18 سبتمبر 2026. (تصوير: محمد حويس / أ ف ب)

اليمن يختبر اتفاقية مكة: من الوعود إلى التطبيق

وضعت هجمات الحوثيين على السعودية اتفاقية مكّة أمام اختبار مبكر. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ تحويل إعلان سياسي إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ قد يستغرق سنوات من التطوير المتأنّي

28 سبتمبر، 2026
أحمد إردي أوزتورك، حسن سليم أوزيرتم

حوّل التصعيد الأخير في السعودية واليمن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» من إعلان سياسي طموح إلى اختبار فوري للتعاون الأمني الإقليمي. فقد وقّعت السعودية وتركيا وباكستان الاتفاقية في 7 أغسطس، وقدّمتها بوصفها خطوة مهمّة نحو بناء أمن جماعي إقليمي أكثر استقلالاً ومأسسة، يقوم على مبدأ اعتبار أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الموقّعة هجوماً على الجميع. لكن تطوّرات الأسابيع الماضية أظهرت مدى صعوبة الانتقال من إعلان النيات إلى تعاون دفاعي فعلي.

 

تزايد الضغط مع اتساع المواجهة في اليمن والبحر الأحمر. فقد عزّزت حركة «أنصار الله»، المعروفة بالحوثيين، مواقعها على امتداد الساحلين الغربي والشمالي الغربي لليمن، وكثّفت هجماتها على البنية التحتية السعودية وطرق النقل. جاء ذلك في وقت ازدادت فيه أهمّية مسارات التصدير البديلة للمملكة، وفي مقدّمها خط أنابيب «شرق-غرب»، الذي ينقل النفط الخام من مناطق الإنتاج شرقي البلاد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. واستعاد الخطّ أهمّيته الاستراتيجية مع اعتماد الرياض عليه لتجاوز الاضطرابات المرتبطة بالحرب في مضيق هرمز.

 

لكن خط الأنابيب نفسه تعرّض في منتصف سبتمبر لهجوم بمسيّرة أُطلقت من العراق، فعطّل مؤقتاً تدفّقات النفط إلى ينبع. وكشف الهجوم نقطة ضعف بنيوية أوسع: فاللجوء إلى مسارات بديلة لتفادي ممرّ بحري واحد لا يُلغي المخاطر الجيوسياسية، إذا بقيت تلك المسارات ومحطّات التصدير والبنية التحتية عرضة للهجوم. ولم تبدأ السعودية تدخّلها العسكري المباشر في حرب اليمن إلا عام 2015، عندما شرعت في دعم الحكومة المعترف بها دولياً عسكرياً في مواجهة الحوثيين. لكن التطوّرات الأخيرة تجاوزت إطار أزمة إقليمية معزولة. فمع الحصار الإيراني في مضيق هرمز، والحظر الذي يفرضه الحوثيون على باب المندب، والهجمات على البنية التحتية الحيوية في السعودية، تحوّل الوضع إلى اختبار للرياض وحلفائها.

 

 

بنية دفاعية قيد التشكّل

 

أظهرت استجابة تركيا في آنٍ واحد أهمّية إطار اتفاقية مكة وحجم الغموض الذي لا يزال يحيط بها. ففي 19 سبتمبر، قال وزير الخارجية هاكان فيدان إن أنقرة تعدّ التهديدات التي تطال سلامة أراضي السعودية وسيادتها خطيرة، وأكّد استمرار التزام تركيا بتعهّداتها في إطار التحالف. وأوضح أن الرياض قد تكون لديها احتياجات عسكرية، وخصوصاً في المجالات التقنية، وأن تركيا مستعدة لتلبيتها. وكان للتصريح وزن سياسي لأنه أشار إلى أن أنقرة لا تنظر إلى الاتفاق بوصفه رمزياً فحسب. لكن لا ينبغي فهم كلام فيدان تلقائياً على أنه مؤشّر إلى استعداد تركيا لإرسال قوات قتالية إلى السعودية أو اليمن. فالتمييز بين المساعدة العسكرية والتدخل العسكري المباشر أساسي، ولا سيما في أزمة تتقاطع مع مواجهة أوسع تشمل إيران والولايات المتّحدة وعدداً من القوى الإقليمية.

