لم يعد التصعيد الحوثي ضد المملكة العربية السعودية مجرد امتداد للحرب في اليمن، ولا يمكن قراءته باعتباره مواجهة عسكرية محدودة بين دولة وميليشيا مسلحة. فالمنطقة تقف أمام مرحلة أكثر خطورة، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية مع طموحات الجماعات المسلحة، وتتحول فيها الجغرافيا الخليجية من ساحة للردع المتبادل إلى مجال مفتوح للضغط العسكري والاقتصادي. والخطورة لا تكمن في عدد الصواريخ والمسيّرات التي تُطلق، بل في طبيعة الأهداف التي يجري اختيارها، والرسائل السياسية التي تحملها، وما يمكن أن يترتب عليها من انهيار تدريجي لقواعد الاشتباك التي حالت، حتى الآن، دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
هناك فارق جوهري بين استهداف منشأة عسكرية في سياق نزاع مسلح، وبين نقل الحرب إلى قاعات المسافرين والمرافق العامّة المكتظّة بالناس. وفي الحالة الثانية، لا تعود المسألة مجرد تصعيد عسكري، بل تُصبح تهديدًا مباشرًا للحدود القانونية والأخلاقية للحرب، وتضع الأطراف المتحاربة أمام احتمالات يصعب احتواؤها.
مخاطر اتساع المواجهة
من الخطأ النظر إلى الحوثيين على أنهم مجرد جماعة محلية تتحرك بمعزل عن التوازنات الإقليمية. فقد أصبحوا، خلال السنوات الماضية، جزءًا من شبكة عسكرية وسياسية أوسع ترتبط بإيران، وتمنح طهران قدرة على ممارسة الضغط خارج حدودها المباشرة. غير أن هذا الارتباط لا يعني بالضرورة أن كل قرار حوثي يصدر بأمر إيراني مباشر، فالجماعة تمتلك حساباتها ومصالحها الخاصة. لكن التداخل بين المصالح الإيرانية والقدرات الحوثية يجعل من الجبهة اليمنية إحدى أكثر ساحات التصعيد حساسية بالنسبة إلى الأمن الخليجي.
وقد تجد طهران في توسيع نطاق الهجمات الحوثية وسيلة لرفع تكلفة المواجهة على خصومها، خصوصًا إذا كانت تسعى إلى تحسين موقعها التفاوضي أو تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة عليها. وفي مثل هذه الحسابات، يمكن أن يتحول الحوثيون إلى أداة لاستنزاف الخصوم، حتى لو أدى ذلك إلى تعريض قدراتهم العسكرية وبنيتهم التنظيمية لضربات قاسية. فالقوى الإقليمية التي تعتمد على الوكلاء قد تكون أكثر استعدادًا لتحمل خسائر حلفائها مما هي مستعدة لتحمل خسائر مباشرة داخل أراضيها.
لكن المفارقة أن استراتيجية التصعيد عبر الوكلاء تحمل في داخلها تناقضًا يصعب تجاوزه. فكلما توسعت الهجمات وارتفعت تكلفتها على الدول المستهدفة، ازدادت الضغوط السياسية والعسكرية لإنهاء مصادر التهديد بدلًا من الاكتفاء باحتوائها.
وما يبدو في البداية ورقة ضغط قابلة للاستخدام في المفاوضات قد يتحول، مع تجاوز الخطوط الحمراء، إلى عبء استراتيجي على الطرف الذي يستخدمها.
من مطارات الخليج إلى الفصائل العراقية
تتجاوز المخاوف حدود المملكة العربية السعودية. فامتداد شبكات الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران إلى العراق واليمن، فضلًا عن ساحات أخرى، يخلق احتمالات لتعدد جبهات الضغط في حال اتساع المواجهة الإقليمية. ومن السيناريوهات التي ينبغي أخذها بجدية احتمال انخراط فصائل مسلحة عراقية في هجمات إضافية، سواء على منشآت استراتيجية أو على بنى تحتية حيوية في المنطقة.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا امتدّ التهديد إلى المطارات الدولية والمراكز التجارية والمنشآت المدنية المكتظة. ولا يعني ذلك أن هذه الهجمات حتمية أو أن قرارات تنفيذها قد اتُّخذت، لكنه احتمال أمني يستدعي الاستعداد، خصوصًا في بيئة إقليمية أصبحت فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى أدوات متاحة لجماعات مسلحة لا تخضع لمنطق الدولة ومؤسساتها.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية أمام دول الخليج. فهذه الدول لا تواجه تهديدًا عسكريًا تقليديًا يمكن ردعه بمجرد موازنة القدرات العسكرية، بل تواجه نمطًا من الصراعات غير المتكافئة يستهدف أحيانًا الاقتصاد والمجتمع والثقة العامة بالسلطة بقدر ما يستهدف المنشآت العسكرية. فتعطيل مطار دولي أو تهديد الملاحة لا يحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر، إذ يكفي أن يتحول الخطر إلى حالة دائمة حتى تبدأ آثاره الاقتصادية والنفسية في التراكم.
البحر الأحمر: الميليشيا تُهدد الاقتصاد الدولي
أثبتت الهجمات الحوثية على السفن التجارية أن السيطرة المباشرة على المضائق ليست شرطًا لتعطيل الملاحة. ويكفي تهديد السفن العابرة حتى تعيد شركات الشحن حساباتها، وترتفع أقساط التأمين، وتتحول بعض الرحلات إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة.
