إن قدرة الجمهورية الإسلامية في إيران على التماسك في وجه الهجوم الأمريكي الإسرائيلي غير المسبوق، الذي بدأ في 28 فبراير، لا ينبغي أن تُفاجئ أيّ قارئ جادّ للتاريخ الإيراني. فمنذ مطلع القرن السادس عشر، خاضت إيران أكثر من عشرين حرباً كبرى ضد العثمانيين، والأوزبك، والأفغان، ثم الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية، وصولاً إلى حربها مع العراق المدعومة من دول عربية وأجهزة استخباراتية غربية.
رغم ذلك، لم يكن سجلّها العسكري لصالحها دائماً: فقد خسرت معارك، واضطُرّت إلى التنازل عن أراضٍ، ووقّعت معاهدات قاسية ومُهينة. ومع ذلك، لم تُسقط أيّ من تلك الحروب الدولة المركزية، ولم تؤدِّ إلى تفكيك البلاد على أُسس إثنية، ولا إلى إعادة رسم خريطتها بشكل دائم.
صحيح أن عُمر الحرب الحالية لا يتجاوز بضعة أسابيع، غير أن النمط الذي تتحرّك ضمنه يمتدّ لخمسة قرون. ومن المهم أن يؤخذ هذا السجلّ التاريخي بالحسبان ليكون نقطة انطلاق أي قراءة جدّية لمسار هذا الصراع.
نمط يمتد عبر خمسة قرون
تبدأ الحكاية من معركة جالديران عام 1514. هناك، ألحق السلطان العثماني سليم الأول هزيمة ساحقة بالشاه الصفوي إسماعيل الأول، فسيطر على شرق الأناضول وبدّد أسطورة التفوّق الصفوي. وفق كل المقاييس العسكرية، كانت تلك ضربة قاسية لإيران. لكن الدولة الصفوية لم تنهَار. سرعان ما أعاد الشاه إسماعيل ترتيب صفوفه، واستمر حكم سلالته قرنين إضافيين، فيما ترسّخت الهوية الشيعية التي فرضها كأحد أكثر الثوابت السياسية دواماً في تاريخ إيران الحديث. جالديران كسرت الجيش، لكنها لم تكسر إيران.
تواصلت الحروب العثمانية–الصفوية على نحو متقطّع لنحو 125 عاماً، وانتهت بمعاهدة زهاب عام 1639. يومها تنازلت إيران عن بلاد الرافدين، وقبلت بحدود لا تزال، مع تعديلات طفيفة، تشكّل اليوم خط الفصل بينها وبين العراق. ومع ذلك، لم تُنهِ تلك المعاهدة إيران، بل أثبتت أن حتى الإمبراطورية العثمانية في أوج قوتها لم تتمكن من ابتلاعها. بل إن الخريطة التي رُسمت آنذاك عاشت أطول من الإمبراطوريات التي حدّدت معالمها.
بعد ثلاثة قرون، جاء العهد القاجاري بحساب أشد قسوة. فقد هزمت روسيا إيران مرتين، في الربع الأول من القرن التاسع عشر، وفرضت عليها معاهدتي غلستان وتركمانشاي، اللتين جرّدتاها من كامل جنوب القوقاز، أي ما يُعرف اليوم بجورجيا وأرمينيا وأذربيجان. وجدت إيران نفسها شبه مستعمَرة، عالقة بين الطموحات الروسية والبريطانية، ومضطرة لمنح امتيازات قانونية للأجانب داخل أراضيها. كان الضرر عميقاً وممتداً.
ومع ذلك، لم تُقسَّم إيران. ولم تحلّ إدارة أجنبية مكان الدولة القاجارية في طهران، ولم يُعَد تشكيل نواتها الجغرافية أو السكانية بقرار خارجي. صحيح أن الدولة المركزية ضعفت وتعرّضت للإذلال، لكنها لم تُستبدل بقوة خارجية، بل سقطت لاحقاً بيد ضابط إيراني استولى على السلطة عام 1921، وأقام الدولة البهلوية على أنقاضها. لقد أنهك الضغط الخارجي الدولة، لكنه لم يُذِبها.
