الخليج على أعتاب خريطة نووية جديدة

يُمثل توقيع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لاتفاقية التعاون النووي السلمي واحدة من أبرز التحولات الاستراتيجية التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة. والمسألة هنا لا تنحصر في بناء مفاعلات أو نقل تقنيات متقدمة، بل تتعدى ذلك إلى بلورة صياغة قواعد اللعبة النووية في المنطقة بأكملها.

28 يوليو، 2026
خالد الجابر

يأتي توقيع اتفاقية التعاون النووي السلمي بين الرياض وواشنطن في سياق تعزيز التعاون بين الجانبين في قطاع الطاقة وتنويع مصادرها والتأكيد على الالتزام بأعلى معايير السلامة النووية، إلا أن هذه الاتفاقية تُشكّل بلا شك إعادة لتعريف العلاقة الدقيقة بين متطلبات منع الانتشار النووي في المنطقة وحسابات التحالفات السياسية، كما يضعها في سياق التنافس الأميركي–الصيني المتصاعد على النفوذ  السياسي والاقتصادي في الخليج.

 

وعلى الرغم من أن النصّ القانوني الكامل للاتفاقية لم يُنشر بعد، وما زال الكونغرس الأميركي يراجع بنودها، تُشير المؤشرات المتاحة إلى تحوّل لافت في التوجه الأميركي، إذ  تبدي واشنطن استعدادًا لتبنّي صيغة أكثر مرونة من “المعيار الذهبي” الذي يحظر تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي ​المستنفد، وهما التقنيتان اللتان قد تُمكنّان أي دولة من السعي نحو تطوير أسلحة نووية. في المقابل، وقّعت الإمارات العربية المتحدة على هذا المعيار في عام 2009 وفق “اتفاقية 123“، بما يُشير إلى أنّ الاتفاق الحالي مع المملكة قد يفتح المجال أمام الرياض لتطوير برنامج نووي متقدم دون اضطرارها للتنازل المسبق عن خيار تخصيب اليورانيوم.

 

هذا التحوّل يتجاوز حدود التعاون المشترك بين البلدين وتبادل الخبرات التقنية، فهو يمهّد لصياغة توازن القوى النووية في الشرق الأوسط برمته، ويُؤثر مباشرة في الاعتبارات الأمنية التي تنطلق منها إيران وإسرائيل في البحث عن النفوذ، وقد يدفع قوى إقليمية أخرى إلى المطالبة بترتيبات مماثلة.

 

 

تداعيات الاتفاق على دول الخليج

 

قد لا تكون النتيجة الأهم لهذا الاتفاق محصورة في تطوير العلاقة الاستراتيجية الأمريكية-السعودية، وفي موازين القوى بمنطقة الشرق الأوسط، بل فيما يمكن أن يطلقه من ديناميكيات جديدة داخل مجلس التعاون الخليجي. فمن المتوقع أن تتعامل الدول الخليجية الأخرى مع الاتفاق كسابقة سياسية وقانونية قابلة للبناء عليها في علاقاتها مع الدول الكبرى ولا سيّما الولايات المتحدة، لا كاستثناء يشمل الرياض وحدها. وإذا حصلت السعودية على اتفاق تعاون نووي مع الولايات المتحدة يتسم بقدر أكبر من المرونة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق إقليمي للمطالبة بترتيبات نووية مماثلة، مدفوعًا باعتبارات سياسية وأمنية.

 

من هذا المنطلق، قد تجد الإمارات نفسها أمام مفارقة استراتيجية حقيقية، فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي وافقت على “المعيار الذهبي” الأميركي، متنازلة عن حقها في التخصيب وإعادة المعالجة. فإذا حصلت السعودية على شروط أكثر مرونة فيما يتعلق بهذا المعيار، فقد يُعيد ذلك فتح النقاش حول جدوى النموذج الإماراتي في تطوير سياسة الطاقة النووية، وما إذا كان هذا الاستثناء دائمًا أم مجرّد خطوة في المسار الأمريكي الحالي نحو تفعيل تنشيط صناعة الطاقة النووية الأمريكية. أما الكويت، التي جمّدت برنامجها النووي عقب كارثة فوكوشيما في 2011، فقد تجد نفسها مضطرة لإعادة النظر في موقفها، خصوصًا مع تصاعد الطلب على الكهرباء وتحلية المياه وتزايد الحاجة لتنويع مصادر الطاقة، خصوصاً في ظلّ التداعيات التي تواجهها جرّاء استهداف هذه محطات  الطاقة لديها خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية. فهذه العوامل قد تجعل الخيار النووي أكثر جاذبية اليوم من أي وقت مضى.

