تصدّرت المعادن الحرجة النقاشات الدبلوماسية العالمية في سبتمبر عام 2026. ففي قمة «بريكس» التي عُقدت في نيودلهي التي تضمّ 11 دولة من بينها الإمارات العربية المتّحدة، دعا القادة إلى بناء سلاسل إمداد للمعادن الحرجة تكون «موثوقة ومسؤولة ومتنوّعة وقادرة على الصمود ومُنصفة ومستدامة وعادلة» وتحفظ الحقوق السيادية للدول الغنيّة بالموارد.
بعد عشرة أيام، أطلق الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريش، خلال الجمعية العامّة في نيويورك، آلية دعم البلدان، لمساعدة الدول النامية الغنيّة بالموارد على بناء سلاسل قيمة محلّية للمعادن، بالتوازي مع تعزيز الضمانات البيئية والإنسانية. وتأتي زامبيا، التي وقّعت مذكّرة تفاهم مع السعودية للتعاون في مجال المعادن، ضمن أوّل ست دول شريكة في المبادرة.
في هذا الإطار، تسعى الحكومات الأفريقية إلى الحصول من شراكاتها في قطاع المعادن على ما يتجاوز التمويل وحده، حيث إن رأس المال لن يكفي لضمان وصول المستثمرين الخليجيين إلى هذه الموارد على المدى الطويل، ما يتطلّب إدماج التزامات تُحقّق قيمة مشتركة في الاستثمارات منذ البداية، بما فيها تلك تتعلّق بالأداء البيئي والاجتماعي.
التنويع بعيداً من النفط
تقف المعادن الحرجة في صلب عمليات الطاقة الكهربائية، وتوسيع شبكات الكهرباء، وصناعة البطاريات، والتصنيع المتقدّم، ما يضعها في تقاطعات السياسات الصناعية والطموحات المناخية والاستراتيجيات الجيوسياسية. ومع تواصل الطلب على المعادن الأساسية لقطاع الطاقة ارتفاعه، تتركّز الاستثمارات وقدرات التكرير جغرافياً، ما يزيد من مستوى القلق بشأن أمن الإمدادات، ولا سيّما النحاس.
بالنسبة إلى دول الخليج، يدعم تأمين هذه المواد مساعي التنويع الاقتصادي وبناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود. من هنا تتزايد أهمّية أفريقيا، التي تملك نحو 30 في المئة من احتياطيات المعادن الحرجة في العالم، كشريك لدول الخليج.
ينشط المستثمرون والشركات الخليجية في أنحاء القارة، من قطاع البوكسيت في غينيا إلى مشاريع التعدين والبنية التحتية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وموريتانيا وناميبيا والمغرب. ويمتدّ هذا الحضور بالفعل إلى ملكية المناجم وتمويلها وتجارة السلع المعدنية. ففي عام 2024، استحوذت شركة «إنترناشونال ريسورسز هولدينغ» الإماراتية على 51 في المئة من مناجم «موباني» للنحاس في زامبيا، فيما احتفظت الدولة في زامبيا بالحصّة المتبقية.
كما بحثت «منارة المعادن» السعودية، وهي مشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامّة وشركة «معادن»، فرصاً للاستثمار في النحاس والنيكل في زامبيا. وأبدى مستثمرون مرتبطون بقطر اهتماماً أيضاً بمشاريع التعدين والطاقة والبنية التحتية في أنحاء القارة.
يأتي توسّع الحضور الخليجي مع تغيّر خريطة التمويل الخارجي في أفريقيا، فقد أصبح التمويل التنموي الغربي أكثر تشدّداً. كما تراجع الإقراض السيادي الصيني عن ذرواته السابقة، على الرغم من استمرار الحضور التجاري الصيني الواسع في قطاع التعدين الأفريقي. ويمكن لتنوّع الشركاء المحتملين أن يمنح الحكومات الأفريقية هامشاً أكبر للتفاوض، ليس فقط على الأسعار وحصص الملكية، بل أيضاً على المعالجة المحلية للمعادن، وتنمية المورّدين، وفرص العمل، والشفافية، والضمانات البيئية. وتُظهر متطلّبات المحتوى المحلي الجديدة في زامبيا كيف تستطيع للحكومات استخدام هذا التحوّل للمطالبة بمنافع اقتصادية محلية أكبر.
المكاسب والمخاطر
غالباً ما يغيّر التعدين طبيعة الأراضي واستخداماتها ويستهلك كميات كبيرة من المياه، ومن الممكن أن يضرّ بالزراعة وأنظمة المياه العذبة. ولا تقف آثاره عند حدود المنجم، إذ تمتدّ عبر الطرق وخطوط الكهرباء التي تخدمه. وعندما تتحمّل المجتمعات المحلّية هذه الأكلاف، فقد تتصاعد معارضة المشاريع أو تتدخّل الجهات التنظيمية بما يهدّد «الرخصة الاجتماعية للتشغيل» أي القبول المحلّي الذي يعتمد عليه استقرار المشروع.