ولم تقتصر التداعيات على الدول المنخرطة في المواجهة. فقد امتدت إلى مصر ودول القرن الأفريقي والاقتصاد العالمي، وإن بدرجات متفاوتة. وكانت مصر من أبرز المتضررين نتيجة تراجع حركة الملاحة في قناة السويس، التي تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية والإيرادات العامة. ويكشف تراجع إيرادات القناة خلال عام 2024 أن الضربات التي تنفذها جماعة مسلحة في جنوب البحر الأحمر يمكن أن تصل آثارها الاقتصادية إلى دولة لا تشارك بصورة مباشرة في العمليات العسكرية ضد تلك الجماعة.
أما دول القرن الأفريقي، فقد واجهت بدورها تداعيات مرتبطة باضطراب التجارة البحرية وارتفاع المخاطر الأمنية، وإن اختلف حجم الضرر وطبيعته من دولة إلى أخرى. وهذا يوضح أن التهديد الحوثي لم يعد محصورًا في الجغرافيا اليمنية أو في أمن السعودية، بل أصبح جزءًا من إشكالية أوسع تتعلق بأمن الممرات البحرية الدولية، وبقدرة المجتمع الدولي على حماية التجارة من الابتزاز العسكري.
إن المرحلة المقبلة تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من حدود التضامن السياسي إلى الاصطفاف الاستراتيجي الجماعي خلف المملكة العربية السعودية، ودعم جهودها في حماية أمنها الوطني، ومساندة الحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة التهديدات الحوثية. فلم تعد الاعتداءات التي تستهدف الأراضي السعودية شأنًا سعوديًا منفردًا، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لوحدة الموقف الخليجي ومصداقية منظومة الأمن والدفاع المشترك.
ليس المطلوب الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، وإنما ترجمة التضامن إلى إجراءات عملية تشمل تفعيل آليات الدفاع الخليجي المشترك، وتكثيف التنسيق العسكري والاستخباراتي، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، إلى جانب بناء موقف سياسي موحد يدعم مؤسسات الدولة اليمنية الشرعية، ويمنع الميليشيات الحوثية من فرض واقع سياسي وعسكري بقوة السلاح. فاستقرار اليمن لم يعد قضية تخص اليمنيين وحدهم، بل بات جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الخليجي.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستخلصه دول الخليج هو أن أمنها لا يمكن أن يظل مرهونًا بردود الأفعال على كل هجوم منفصل. فالتحدي يتطلب رؤية إقليمية تتعامل مع مصادر التهديد وشبكات التمويل والتسليح، وتربط الدفاع العسكري بالأمن الاقتصادي والبحري وحماية البنية التحتية. كما يتطلب إدراكًا بأن تباين مواقف الدول الخليجية من بعض الملفات لا يلغي وحدة المخاطر التي تواجهها عندما تتحول المطارات والموانئ وممرات الطاقة إلى أهداف محتملة.
إن المعادلة اليوم تتجاوز حدود التضامن التقليدي إلى مسؤولية استراتيجية مشتركة، عنوانها أن الاعتداء على أمن أي دولة خليجية هو تهديد للأمن الجماعي بأسره، وأن الدفاع عن استقرار اليمن وسيادته هو في جوهره دفاع عن أمن الخليج ومستقبله.
من يُشعل الحرب ومن يستطيع إيقافها؟
إن أخطر ما تكشفه المواجهة الراهنة ليس حجم القوة العسكرية التي تمتلكها الجماعات المسلحة، بل اتساع قدرتها على التأثير في قرارات الحرب والسلم لدى دول المنطقة. فحين تصبح جماعة مسلحة قادرة على تهديد مطار دولي أو تعطيل ممر بحري، فإنها لا تكتفي بممارسة العنف، بل تسعى إلى فرض نفسها طرفًا في معادلة الأمن الإقليمي، دون أن تتحمل المسؤوليات السياسية والقانونية التي تتحملها الدول.
قد تراهن إيران على أن تعدد الجبهات وتوزيع مصادر التهديد سيجعلان تكلفة مواجهتها أعلى من تكلفة التفاوض معها. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر عكسية، إذ يمكن أن يؤدي اتساع الهجمات إلى تقليص المساحات الدبلوماسية، وتعزيز التنسيق العسكري بين خصومها، وتحويل الجماعات المسلحة من أوراق نفوذ إلى مصادر استنزاف سياسي وعسكري.
المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الصراعات حتى تدرك خطورة تجاوز قواعد الاشتباك. فقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن إطلاق الصواريخ أسهل من احتواء نتائجها، وأن تحويل المدنيين إلى أدوات ضغط لا يصنع تسوية سياسية مستقرة، بل يراكم أسباب الانفجار المقبل.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل طهران وحلفاءها ليس إلى أي مدى يستطيعون توسيع الحرب، بل ماذا سيتبقى من أوراق قوتهم إذا توسّعت الحرب إلى الحدّ الذي يعجزون معه عن إيقافها. ففي الشرق الأوسط، قد يمتلك الطرف الأضعف القدرة على إشعال مواجهة كبرى، لكنه لا يمتلك بالضرورة القدرة على النجاة من نتائجها.