 

تفرض الاعتبارات القانونية والمؤسّساتية بدورها قدراً من الحذر. فالنظام الدستوري التركي يشترط عادة موافقة البرلمان على نشر القوات المسلّحة خارج البلاد، فيما تخضع الاتفاقات العسكرية الدولية لإجراءات التصديق. ولم يُطرح حتى الآن أي تفويض برلماني لنشر قوات جديدة مرتبطة بالأزمة السعودية الحالية. ولا يمنع ذلك أنقرة من تقديم أسلحة أو دعم تقني أو أشكال أخرى من المساندة، لكنه يبرز الفرق بين التضامن بين الحلفاء والتدخل العسكري التلقائي. وقد يصبح هذا الفرق إحدى السمات التي تحدّد طبيعة اتفاق مكة خلال سنواته الأولى.

 

أما موقف باكستان فيختلف عن الموقف التركي. فالحكومة الفدرالية تستطيع توقيع المعاهدات ونشر القوات في الخارج من دون موافقة البرلمان، لكنها طلبت موافقته عام 2015 بعدما طلبت السعودية إرسال قوات مقاتلة إلى اليمن. وبعد نقاش استمر خمسة أيام، صوّت النواب لمصلحة الحياد، مستندين إلى الانقسامات الطائفية الداخلية والحاجة إلى موازنة العلاقات مع إيران. ومع ذلك، نشرت باكستان في مايو 2025 ثمانية آلاف جندي و16 طائرة بموجب «اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل» لعام 2025. وفي 16 سبتمبر، جدّد وزير الدفاع خواجة آصف التزام بلاده بالدفاع عن السعودية ومكة والمدينة، مع بقاء إسلام آباد حذرة من الانخراط المباشر في اليمن بقوّات هجومية.

 

إنّ مصداقية أي منظومة للأمن الجماعي لا تُقاس بمدى سرعة إرسال دولة جنوداً فور تعرّض دولة أخرى لهجوم. فالتحالفات تعمل عبر مستويات متعدّدة من الالتزام، تبدأ بالتشاور السياسي والتعاون الاستخباراتي، وتمرّ بالخدمات اللوجستية والدفاع الجوي والمشتريات العسكرية، وصولاً إلى المشاركة المباشرة في القتال. لذلك لا يواجه حلفاء اتفاق مكة سؤالاً عمّا إذا كانوا سيقاتلون معاً فحسب، بل أيضاً كيف سيحدّدون أشكال المساعدة المختلفة التي يمكن أن يشملها الدفاع الجماعي. ومن هذه الزاوية، لا يزال الاتفاق في طور بناء مؤسّساته.

 

وبدأت الدول الثلاث فعلاً بناء هذه المؤسّسات. ففي 31 أغسطس، اجتمع في اسطنبول وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان للدول الثلاث، في أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية التي أنشئت ضمن الإطار الجديد. وقرّر المجتمعون إنشاء أمانة دائمة في السعودية، وتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية، وتعزيز التماسك العسكري، وتوسيع التنسيق في مجالي التكنولوجيا والأمن. وتكشف هذه الخطوات أن الدول الموقّعة تدرك أن المعاهدة وحدها لا تكفي لإنشاء تحالف قادر على العمل. فالدفاع الجماعي يحتاج إلى إجراءات للتشاور، وآليات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وسلاسل قيادة متفق عليها، وقدرة على التشغيل المشترك، وتخطيط وتمارين مشتركة، وترتيبات لوجستية، وربّما الأهم، إلى تفاهم مشترك بشأن متى وكيف تُفعّل الالتزامات الجماعية.

 

في هذا السياق، توفّر تجربة حلف شمال الأطلسي في سنواته التأسيسية مقارنة تاريخية مفيدة، خصوصاً أن حلفاء اتفاق مكة أنفسهم يستشهدون بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو. فقد بدأت الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية بناء ترتيبات تحالفية مع معاهدة دونكيرك عام 1947، ثم معاهدة بروكسل عام 1948، قبل توقيع معاهدة شمال الأطلسي في واشنطن في 4 أبريل 1949 ودخولها حيز التنفيذ في 24 أغسطس من العام نفسه. لكن البنية العسكرية المرتبطة بالناتو اليوم لم تتشكّل بمجرّد دخول المعاهدة حيز التنفيذ. فقد أمضى الحلف سنواته الأولى في إنشاء قيادة متكاملة وهياكل للتخطيط العسكري ومؤسّسات دائمة. وفي عام 1950، بدأ مجلس شمال الأطلسي العمل على إنشاء قوّة عسكرية متكاملة، ثم أصبح الجنرال الأميركي دوايت أيزنهاور أول قائد أعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، ودخل مقرّ هذه القيادة الخدمة في العام التالي. ولم تُفعّل المادة الخامسة رسمياً إلا مرّة واحدة، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، لكن أهمّيتها الردعية استندت طوال عقود إلى المؤسّسات والقدرات والتوقّعات التي بُنيت حولها. فلا يصبح بند الدفاع الجماعي ذا معنى فعلي إلا عندما يبني أعضاؤه البنية السياسية والعسكرية اللازمة لجعل الالتزام به ذا صدقية.

