2022. (صورة بواسطة نيكولاس راسل / DVIDS / أ ف ب).

إعادة تعريف الأمن الخليجي على أبواب نظام دولي جديد 

لم يعد الأمن الخليجي يُفهم بوصفه معادلة دفاعية تقليدية تقوم على الحماية الخارجية وحدها، بل صار أقرب إلى اختبار يومي لقدرة المنطقة على التكيّف مع نظام إقليمي مضطرب، تتداخل فيه القوة العسكرية بالممرات البحرية، وتختلط فيه الحسابات الأمريكية بالمخاوف الخليجية، والطموحات الإيرانية بحسابات التجارة العالمية.  

22 يوليو، 2026
سليمان العقيلي

فالحرب التي اندلعت عملياً في فبراير 2026 لم تُنتج حسمًا استراتيجيًا، ولم تُنهِ التهديد، بل كشفت أن المنطقة دخلت طوراً جديداً من “اللااستقرار المنظَّم” حيث تتكرر جولات التصعيد والتهدئة دون أن يتشكل أفق واضح لنهاية سياسية أو عسكرية. 

 

في هذا السياق لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في الصراع على معنى القوة في الخليج. فكل تهديد للملاحة فيه لا يستهدف ناقلات النفط وحدها، بل يطعن في الفكرة نفسها التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي: ان خطوط التجارة البحرية يجب أن تبقى خارج منطق الابتزاز السياسي. ومن هنا فإن الصراع على هرمز يتجاوز كونه مواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ليصبح اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية واحدة من أهم عقده الاستراتيجية. وينبغي للدول الأوروبية والدول الصناعية في آسيا أن تتجاوز خلافاتها مع واشنطن وأن تبرم تحالفاً دولياً مماثلاً لما حصل في تحرير الكويت من الغزو العراقي، فالأطماع الإيرانية في هرمز لا تقل خطورة عن أطماع النظام العراقي السابق في المنطقة وفي ارتهان الاقتصاد العالمي. 

 

فكلما تمكنت طهران من تحويل المضيق إلى ورقة ضغط، ازداد نفوذها التفاوضي، وتوحش تغولها على مبادئ الاستقرار في منطقة تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي. إن هرمز في جوهره، ليس مساحة جغرافية فحسب، بل ميزان قوة حساس يكشف من يملك القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي، ومن يملك القدرة على استمراره، ومن يملك القدرة على صناعة التضخم والكساد في المجتمعات الصناعية والتأثير في خياراتها السياسية. ولهذا تسعى طهران بسفن صيد ومسيرات زهيدة الثمن للسيطرة على المضيق وتغيير مبادئ القانون الدولي. فيما أعضاء الناتو يتصارعون على كلفة صناعة القوة. 

 

 

إعادة توزيع النفوذ البحري  

وقد أعادت التحالفات الإقليمية والدولية الجديدة رسم صورة المضيق بوصفه مساحة تنافس لا تقتصر على تأمين الملاحة، بل تمتد إلى إعادة توزيع النفوذ البحري ذاته. فالمبادرات المتعددة الأطراف التي برزت أخيراً، سواء في الإطار الأوروبي أو عبر صيغ أوسع للتنسيق مع دول الخليج، تعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن هرمز لم يعد ملفاً خليجياً صرفاً، بل أصبح جزءاً من أمن الطاقة العالمي واستقرار التجارة الدولية. غير أن هذه التحالفات، على أهميتها، لا تلغي الحقيقة الأساسية: المضيق لا يُدار بالقوة البحرية وحدها، بل بتوازن دقيق بين الردع والقبول السياسي، وبين حماية السفن ومنع تحول البحر إلى ساحة استنزاف مفتوحة. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية؛ فكلما توسعت التحالفات الرامية إلى حماية الممر، ازداد توتر ايران وشعورها بالعزلة. لذلك، فإن انعكاس هذه التحالفات ليس فقط في تعزيز أمن الملاحة، بل أيضاً في نقل الصراع إلى مستوى أوسع، حيث تتداخل المصالح الأوروبية والأمريكية والخليجية في مواجهة حسابات إيرانية تعتبر البحر امتداداً للسيادة لا مجرد ممر دولي. 