 

من جهتها، لطالما دعت قطر إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط وإلى وضع إطار إقليمي للسلامة النووية، وضرورة الالتزام بتدابير الضمانات الشاملة في مجال تطوير برامج الطاقة النووية السلمية. وفي الإطار نفسه، تبذل الدبلوماسية القطرية مساعيها في المشاركة بالنقاشات الدولية ذات الصلة باستخدام الطاقة النووية في مجال معالجة أزمة التغير المناخي، وهي تمتلك المقومات الاقتصادية التي تؤهلها للدخول في البرامج النووية المدنية واسعة النطاق كجزءٍ من الحوار العالمي بشأن عمليات التحوّل إلى الطاقة المستدامة، والإسهام في تحقيق صافي الانبعاثات الصفرية، وتوسيع القدرات الوطنية في تطبيقات التكنولوجية النووية السلمية في مجالات الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية وغيرها من المجالات. فضلاً عن ذلك، ترتبط قطر بعلاقات استراتيجية عميقة مع واشنطن، من خلال استضافتها لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، ما يمنحانها موقعاً تفاوضياً قوياً إذا قررت السير في هذا الاتجاه لتحقيق أهدافها في مجال تنويع مصادر الطاقة بعد عصر الهيدروكربونات.

 

أما عُمان، التي وإن كانت تنتهج سياسة خارجية أكثر حذرًا وتوازنًا، فلديها دوافع مختلفة قد تقودها لاستكشاف اتفاقيات نووية مماثلة، خاصة في مجالات المفاعلات الصغيرة المعيارية، وتحلية المياه، وإنتاج الهيدروجين الأخضر. ويُشكّل موقعها الجغرافي على بحر العرب، إلى جانب استراتيجيتها وخططها في مجال التوسع بمشروعات الطاقة المتجددة، فرصة للتحوّل إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، وهو ما يجعل من التقنية النووية المدنية خيارًا طويل الأمد يستحق الدراسة الجادة، وذلك على الرغم من التصريحات العمانية التي تؤكد ثابت موقف مسقط الذي تستبعد فيه خيار الطاقة النووية، ويستند هذا الموقف إلى اعتبارات رئيسية تشمل وفرة البدائل، وارتفاع الكلفة، وصعوبة إدارة المخاطر.

 

نحو سوق نووية خليجية

 

من غير المرجح أن يتحوّل الاتفاق النووي الأمريكي-السعودية إلى أرضية تنافسية لسباق تسلح نووي خليجي، فدول المنطقة ما زالت ملتزمة بمعاهدة عدم الانتشار النووي، كما أن أولوياتها التنموية والاقتصادية تتناقض جذريًا مع أي سباق للتسلح العسكري. لكن المتوقع فعليًا هو سباق مختلف: سباق على امتلاك التقنية النووية المدنية، وبناء الكوادر البشرية المتخصصة في هذا المجال، وتطوير الصناعات المرتبطة بها، وتعميق المعرفة في دورة الوقود النووي.

 

بهذا المعنى، ينتقل التنافس الخليجي من سباق تقليدي على إنتاج النفط والغاز إلى سباق أكثر تعقيدًا على التقنيات المتقدمة التي ستحدد موقع كل دولة في اقتصاد ما بعد النفط.

 

وإذا اتسعت دائرة هذه الاتفاقيات في السنوات المقبلة، فقد يتحول الخليج إلى واحد من أكبر أسواق الطاقة النووية المدنية عالميًا خلال العقدين القادمين. ولن يبقى التنافس محصورًا في الشركات الأمريكية، بل سيمتد إلى فرنسا وكوريا الجنوبية، وربما اليابان، في وقت ستحاول فيه الصين وروسيا الحفاظ على موطئ قدم في الجوانب الأقل حساسية من الصناعة النووية.

 

عند تلك اللحظة، سيتغير السؤال المطروح جذريًا، إذ سيتحوّل من “هل تمتلك هذه الدولة الخليجية برنامجًا نوويًا؟”، إلى “أي نموذج نووي ستتبناه، ومن سيكون شريكها الاستراتيجي في بنائه؟”. وهذا يعني أن الاتفاق الأميركي- السعودي ربما لا يمثل نهاية المفاوضات النووية في الخليج، بل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها التعاون النووي عمودًا رئيسيًا من أعمدة الشراكات الاستراتيجية بين دول المنطقة والقوى الكبرى.

 

وبذلك، قد يتحول الاتفاق من إنجاز ثنائي بين واشنطن ودولة خليجية إلى نقطة انطلاق لإعادة رسم الخريطة النووية الخليجية بأكملها، بحيث تتحرك هذه المنطقة تدريجيًا من الاعتماد شبه الكلي على النفط والغاز نحو منظومة طاقة أكثر تنوعًا، ومن التنافس على الموارد الطبيعية إلى التنافس على التكنولوجيا والمعرفة. وفي نهاية المطاف، لن يكون الأثر الأكبر لهذا الاتفاق هو عدد المفاعلات التي ستُبنى، بل لبلورة تعريف مستقبل الطاقة والأمن والتوازنات الاستراتيجية في الخليج لعقود مقبلة.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: المملكة العربية السعودية

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading الخليج على أعتاب خريطة نووية جديدة