وتعرف زامبيا جيّداً حجم هذه المخاطر. ففي فبراير 2025، انهار سدّ لمخلفات التعدين في منجم للنحاس في تشامبيشي، فتسرّب نحو 50 مليون ليتر من النفايات الحمضية باتجاه حوض نهر كافوي، الذي يعتمد عليه نحو 60 في المئة من سكان البلاد. وأدّى الحادث إلى أضرار بيئية حادّة، واضطرابات واسعة في خدمات المياه وسبل العيش، وأثار مخاوف جدّية من تلوّث طويل الأمد ومخاطر صحّية. وأمرت الحكومة الشركة المالكة للمنجم بإعادة تأهيل النهر وتعويض المزارعين المتضرّرين، في مؤشّر إلى احتمال تشديد الرقابة ورفع سقف المتطلّبات المتعلّقة بإدارة مخلّفات التعدين لدى المستثمرين والمُقرضين. وتوضح الحادثة أيضاً كيف يمكن للضرر البيئي أن يُخلّف تبعات سياسية وتجارية تمتدّ إلى ما بعد العمر التشغيلي للمنجم نفسه.
لعلّ الاستثمار الأجنبي يسير في اتجاهين. فعندما تكون الضمانات ضعيفة، من المرجح أن يعيد المستثمرون إنتاج ممارسات ضارّة. أما عندما يقترن رأس المال بالتكنولوجيا وبحوكمة أقوى، فقد يتحسّن الأداء البيئي. ويظهر ذلك في قطاع النحاس في تشيلي، حيث ساعدت القواعد المبكرة لإدارة مخلّفات التعدين والتحديثات المتواصلة على جعل المناجم ذات الاستثمارات الأجنبية من الأكثر تقدماً في استخدام منشآت تخزين أكثر مقاومة للزلازل وأقل خطراً. ويمكن للاتفاقات بين الحكومات أن تحدّد توقّعات واضحة بشأن القيمة المحلّية والشفافية وحماية البيئة، لكن ذلك يتوقّف على وجود آليات واضحة للتنفيذ والمساءلة. ويمكن للمستثمرين الأجانب أن يؤدّوا دوراً أيضاً من خلال التأثير في التوقّعات والممارسات المؤسّسية في أسواق الدول النامية.
ما الذي يقدّمه الخليج؟
ربّما يملك المستثمرون الخليجيون مزايا خاصة في هذا المجال، أولها رأس المال. فصناديق الثروة السيادية الخليجية تدير، بحسب التقديرات، ما بين 4 تريليونات و6 تريليونات دولار، أي أكثر من 40 في المئة من أصول صناديق الثروة السيادية في العالم. كما تستحوذ على أكثر من 80 في المئة من استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في الخارج، ما يعكس دورها المركزي في التنويع الاقتصادي والاستثمار عبر الحدود. ويرتبط هذا النوع من رأس المال بالدولة، ما يُعزز إمكانية السماح له بتبنّي منظور استراتيجي طويل الأمد. وهو ما يلائم مشاريع التعدين، التي قد لا تظهر مخاطرها البيئية والاجتماعية إلّا بعد سنوات من اتخاذ قرار الاستثمار.
بالإضافة إلى ذلك، تستطيع رؤوس الأموال السيادية الخليجية التحرّك بسرعة أكبر وبشروط أقل من جانب كبير من التمويل التنموي الغربي. لكن رأس المال الخليجي ليس بلا حدود، فالأولويات الداخلية للتنويع الاقتصادي، والاضطرابات الجيوسياسية، ومخاطر المشاريع، تعني أن الاستثمارات في أفريقيا ستظلّ مُطالبة بإثبات جدواها التجارية والاستراتيجية.
لطالما أعطت أطر استثمارية كثيرة حماية المستثمر والوصول إلى الموارد وزناً أكبر من التنمية المستدامة، لكن هناك بعض المقاربات الحديثة التي بدأت تعيد التوازن بين هذه الأهداف، حيث يمكن للتعاون بين المستثمرين والمصارف ومؤسّسات التمويل التنموي أن يعزّز هذا التحوّل من خلال الاتفاق على توقّعات بيئية واجتماعية مشتركة طوال دورة حياة مشروع التعدين، ولا سيما في مراحل دراسة الجدوى والتصميم والبناء، حين تكون فرص تجنب الأضرار أو الحدّ منها أكبر.
على ما يبدو، بدأت مبادئ أسواق التمويل الإسلامي الراسخة في الخليج تتقاطع مع أطر الاستثمار المستدام، ما قد يوفّر أساساً إضافياً لمقاربة أكثر تكاملاً للمشاريع والشراكات. وهذا ما يمنح المستثمرين فرصة لوضع الشروط قبل ضخّ رأس المال.