أما المثال الأوضح، لأنه الأقرب زمناً، فهو الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988). حين دخل الرئيس العراقي السابق صدام حسين الحرب بطموحات توسعية، مدعوماً مالياً من السعودية والكويت، وبغطاء استخباراتي غربي، ومؤطراً الصراع بوصفه مواجهة حضارية سماها «القادسية الجديدة» في استدعاء للفتح العربي لبلاد فارس في القرن السابع. امتلك صدّام حسين كل عناصر التفوّق المادي. لكن بعد ثماني سنوات، عاد خط وقف إطلاق النار وكاد يطابق الحدود السابقة للغزو.
لم تخسر إيران أي أراضٍ بشكل دائم. وخرجت الجمهورية الإسلامية، التي كانت في عامها الأول عند اندلاع الحرب، أكثر تماسكاً، بدلاً من أن تكون منهارة. فقد حوّل الهجوم الخارجي الدولة الثورية إلى نقطة التقاء بين الأيديولوجيا والقومية. خسرت إيران قرابة مليون إنسان، لكنها لم تخسر نظامها، ولا حدودها، ولا تماسكها الداخلي.
هذا النمط المتكرر عبر خمسة قرون يفرض نفسه بقوة. يدخل الخصوم بأفضليات حاسمة، و تُخاض الحروب بكلفة باهظة، لكن إيران تمتص الضربة، وتتكيّف، وتستمر. والأدق من ذلك: ما يصمد ليس الدولة ككيان فقط، بل الأنظمة التي تحكمها في لحظة الحرب نفسها. هذه الأنظمة لم تُسقطها قوة خارجية، بل استمرت سنوات أو عقود، وأحياناً قرون، قبل أن تسقط لاحقاً تحت وطأة أزماتها الداخلية.
هل يمكن أن تكون هذه المرة مختلفة؟
عملت إسرائيل والولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة على إضعاف القوى المرتبطة بإيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، كما نفّذتا ضربات مباشرة داخل الأراضي الإيرانية. تقوم هذه الاستراتيجية على رهانين أساسيين: إما أن يؤدي الضغط العسكري المتواصل إلى تغيير سلوك إيران، أو أن يخلق ظروفاً داخلية تفضي إلى تغيير النظام. غير أن كلا الرهانين يفتقر إلى سند تاريخي قوي.
ففكرة إجبار إيران على تغيير سلوكها نادراً ما نجحت. فالعقيدة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على العمل عبر الوكلاء، وتجنّب المواجهة المباشرة مع قوى متفوقة، وتحمّل الضربات من دون تقديم تنازلات جوهرية ليست نتاج الجمهورية الإسلامية وحدها، بل حصيلة تراكم تاريخي طويل. ودولة استطاعت تجاوز جالديران وتركمانشاي، وصمدت في حرب استمرت ثماني سنوات مع العراق، لن تتخلى بسهولة عن هذا النهج تحت وطأة ضربات جوية.
أما الرهان على انهيار النظام فهو أكثر هشاشة. إذ يُظهر التاريخ بوضوح أن الضغط العسكري الخارجي غالباً ما عزّز الدولة الإيرانية بدل أن يضعفها. فالجمهورية الإسلامية نفسها وُلدت من رحم معاداة الإمبريالية وذاكرة التدخلات الأجنبية. والحرب مع العراق، على الرغم من كلفتها البشرية الهائلة، لم تُضعف النظام، بل رسّخت شرعيته الشعبية. ولا توجد مؤشرات جدية على أن الضربات الحالية ستنتج مساراً مختلفاً. بل على العكس، يُرجّح أن تؤدي إلى مزيد من التماسك الداخلي، حتى بين فئات قد تكون معارضة للنظام في الظروف العادية.
ويستند هذا إلى قناعة عميقة في الوعي السياسي الإيراني مفادها أن الحروب الكبرى في تاريخ البلاد كانت مفروضة عليها من الخارج. من العثمانيين إلى صدام حسين، تُستعاد هذه الحروب بوصفها اعتداءات خارجية. وهذه ليست مجرد رواية رسمية، بل فهم واسع الانتشار داخل المجتمع الإيراني نفسه. ولهذا الأمر أهمية حاسمة اليوم. فمجتمع يرى نفسه ضحية دائمة للعدوان الخارجي لا يستجيب للضغط العسكري بالتمرّد على دولته، بل بالالتفاف حولها. وعلى امتداد خمسة قرون، شكّل هذا الإدراك أحد أهم الآليات التي حوّلت بها إيران الخسائر العسكرية إلى تماسك سياسي.
