء والشركاء الجدد. غير أن حرب الأربعين يومًا أعادت ترتيب أولويات هذه الطبقات، مقدّمة القدرات الذاتية والإقليمية على الضمانات الخارجية.

 

وقد أحدثت المواجهات الأخيرة تحولًا هيكليًا في مفهوم «طبقات أمن الخليج الخمس»، إذ أدّى دافع الاستجابة الفورية للمخاطر الصاروخية والمسيّرة إلى إعادة ترتيب هذه الدوائر وتحديث وظائفها الاستراتيجية.

 

فالدائرة الوطنية أصبحت الخط الأول، بعدما أثبتت التحديات العملية أن ثواني الاكتشاف والاعتراض لا تحتمل انتظار قرارات الحلفاء أو التنسيقات السياسية. وبذلك قفز الأمن المحلي إلى الصدارة من خلال الاستثمار المكثف في الرادارات، والدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة المسيّرات، والأمن السيبراني، وحماية المنشآت الحيوية.

 

ومن ثم تقدّم الأمن الخليجي الجماعي عبر مفهوم الاستجابة العملياتية، مع تحوّل التنسيق بين دول التعاون من إطار سياسي إلى ضرورة تكتيكية ملحّة، بعدما فرض الانكماش الزمني للتهديدات أهمية ربط شبكات الدفاع الجوي والرادارات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية الفورية، وبناء قدرات القيادة والسيطرة المشتركة.

 

ومع تراجع الاعتماد المطلق على المظلة الغربية والولايات المتحدة بوصفها «المستجيب الأول» نتيجة الحسابات السياسية وقواعد الاشتباك المعقدة، فرضت الطبقة الثالثة إعادة تقييم دائرة الحلفاء التقليديين، فتحوّل دور الحليف الخارجي من ضامن مباشر إلى شريك تمكين يقدّم التكنولوجيا والدعم الاستخباراتي واللوجستي.

 

أما المستوى الرابع فيتمحور حول صعود دائرة الأصدقاء والشراكات المرنة، مع بروز قوى آسيوية وأوروبية مثل الصين والهند وتركيا وباكستان وكوريا الجنوبية، بوصفها خيارات استراتيجية صاعدة. ومن خلالها يمارس الخليج «تحوطًا براغماتيًا» لتنويع مصادر التسليح، وتعزيز المرونة التكنولوجية والسياسية، دون الوقوع في تبعية مورد أمني واحد.

 

يأتي تراجع الدائرة الخليجية العربية التقليدية في المستوى الخامس مع تحوّل اتفاقيات الدفاع المشترك والأطر الإقليمية العريضة إلى عمق سياسي ودبلوماسي نمطي، نظرًا لمحدودية قدرتها على تقديم استجابة عسكرية سريعة وميدانية في الأزمات الفورية.

 

 

التحوّلات في المنظومة الأمنية ودلالاتها

 

انتقلت المنظومة الأمنية الخليجية من نموذج «الاعتماد على الحليف الخارجي» إلى نموذج «الاعتماد المتبادل والقدرة الذاتية»، فأصبحت الذاتية الوطنية والجاهزية الخليجية بمثابة الخط الدفاعي العملياتي الأول، فيما تعمل التحالفات والشراكات الممتدة كدوائر إسناد وردع استراتيجي. ويمكن القول إن التحول الأكبر الذي شهدته المنطقة بعد العدوان الإيراني لم يكن مجرد تغيير في أنواع الأسلحة، بل إعادة ترتيب جذرية لأولويات التسليح في ميدان القتال.

 

لطالما شكّل سلاح الجو مصدر القوة الرئيسي والحاسم لأي دولة، إذ مثّلت الطائرات المقاتلة المتقدمة، مثل أف-15، وأف-16، وتايفون، ورافال، ضمانة للتفوق الإقليمي. لكن التهديدات غير المتماثلة التي كشفتها الحرب، والمتمحورة حول المسيّرات الانتحارية الرخيصة، والصواريخ الباليستية، والألغام البحرية، والهجمات السيبرانية، أجبرت العقيدة القتالية الخليجية على الانتقال من نموذج «المبادرة والهجوم التقليدي» إلى نموذج «الدفاع الهجين المتكامل». وتحوّل أيضاً الهدف من تدمير جيوش العدو في ساحات مفتوحة، إلى «تعقيم» ساحة القتال ضد آلاف المقذوفات الرخيصة التي تهدف إلى استنزاف منظومات باهظة الثمن.

 

وعلى المستوى العملياتي، أصبحت أنظمة الدفاع الجوي والفضائي، والأمن السيبراني المعتمد على الذكاء الاصطناعي، والمراقبة البحرية غير المأهولة، في قلب العقيدة القتالية الجديدة. وانتقلت الأولوية من القطاعات التقليدية البرية والبحرية والجوية إلى أنظمة الدفاع الجوي الطبقي، والدفاع الفضائي، والأمن السيبراني.