كذلك، ينبغي أن تُصاغ الالتزامات البيئية والاجتماعية، مثل الالتزامات المالية، في شروط تعاقدية قابلة للقياس. وهذا يعني إدراج أهداف واضحة، وتقارير علنية، وآليات تحقّق مستقلة في اتفاقيات المساهمين وشروط التمويل، بحيث يستطيع المستثمرون والحكومات المضيفة إنفاذها. ويعني ذلك أيضاً نشر تقييمات أولية للوضع القائم وخطط إغلاق المناجم، وإدراج آليات لتقاسم المنافع وتقديم الشكاوى يسهل الوصول إليها ضمن تصميم المشاريع، بما يتوافق مع قوانين الدول المضيفة.
وينبغي أن تشمل هذه التقييمات التنوّع البيولوجي والمياه والأراضي وسُبل العيش، وأن تقترن بأهداف قابلة للقياس لتجنّب الأضرار والحدّ منها، واستعادة ما تضرّر، والتعويض عنها عند الضرورة. ويمكن تثبيت هذه الالتزامات في خطط المناجم، واتفاقيات المساهمين، وشروط التمويل، وترتيبات الإغلاق.
لا يكفي النظر إلى المنجم وحده. فالمقاربة الأوسع لحماية الطبيعة والمجتمعات تقتضي أيضاً تقييم أثر الطرق والبنية التحتية للطاقة والأنشطة الأخرى في المناطق المحيطة وعلى امتداد سلسلة الإمداد. فعندما تؤثّر مشاريع عدّة في المنطقة نفسها، يمكن للمستثمرين دعم تقييمات مشتركة وتمويل مشترك لبرامج الحفاظ على البيئة وإعادة التأهيل ودعم سبل العيش، بما يساعد كل مشروع على المساهمة في نظم بيئية أكثر صحة واقتصادات محلّية أقوى.
إلى جانب ذلك، تملك الشركات والمستثمرون المرتبطون بدول الخليج قدرات قد تكون مفيدة لهذا القطاع، وذلك من خلال عملها لعقود في بيئات حارة وشحيحة المياه وامتلاكها خبرات في معالجة مياه الصرف، وإعادة استخدام المياه، وكفاءة الطاقة، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى.
قد تحمل هذه الخبرات أهمية خاصة، إذا أُدخلت في تصميم المناجم وتشغيلها في المناطق التي تتنافس فيها المناجم مع المزارعين والمجتمعات على موارد مائية شحيحة، كذلك في مناطق التعدين الجافة في ناميبيا والمغرب. ويمكن أن تكون مفيدة أيضاً في المناطق الأكثر وفرة بالمياه، حيث تساعد المعالجة وإعادة الاستخدام على خفض سحب المياه وتقليل مخاطر تصريف المياه الملوّثة. كما يفتح الاستهلاك المرتفع للطاقة في قطاع التعدين مجالاً لربط المشاريع بمصادر كهرباء أنظف وأنظمة لتخزين الطاقة.
في عام 2025، وقّعت شركة «إنترناشونال ريسورسز هولدينغ» مذكرة تفاهم مع شركتها الشقيقة «إي بوينت زيرو» لخفض الانبعاثات من عملياتها، بدءاً من مناجم «موباني» في زامبيا. وتشمل الخطط المعلنة دراسة استخدام الطاقة المتجدّدة في مواقع التعدين، وتحسين شبكات الكهرباء، والبنية التحتية الذكية، وإعادة استخدام المياه، والحدّ من النفايات، واعتماد مصادر توريد أكثر استدامة. ولا يزال هذا الالتزام في مرحلة مبكرة، لكنه يوضح نوع التدابير التي يمكن للمشغلين المدعومين خليجياً إدماجها على مستوى المشروع.
تحويل رأس المال إلى ثقة
تبني دول الخليج بالفعل حضوراً في أحزمة المعادن الأفريقية، من البوكسيت في غينيا إلى النحاس والكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويمكن لرؤوس أموالها، وقدراتها التقنية وعلاقاتها المباشرة بين الحكومات، أن تجعلها شريكاً أكثر جاذبية للدول الأفريقية التي تسعى إلى زيادة إنتاجها المعدني من دون التخلّي عن القيمة المضافة المحلّية، وفرص العمل اللائقة، وحماية الأراضي والمياه التي تعتمد عليها المجتمعات. لذلك، ينبغي أن يكون الأداء البيئي والاجتماعي من صلب الاعتبارات الاستثمارية، وأن يُدرج في الاتفاقات وخطط المناجم وشروط التمويل من خلال أهداف قابلة للقياس، وتقارير شفّافة، ومتطلّبات قابلة للإنفاذ.
وإذا نُفّذت هذه الالتزامات بمصداقية، فمن المحتمل أن تساعد على ترسيخ القبول المحلّي للمشاريع، وخفض المخاطر التشغيلية والتنظيمية، وتحويل رأس المال إلى علاقات طويلة الأمد. وفي سوق تستطيع فيه الحكومات الأفريقية المفاضلة بين شركاء متعدّدين، ربما تكمن الميزة الأهم لدول الخليج في قدرتها على بناء شراكات موثوقة وطويلة الأمد، تفي بالتزاماتها، وتحقّق قيمة مشتركة للطرفين.