 

ومن الأكيد ان مستقبل التعاون الأمني بين دول الخليج يظل هو الآخر محكوماً بمعادلة دقيقة: الحاجة إلى التكتل الأمني تتصاعد، لكن القدرة المؤسسية على تحقيقه ما تزال محدودة. فالحرب الأخيرة أظهرت أن أي اختراق لمنظومة الدفاع لا يظل شأناً وطنياً خالصاً، بل يتحول سريعاً إلى تهديد عابر للحدود، سواء في شكل صواريخ أو مسيّرات أو تعطيل للممرات البحرية. ومع ذلك لا يسمح الواقع الخليجي بعدُ بالحديث عن مظلة دفاع موحدة كاملة، بل عن درجات متفاوتة من التنسيق العملي، تتقدم فيها الشراكات الثنائية والإنذار المبكر المشترك والتكامل الجزئي في الدفاع الجوي، أكثر مما تتقدم فيها عقيدة أمن جماعي صلبة. ولهذا، فإن مستقبل التعاون الأمني لن يُقاس بالشعارات الشعبوية، بل بمدى القدرة على تحويل القلق المشترك من التهديدات إلى بنية ردع مشتركة، حتى لو بقيت هذه البنية ناقصة. وفي منطق السياسة الواقعية، أحياناً يكون التنسيق المحدود أكثر قيمة من الوحدة المعلنة التي لا تُختبر عند الأزمات. 

 

 

انقلاب حيوي داخل بنية النظام الدولي 

أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فهي تدخل مرحلة أكثر تعقيداً من السابق. فواشنطن لا تزال شريكاً ضرورياً، لا يمكن الاستغناء عنه في المدى المنظور، لكنها لم تعد قادرة وحدها على ضمان الاستقرار الخليجي. المظلة الأمريكية تبقى مهمة من حيث السلاح والاستخبارات والردع التقني، لكنها لم تعد تعتبر ضمانة مطلقة، بل كعنصر أساسي في معادلة أشمل تحتاج إلى تنويع الشراكات وتعزيز الاعتماد الذاتي. وفي هذا المعنى، تبدو الشراكة مع واشنطن ضرورة استراتيجية، لا خياراً حصرياً، لأن الاعتماد المتبادل سقط منذ عقدين. وقد أظهرت الحرب الأخيرة أن “السلام بالقوة” قد ينجح في تعويق الانهيار الكامل لكنه لا يصنع نظاماً مستقراً. ولا يعالج الجذور العميقة للصراع. ولذا فإن أي تقاعس أوروبي عن أداء دور عالمي في الخليج، في ظل تآكل الردع الأمريكي، سيعني انقلاباً حيوياً داخل بنية النظام الدولي يهمّش القارة العجوز في النظام التعددي الجديد. باعتبار ان مصير هرمز وما يتلوه من تحالفات دولية في الخليج ستمهد لموازين قوى دولية جديدة خاصة إذا انسحبت واشنطن بلا نصر مؤكد! 

 

من جهتها إيران ليست أزمة عابرة يمكن تجاوزها بالضربة أو بالعقوبات، بل فاعل دائم في بنية الإقليم. وهذا ما يجعل التعامل معها شأناً استراتيجياً طويل الأمد، لا ملفاً عسكرياً قابلاً للحسم النهائي. فطهران رغم ما تعرضت له من ضربات لم تغيّر سلوكها الجوهري، بل واصلت توظيف أدوات غير متكافئة لرفع كلفة خصومها، من الصواريخ والمسيّرات إلى الضغط البحري واستهداف الممرات الحيوية. هذا السلوك يكشف أن استراتيجية إيران ترى في المجال البحري امتداداً لمعادلة الردع والسيادة. لا مجرد فضاء للملاحة الدولية. ومن هنا فإن أي مقاربة واقعية تجاهها يجب أن تقوم على إدراك مزدوج: إيران باقية، وسلوكها غير مطمئن. أي أن المطلوب ليس البحث عن نهايتها، بل عن أدوات سياسية وأمنية تحدّ من قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى وسيلة ابتزاز دائم. 

 

تتضح المعضلة في سؤال جوهري: ماذا يعني أن تواجه قوة عظمى دولة إقليمية في بيئة لا تُنتج حسمًا؟ الصراع هنا يتجاوز النووي والنفوذ إلى تعريف الأمن ذاته؛ إذ تمارس واشنطن ضغطاً لإعادة تشكيل البيئة، بينما تراهن طهران على الاستنزاف والمراوغة ورفع الكلفة دون القدرة على تحقيق حسم. 

 

في ضوء ذلك تبدو دول الخليج أمام ثلاث حقائق لا يمكن تجاوزها: لا يمكنها موازنة إيران – كل دولة بمفردها – ولا يمكنها الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وهذا يعني عملياً بناء قدرات دفاعية تقلل من قابلية الاختراق، وتعميق الشراكة مع واشنطن والقوى الكبرى دون الارتهان لها. والانخراط مع إيران ضمن حدود تضبط السلوك دون منحه شرعية مطلقة. إنها ليست استراتيجية حل بل استراتيجية تحصين وجودي. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية:
البلد: إيران، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية
سليمان العقيلي هو رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية، وعضو في العديد من المؤسسات والهيئات السياسية والإعلامية، منها: مجلس إدارة الجمعية السعودية للعلوم السياسية، وهيئة الصحفيين السعوديين، والجمعية السعودية للإعلام والاتصال، والجمعية السعودية لكتّاب الرأي، والجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.