قد يكون المكان الجغرافي الأنسب لفهم مآلات الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة هو القدس والضفة الغربية وغزة، حيث ستُترجم نتائجها إلى سلطة وحكومة ومؤسسات. لكن النظر إلى هذه الانتخابات من مخيمات لبنان يكشف وجهًا آخر، وربما أكثر تعقيدًا، لهذا الاستحقاق.
وهنا لا بد منذ البداية من التمييز بين مسارين انتخابيين مختلفين وإن كانا مترابطين: انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، المقررة في 28 نوفمبر 2026، مع بقاء احتمال عدم إجرائها قائماً؛ وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقرر إجراؤها في الأول من نوفمبر حيثما كان ذلك ممكناً.
وفيما يُعدّ المجلس التشريعي مؤسسة تشريعية ورقابية في بُنية السلطة الفلسطينية، وترتبط انتخابات أعضائه بالحُكم داخل الأراضي الفلسطينية. يُمثل المجلس الوطني الفلسطينيين في الداخل والخارج والشتات، بوصفه الهيئة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويتداخل المجلسان مؤسسياً من خلال عضوية أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين في المجلس الوطني، مع اختلاف وظيفة كلٍّ منهما واختصاصاته عن الآخر.
التمييز بين المجلس التشريعي والوطني من زاوية لبنانية مهم. فاللاجئ الفلسطيني في لبنان لا ينتخب حكومة تدير شؤون البقعة الجغرافية التي يعيش على أرضها، ولا سلطة تمارس السيادة فوقه، إذ تبقى السيادة للدولة اللبنانية. لكنه مدعو إلى المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحسب الآلية المعتمدة في إعادة تشكيل المجلس الوطني الذي يفترض أن يُمثله سياسياً كمؤسسة.
لذا، يُنظر إلى هذا الاستحقاق في المخيمات الفلسطينية في لبنان لا بوصفه مجرد عملية اقتراع، بل كسؤال يمسّ التمثيل والشرعية والمسؤولية. خصوصاً في إطار النقاشات الحالية التي تُجريها الدولة اللبنانية بشأن صيغة جديدة لحوكمة المخيمات التي تفترض وجود مرجعية فلسطينية شرعية ومتمكنة، وذلك على الرغم من أن السلطة الفلسطينية نفسها تواجه أزمةً تمسّ قدرتها على الاستمرار؛ وتعرّض وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) لضغوط تطال دورها ومستقبلها.
فما يجري في فلسطين اليوم، لا يقتصر على البحث عن حكومة جديدة، بل يشكّل محاولةً ربما تكون الأوسع منذ عقدين لإعادة بناء نظام سياسي فلسطيني تفكّك بين سلطتين، وجغرافيتين، ومرجعيات متعددة، وسينعكس بتداعياته على الفلسطينيين في الشتات أيضاً.
ومن ثمّ، فإن نتائج هذين الاستحقاقين لن تبقى محصورة داخل الأراضي الفلسطينية، بل ستحدد أيضاً طبيعة المرجعية التي تمثل اللاجئين وتشارك الدولة اللبنانية في إدارة ملف المخيمات.
محاولة إعادة إنتاج الشرعية
يقف الفلسطينيون خريف هذا العام أمام استحقاقين انتخابيين، ولكنهم في الحقيقة يقفون أمام محطة مفصلية لإعادة إنتاج مؤسسات السلطة، ومنظمة التحرير، ومصادر الشرعية، وما إذا كانوا سينجحون، بعد عشرين عامًا من الانقسام وحرب مدمرة، في إنتاج مؤسسة سياسية تستطيع أن تتحدث باسم شعب فلسطيني واحد.
تأتي هذه الانتخابات بعد حرب غيّرت ملامح غزة، وموازين القوى فيها، وفي ظل أزمة عميقة للسلطة وتحوّلات داخل الفصائل. لذلك سيكون من غير الصواب التعامل معها باعتبارها نسخة متأخرة من انتخابات 2006. فحماس التي انفردت بحكم غزّة منذ 2007 بعد فوزها بالانتخابات آنذاك، تدخل استحقاق عام 2026 في ظروف مختلفة جذريًا عما كانت عليه، مع انتهاء نموذج إدارتها المنفردة للقطاع. لكن خروجها من الحكم المنفرد لا يعني خروجها من السياسة. بل إن المؤشرات قد توحي باتجاه معاكس.