 

 

بين التضامن السياسي والالتزام العسكري

 

واصل أعضاء اتفاقية مكة التشاور الوثيق منذ بداية التصعيد الأخير في اليمن والسعودية. وفي 21 سبتمبر، اجتمع وزراء خارجية تركيا والسعودية وباكستان ومصر في نيويورك ضمن صيغة «الرباعية الإقليمية» التي أُنشئت قبل توقيع اتفاق مكة. واكتسب هذا الحوار دلالة خاصة لأنه جرى في ذروة التوتر الحالي، ولأنه يشير إلى ملامح مشهد أمني إقليمي ناشئ لا يقوم على مؤسّسة واحدة، بل على آليات متداخلة للتشاور والتعاون. ففي أوقات الأزمات، لا يقل النشاط الدبلوماسي أهمّية عن الإشارات العسكرية.

 

ما زالت مصر حالياً خارج اتفاقية مكة، لكن مشاركتها في إطار «الرباعية الإقليمية» تضيف بُعداً سياسياً إلى النقاش الإقليمي واسع النطاق. وتُطرح مصر بوصفها عضواً محتملاً في الاتفاق، فيما يعكس الحوار المستمرّ بين القوى الإقليمية بحثاً عن استراتيجية تحوّط للأمن الإقليمي. وقد يتبلور النظام الأمني المقبل عملياً في صورة ترتيبات متداخلة، إحداها للدفاع الجماعي، وأخرى للتشاور السياسي،  إلى جانب أطر للأمن البحري والتعاون الاستخباراتي ودبلوماسية الأزمات والتنسيق في الصناعات الدفاعية. وقد يكون مثل هذا النموذج أكثر واقعية للشرق الأوسط من محاولة بناء تحالف واحد شديد المركزية.

 

يطرح الاضطراب الأمني الذي تواجهه السعودية اليوم سلسلة من الأسئلة سيُضطر الموقّعون على اتفاق مكة، عاجلاً أو آجلاً، إلى الإجابة عنها بدقة أكبر. كيف سيحدّدون الجهة المسؤولة عندما تنطلق الهجمات من أراضٍ متنازع عليها أو تنفّذها قوى بالوكالة؟ وكيف سيردّ الأعضاء إذا اتفقوا على أن إحدى الدول تعرّضت لهجوم، لكنهم اختلفوا على الردّ العسكري المناسب؟ وكيف سيُطلب من الدول الحليفة تقديم المساعدة عندما تتعرّض إحدى الدول الأعضاء لهجوم؟

 

إنّ الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة يكمن في قدرته على الانتقال من التوجّه الاستراتيجي إلى منظومة أمنية فاعلة. وتشير استعدادات تركيا لتقديم مساعدة عسكرية، ودعم باكستان لأمن السعودية، والخطط الموضوعة للتنسيق الدائم، إلى أن الإطار بدأ يكتسب مضموناً عملياً. لكن الأزمة الحالية تكشف في الوقت نفسه عن الفجوة بين التضامن السياسي والدفاع الجماعي المؤسّسي.

 

ولا شكّ أن اتفاقية واحدة لا تكفي لردم هذه الفجوة. بل يتطلّب ذلك آليات واضحة وثابتة للتشاور وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والدفاع الجوي والصاروخي، والتشغيل المشترك، وإدارة الأزمات. لذلك ستعتمد أهمّية الاتفاق بدرجة أقل على أي تحرّك عسكري لافت، وبدرجة أكبر على قدرة أعضائه على تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة مستدامة.

 

الإطار قائم الآن. والتحدّي هو تحويل التضامن إلى إجراءات، والإجراءات إلى قدرة، والقدرة إلى ردع ذي صدقية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: المملكة العربية السعودية، اليمن، تركيا

المؤلّفون

محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان
محاضر أول في السيا محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان. سة والعلاقات الدولية في جامعة لندن متروبوليتان.
مدير الأبحاث في شركة أوسال للاستشارات
حسن سليم أوزيرتم هو مدير الأبحاث في شركة أوسال للاستشارات.