مع ذلك، ثمّة عنصر جديد في المواجهة الحالية لا يجد له سابقة واضحة، وهو احتمال أن يكون الهدف ليس تعديل سلوك إيران، بل تقليصها جذرياً أو إقصاؤها كقوة إقليمية. وإذا اقتنع صانع القرار الإيراني بأن المسألة تتجاوز الضغط إلى تهديد وجودي للدولة نفسها، فإن قواعد اللعبة تتغير. فالدول التي تشعر بأنها تواجه خطراً وجودياً لا تتصرف وفق حسابات الكلفة والمنفعة التقليدية، بل تخوض القتال بمنطق مختلف تماماً.
سلوك قديم في مواجهة متغيرات جديدة
تتقاطع سوابق زهاب وغلستان وتركمانشاي في بنية واحدة واضحة: هزيمة عسكرية حاسمة لإيران، بلا أي التباس. معاهدات فُرضت تحت الضغط، وأراضٍ فُقدت. ثم، بعد ذلك كله، تعيد إيران لملمة نفسها: تبقى الدولة، تتكيّف، ومع الزمن تستعيد موقعها كفاعل إقليمي وازن. لم يؤدِّ فقدان الأرض إلى زوال الدولة، ولم يتحوّل الإذلال إلى انهيار.
السؤال اليوم هو: هل لا تزال الشروط التي سمحت بهذا التعافي قائمة في مواجهة خصوم يملكون قدرات مختلفة جذرياً عمّا واجهته إيران سابقاً؟
الجواب الصريح: ربما لا، أو على الأقل ليس بالدرجة نفسها. فالفجوة التكنولوجية بين إيران وتحالف إسرائيل–الولايات المتحدة ليست مجرد نسخة حديثة من فجوات سابقة، بل فجوة من نوع آخر. لا تتعلق فقط بالتفوّق في القوة النارية، بل بالقدرة على تعطيل مراكز القيادة بسرعة، وشلّ الدفاعات الجوية، وتقويض قدرات الضرب بدقة عالية. كما أن التنسيق الاستراتيجي بين أطراف هذا التحالف لا يجد له سابقة في التاريخ العسكري الإيراني.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة سقوط الجمهورية الإسلامية. فالتاريخ لا يزال يقدّم إشارة واضحة: الأنظمة في إيران لم تُسقطها الحروب الخارجية، بل أنهتها أزماتها الداخلية،انهيارات اقتصادية، صراعات داخل النخب، واستنزاف مجتمعي طويل. وقد ينجو النظام هذه المرة أيضاً، لكن في صورة أضعف، كما نجت الدولة القاجارية بعد تركمانشاي: قائمة ومستمرة، لكنها أقل طموحاً إقليمياً وأضيق نفوذاً وعمقاً استراتيجياً.
في المقابل، تَحمل هذه السوابق نفسها تحذيراً لخصوم إيران. فمعاهدات زهاب وغلستان وتركمانشاي لم تُنهِ إيران، بل خلّفت دولة جريحة وممتلئة بالمرارة، أعادت بناء قوتها تدريجياً وعاودت فرض مصالحها عبر الأجيال. إيران التي تُهزم عسكرياً لكنها تبقى دولة، ليست مشكلة جرى حلّها، بل مشكلة جرى تأجيلها.
أما ما ستؤول إليه المواجهة الحالية: هزيمة استراتيجية حاسمة، أو انكماش مفروض، أو مجرد حلقة جديدة من نمط الصمود الطويل، فلا يزال مفتوحاً على الاحتمالات. لكن ما يجعل بعض الرهانات الحالية موضع شك، هو تلك الثقة الظاهرة في واشنطن وإسرائيل بأن القوة العسكرية قادرة هذه المرة على تحقيق ما لم تحققه سابقاً: إنهاء دولة أثبتت على مدى قرون أن قدرتها على البقاء في مواجهة التفوّق العسكري هي قاعدتها الأكثر ثباتاً.
حالياً، يقع عبء الإثبات على من يراهن أنّ هذه المرة مختلفة فعلاً. فالتاريخ الذي يقف في مواجهتهم يمتد لخمسة قرون حتى لو كانت الأدوات المستخدمة مختلفة تماماً اليوم.