وثمة اتصالات لتشكيل ائتلاف انتخابي واسع يضمّ كُلّ من: حماس والجهاد الإسلامي وتيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان وقوى أخرى. وما زالت المعلومات المتداولة عن الشكل النهائي لهذا التحالف متباينة، ولذلك الأدق التعامل معه كعملية تفاوض لم تكتمل بعد، لا كقائمة انتخابية نهائية. في المقابل تحرّكت فتح تجاه قوى كانت على خصومة معها، وخصوصاً تيار دحلان، وحاولت استعادة الحوار مع قوى أخرى.
قد لا تكون انتخابات 2026 مواجهة جديدة بين فتح وحماس، بل هي أقرب إلى إعادة فرز أوسع للنظام الحزبي الفلسطيني. فالمعضلة لم تعد فقط كيف تنتهي سلطة حماس في غزة، بل كيف يمكن إنهاء الانقسام الفلسطيني من دون إخراج قطاع واسع من الفلسطينيين من النظام السياسي، وكيف يمكن ضمان سلامة عملية خروج السلاح تدريجيًا من معادلة السلطة، وانتقالها بسلاسة إلى صناديق الاقتراع والمؤسسات دون إحداث تصدّعات جديدة؟ فآثار إعادة الفرز لن تقف عند حدود السلطة الفلسطينية، إذ ستنعكس أيضاً على تركيب المجلس الوطني وعلى موازين القوى داخل المرجعيات الفلسطينية في لبنان.
المطلوب: مركز سياسي وطني فاعل
في هذا الإطار، برزت القاهرة كأكثر من مجرد مكان لاجتماعات الفصائل. ويبدو أنّ الهدف المصري الأعمق يكمن في منع الحرب من إنتاج نظامين فلسطينيين دائمين واحد في غزة والآخر في الضفة. تتكامل هذه الاجتماعات مع الجهود العربية والإقليمية حيث
تسعى قطر وتركيا عبر قنوات الاتصال الدبلوماسية مع حماس لمساعدتها على الانتقال من حالة السلطة المنفردة إلى مكوّن داخل ترتيب فلسطيني أوسع. أما أبو ظبي، فقد تحركت في مساعيها عبر نافذة دحلان، من دون أن يعني ذلك أن التحالفات الجارية ستكون من صنيعة دولة معينة دون أخرى. بدوره، يُسهم الأردن في هذه التحركات من بوابتي الضفة والقدس، فيما تركز السعودية على بقاء المسار الفلسطيني مرتبطًا بأفق الدولة.
هذه العواصم العربية لا تُشكّل محورًا واحدًا، لكنها تلتقي بدرجات مختلفة على أنه لا يمكن إعادة الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب على غزّة: لا حُكم منفرد لحماس، ولا غزة منفصلة بصورة دائمة، ولا سلطة فلسطينية مُنهكة تستطيع وحدها إعادة تركيب النظام. ولكن المطلوب في نهاية المطاف، مركز سياسي فلسطيني قابل للحياة. ومن هنا تكتسب الانتخابات الفلسطينية معناها الأوسع في الداخل والخارج. وفي لبنان تحديداً، ستُقاس فاعلية هذا المركز بقدرته على إنتاج مرجعية ممثلة وقادرة على تحمّل مسؤولياتها السياسية والتنظيمية تجاه اللاجئين والمخيمات.
التجميع في مواجهة التفكيك
على الرغم من هذه التحركات الداخلية والإقليمية لإعادة بناء مركز سياسي فلسطيني فاعل، تدفع التحولات الميدانية نحو مزيد من التفكيك. فالتقاطع الأمريكي–الإسرائيلي في عدد من الأهداف الاستراتيجية يتجدد، وقد ظهر بوضوح منذ ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى في القدس والجولان، واتسع اليوم مع الدور الأمريكي المباشر في ترتيبات ما بعد حرب غزة. ولا يعني ذلك تطابقًا كاملًا بين واشنطن وتل أبيب، لكن هناك تقاطع واسع على الغايات، مع خلافات تظهر أحيانًا حول الوسائل، والتوقيت، وحدود استخدام القوة.