 

كما برزت الحاجة إلى منظومات دفاع جوي متكاملة قادرة على اعتراض الصواريخ والمسيّرات في طبقات متعددة، مثل ثاد، وباتريوت، وآرو، والأنظمة الكورية الجنوبية، التي أصبحت ضرورة وجودية. وتحول الأمن السيبراني بدوره إلى مجال عملياتي رئيسي، إذ يمكن للهجمات على البنية التحتية الحيوية، مثل مصافي النفط، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الملاحة، أن تسبب أضرارًا استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة.

 

بالإضافة إلى ذلك، تدمج العقيدة القتالية الجديدة مبادرات مثل «سامي» السعودية و«إيدج» الإماراتية بوصفها ركائز للأمن القومي، لتقليل مخاطر اختراق سلاسل التوريد أو تجميد صفقات الأسلحة في لحظات الضغط السياسي. كما تركز هذه العقيدة على حلول غير نمطية مثل دمج الطائرات المسيّرة المحلية مع أنظمة دفاعية مستوردة، وإنشاء طبقات متنوعة من الاعتراض تشمل المدافع، والصواريخ قصيرة المدى، والطاقة الموجهة، والمسيّرات الاعتراضية.

 

على صعيد قواعد الاشتباك، شهدت المنطقة تحولًا جذريًا يعكس واقع «لا حرب ولا سلم»، إذ انتقلت القواعد من منطق «التحقق ثم الرمي» إلى منطق «الرمي أولًا ثم التحقيق»، في بيئة تهديدات سريعة لا تترك هامشًا للتأخير. وفي ظل الضبابية القتالية وحساسية الممرات الجوية والبحرية، فُوّض القادة الميدانيون بالرد الفوري على أي اختراق أو تهديد وشيك دون انتظار موافقات سياسية قد تستغرق ساعات. وقد تجسّد هذا المبدأ بصرامة في حادثة إسقاط الدفاعات الكويتية التي رسّخت مفهومًا جديدًا مفاده أن الهوية والتحالف لا يعلوان على حماية السيادة في لحظات الإنذار المبكر.

 

وبرز أيضًا ما يُسمّى «القواعد الأوكرانية»، حيث انتقلت قواعد الاشتباك الخليجية من مجرد اعتراض «السهم»، أي المسيّرة أو الصاروخ في الجو، إلى استهداف «الرامي» نفسه، أي مصادر الإطلاق ومنصات الحرس الثوري، والمطارات الأمامية. ويتطلب هذا التحول دعمًا استخباراتيًا فضائيًا وسيبرانيًا متقدمًا، كما يرسل رسالة ردع واضحة مفادها أن كلفة إطلاق مسيّرة واحدة قد تُقابل بضربة مباشرة لمصدر التهديد.

 

 

توازن دقيق: الردع دون استنزاف

 

بعيدًا عن لغة النصر المطلق، تدرك القيادات الخليجية أن الواقع يفرض في النهاية التفاوض، وأن مفهوم «وينشستر»، أي نفاد الذخائر أو الوصول إلى مرحلة الاستنزاف الحرجة، يحتم عدم الزج بالقدرات في حروب استنزاف طويلة. لذلك أصبح الهدف بناء ردع ذاتي يحمي الاقتصاد وإمدادات الطاقة، مع الحفاظ على توازن بين الضرورة العسكرية والاعتبارات السياسية لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.

 

كذلك فرضت المسيّرات الصغيرة، منخفضة الارتفاع وصعبة التمييز، حاجةً إلى قواعد اشتباك متخصصة تحدد بسرعة متى تُعدّ تهديدًا، ومن يملك قرار اعتراضها. كما برزت الحاجة إلى بروتوكولات سيبرانية واضحة تحدد متى يُعد الهجوم الإلكتروني عملًا عدائيًا يبرر الرد، وكيف يُثبت مصدره قبل اتخاذ إجراء عسكري قد يطال طرفًا ثالثًا بالخطأ. وبهذا، أصبح الرد الفوري المنضبط هو القاعدة، بما يعكس تحولًا عميقًا في الذهنية العسكرية الخليجية من الدفاع السلبي إلى الردع النشط، المحكوم بضوابط سياسية وقانونية دقيقة.

 

 

مقاربة أمنية أكثر تنوعًا ومرونة

 

تتجه دول الخليج إلى تطوير مقاربة أمنية أكثر تنوعًا ومرونة، لا تقتصر على شراء الأسلحة أو الاعتماد على الحماية الخارجية، بل تجمع بين التحالفات الدولية، وبناء القدرات الذاتية، والدبلوماسية الإقليمية، وحماية المصالح الاقتصادية. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه المقاربة في خمسة مسارات مترابطة.

 

أول هذه المسارات هو التحوط البراغماتي، إذ لم تعد دول الخليج تعتمد على شريك دولي واحد، بل تنتهج سياسة توازن بين الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، والصين، وروسيا، والهند، وتركيا، وباكستان. ولا تعني هذه السياسة مساواة جميع الشركاء، وإنما توسيع هامش المناورة وتقليل مخاطر الارتهان السياسي أو العسكري لطرف واحد.