كذلك، تتعرض المقوّمات التي يفترض أن يقوم عليها النظام الفلسطيني لضغوط متزايدة. ففي الضفة، حذّرت الأمم المتحدة من تصاعد الاستيطان وعنف المستوطنين والتهجير، ومن وصول السلطة الفلسطينية نفسها إلى حافة الانهيار. وفي القدس الشرقية دخلت السلطات الإسرائيلية بالقوّة مركز قلنديا للتدريب التابع للأونروا، وطالبت الأمم المتحدة بوقف محاولات الاستيلاء على مرافق الوكالة أو السيطرة عليها.
هذه ليست ملفات منفصلة. فالسلطة الفلسطينية رغم أزمتها ومكامن ضعفها، تُشكّل أحد أطر الدولة الممكنة، وإحدى الجوانب الرئيسية المطلوبة لمسألة الجغرافيا المتصلة كشرط للدولة، والقدس جزء من مركزها السياسي والرمزي، والأونروا تحفظ إلى جانب خدماتها جانبًا من الإطار الدولي لقضية اللاجئين، وتُعتبر الانتخابات مصدراً رئيسياً للشرعية الشعبية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: في اللحظة التي يحاول فيها الفلسطينيون إعادة تجميع نظامهم السياسي، تتعرّض الجغرافيا والمؤسسات التي يفترض أن يقوم عليها هذا النظام لمزيد من التفكيك. يعيش جزءًا أساسيًا من الشعب الفلسطيني أصلًا خارج هذه الجغرافيا، ومن بينهم اللاجئين في لبنان. لذلك لا يُعدّ تمثيل اللاجئين في لبنان مسألةً هامشية في عملية إعادة بناء النظام السياسي، بل اختبارًا لقدرته على جمع الداخل والشتات ضمن شرعية سياسية واحدة.
حوكمة المخيمات
يتألف المجلس الوطني الذي يمثل الفلسطينيين في الشتات من 350 عضوًا، 200 منهم يمثلون الأراضي الفلسطينية، و150 يمثلون الخارج والشتات، منهم 18 عضوًا حصة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وينصّ نظام المجلس الوطني على الاقتراع المباشر والتمثيل النسبي حيث يكون ذلك ممكنًا، وعلى المجمع الانتخابي كنظام لتوزيع الأصوات، أو على التوافق عندما يتعذّر الاقتراع المباشر.
وقد خلصت لجنة المتابعة في لبنان إلى أن العقبات السياسية واللوجستية تحول دون الانتخابات الحرة والمباشرة، واعتمدت خيار «المجمع الانتخابي» لاختيار الممثلين الفلسطينيين على الساحة اللبنانية، ومن المقرر عقده في أكتوبر2026. وهذا يضع الفلسطينيون في لبنان في قلب سؤال الشرعية، خاصة وأن هذا المجمع الانتخابي قد شُكِل من خارج التوافق العام.
كذلك، يحتاج اللاجئون افي لبنان إلى ثلاث مؤسسات لا تستطيع إحداها الحلول مكان الأخرى: دولة لبنانية تحمل السيادة والقانون ومسؤولية الحقوق، وأونروا توفر جزءًا أساسيًا من التعليم والصحة والإغاثة وتحفظ الإطار الدولي للجوء، ومرجعية فلسطينية تمثله وتتحمل مسؤوليات سياسية وتنظيمية ومالية.
من هذا المنطلق تكتسب الخطة المقترحة لحوكمة المخيمات في لبنان أهمية تتجاوز حفظ الأمن. لأنها تجعل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير المرجعية الرسميةاللجان الشعبية، وتتحدث عن موازناتها التشغيلية وتمويل مشاريعها، فيما تتولى الدولة اللبنانية إدارة المخيمات في إطار سيادتها بالتعاون مع المرجعية الفلسطينية واللجان الشعبية. كما تجعل رواتب ومخصصات كوادر هذه اللجان على عاتق الجهات الرسمية الفلسطينية. وتقترح الخطة أيضاً الانتقال من تعيين رؤساء وأعضاء اللجان الشعبية من القوى النافذة إلى انتخابهم من سكان المخيمات.