 

فبينما تظل الولايات المتحدة وأوروبا مصدرًا رئيسيًا للضمانات الأمنية والتكنولوجيا الدفاعية، أصبحت الصين شريكًا تجاريًا واقتصاديًا مهمًا، في حين توفر روسيا والهند وتركيا وباكستان مجالات إضافية للتعاون العسكري والأمني. ويمنح هذا التنوع دول الخليج قدرة أكبر على إدارة الضغوط الدولية وحماية استقلالية قرارها.

 

أما المسار الثاني فيتمثل في الدفاع الهجين، حيث تتطلب التهديدات الحديثة، مثل الهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، دمج القدرات التقليدية بالتقنيات المتقدمة. لذلك يتزايد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والرصد البحري، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي المتكامل. ويهدف هذا النهج إلى تعزيز سرعة اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، ولا سيما تلك التي تستهدف المنشآت النفطية والموانئ والمطارات والممرات البحرية.

 

ويرتبط المسار الثالث بتقليل الاعتماد على مصدر واحد للتسلح، وتطوير قاعدة صناعية دفاعية وطنية، مع التركيز على تصنيع المسيّرات والذخائر والأنظمة الإلكترونية. غير أن تحقيق الاستقلال الدفاعي الكامل يظل مرتبطًا بنقل التكنولوجيا، وتطوير الخبرات البشرية، وبناء سلاسل توريد محلية قادرة على دعم الإنتاج والصيانة.

 

فيما يرتبط المسار الرابع بالأمن ثنائي المسار، الذي تجمع فيه دول الخليج بين الردع العسكري والدبلوماسية الإقليمية. فالحوار مع إيران والتهدئة لا يعنيان التخلي عن الاستعداد الدفاعي، كما أن امتلاك القوة لا يلغي أهمية قنوات الاتصال وإدارة الأزمات. ويهدف هذا النهج إلى خفض مخاطر التصعيد، وحماية الطاقة والتجارة ومشروعات التنويع الاقتصادي.

 

ويتمثل المسار الخامس في التحالفات المصغرة وحماية الاقتصاد، عبر عقد شراكات مرنة ومحددة الهدف في الدفاع الجوي، والأمن البحري، والإنذار المبكر، والتعاون السيبراني. وبالتوازي مع ذلك، أصبح الأمن الاقتصادي جزءًا من الأمن القومي، من خلال تنويع طرق تصدير الطاقة، وحماية المنشآت، وتطوير الموانئ البديلة، وتأمين سلاسل الغذاء والمياه والدواء.

 

 

شروط القوة في المستقبل

 

لم تكن حرب الأربعين يومًا مع إيران مناوشات حدودية، بل صدمة يقظة أعادت تشكيل بنية الأمن الخليجي. فقد أدركت دول الخليج أن العقيدة القتالية يجب أن تخدم البقاء الاقتصادي، وأن قواعد الاشتباك ينبغي أن تكون لغة يفهمها الخصم قبل أن يخطو خطوة. وفي منطقة رمادية بين عجز الولايات المتحدة عن الإخضاع وعجز إيران عن الحسم، صارت الحاجة ملحّة إلى أدوات خليجية خاصة تدمج التكنولوجيا، والبراغماتية السياسية، والصرامة العسكرية.

 

وتوقفت العمليات العسكرية عند معادلة واقعية: الولايات المتحدة تستطيع إيلام إيران أكثر مما تستطيع إخضاعها، وإيران تستطيع مقاومة الولايات المتحدة أكثر مما تستطيع هزيمتها. وبين هذين الحدين تُرسم ملامح المرحلة المقبلة، حيث تسعى دول الخليج إلى أن تكون فاعلًا في المعادلة لا ضحية لها. ويتطلب ذلك فهمًا دقيقًا لمحدودية القوة الأمريكية في تغيير الأنظمة، ولقدرة إيران على الصمود دون قدرة مماثلة على تحقيق هزيمة عسكرية كاملة للخصوم.

 

تستند القوة المستقبلية إلى خمسة شروط: إنذار مبكر مشترك، ودفاع جوي وصاروخي متكامل، وأمن سيبراني متقدم، وصناعة وصيانة دفاعية محلية، وقنوات دبلوماسية تمنع تحول الردع إلى حرب مفتوحة. فالهدف ليس كسب كل مواجهة، بل منع الخصم من فرض كلفة لا تُحتمل، وحماية الدولة والمجتمع والاقتصاد، مع الحفاظ على القدرة على الردع والتفاوض معًا.

 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: حرب إيران
البلد:

المؤلف

أكاديمي وباحث كويتي متخصص في شؤون الأمن الخليجي
أكاديمي وباحث كويتي متخصص في شؤون الأمن الخليجي، ويشغل منصب مدير مجموعة مراقبة الخليج. أستاذ منتدب وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت. له إسهامات وبحوث ودراسات عديدة ومقالات منشورة في الصحف الخليجية والعربية تتناول قضايا الأمن الإقليمي والدفاع واستراتيجيات الخليج.