في هذا الجزء، تظهر العلاقة بين الانتخابات وحوكمة المخيمات التي تحتاج إلى شريك فلسطيني شرعي. وعليه، تبرز أهمية إيجاد الأجوبة عن هذه التساؤلات: من ينتج شرعية هذا الشريك؟ وكيف يمكن تجديد التمثيل في قاعدة المخيم عبر انتخاب اللجان الشعبية، فيما تبقى مؤسسة التمثيل في القمة بلا تجديد؟ وإذا دخلت حماس والجهاد وقوى أخرى في بنية جديدة للمجلس الوطني ومنظمة التحرير، فهل تبقى خريطة المرجعيات الفلسطينية في لبنان كما هي؟
حقوق دون مقايضة
غير أن شرعية المرجعية الفلسطينية لا تُقاس بطريقة اختيارها وحدها، بل أيضاً بقدرتها على حماية حقوق اللاجئين ومنع اختزال قضيتهم في إدارة أمنية أو خدمية للمخيمات.
لذلك، يظهر اعتراض فلسطيني مشروع على مقاربة الحوكمة نفسها، المخيم ليس اللاجئ، واللاجئ ليس المخيم. الفلسطينيون في لبنان يعيشون في المخيمات، والتجمعات، والمدن، والبلدات. واختزال قضيتهم بإدارة مساحة جغرافية قد يحول قضية سياسية وحقوقية إلى ملف أمني وإداري. كما أن الحقوق لا ينبغي أن تصبح مقابلًا لتسليم السلاح. فحق الدولة اللبنانية في السيادة واحتكار الأمن لا يُحوّل حق الفلسطيني في العمل والتعليم والصحة والكرامة الإنسانية إلى مكافأة مقابل تنازل أمني. وفي المقابل، لا تستطيع خصوصية قضية اللجوء الفلسطيني أن تكون مبررًا لوجود سلطة أمنية مستقلة عن الدولة اللبنانية. وهذا تحديدًا جوهر الاعتراض الفلسطيني الذي ظهر أخيرًا على مقاربة الحوكمة.
المعادلة الأصعب تكمن إذن في: سيادة لبنانية كاملة لا تلغي خصوصية قضية اللاجئين، وحقوق فلسطينية لا تنتقص من سيادة الدولة. لكن اللافت أن الدولة اللبنانية ومنتقدي خطة الحوكمة يصلون، من طريقين مختلفين، إلى المشكلة نفسها. الدولة اللبنانية تحتاج إلى شريك فلسطيني شرعي وموحد، والمعترضون الفلسطينيون يطالبون هم أيضًا بمرجعية وطنية فلسطينية موحدة وتمثيل ديمقراطي ومشاركة أوسع.
ثلاثة أضلاع متكاملة
تبقى الأونروا الضلع الثالث. فالخطة اللبنانية نفسها تفترض استمرار دورها الاجتماعي والإنساني والإغاثي إلى جانب الدولة والمؤسسات الفلسطينية، بالتزامن مع تحمّل الدولة اللبنانية السيادة والقانون، وتحمّل المرجعية الفلسطينية التمثيل السياسي وجزءًا من المسؤولية التنظيمية والمالية. وهذا ما يجعل لبنان اختبارًا لمعنى الانتخابات نفسها.
الخلاصة أنّ الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار الانقسام بين فتح وحماس، أو إعادة إنتاجه في تحالفات جديدة تضمّ تيار دحلان وقوى أخرى، بل في تحوّل غزة والضفة والقدس والشتات تدريجيًا إلى قضايا منفصلة، لكلّ منها إدارة وممول ووسيط وحل مختلف.
في حال استطاعت الانتخابات أن تُعيد وصل شرعية الحكم بشرعية التمثيل، فلن تكون مجرد عودة إلى صناديق الاقتراع بعد عقدين. ستكون بداية محاولة لإعادة جمع ما فككته الحرب والانقسامات والجغرافيا: النظام السياسي الفلسطيني، والشعب الذي يفترض أن يمثله.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.