في الساعات الأولى من السابع من تمّوز، وفي أخطر الحوادث البحرية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية، أصاب صاروخ مضاد للسفن ناقلة الغاز الطبيعي المسال «الركيات» أثناء خروجها من مضيق هرمز، ما أدّى إلى اندلاع حريق في غرفة محركاتها. ترقّبت المنطقة مصير هذه السفينة لساعات، وسط مخاوف من أن تتحوّل هذه الناقلة ومن عليها، إلى ضحية أخرى من ضحايا هذه الحرب.
تعود ملكية «الركيات» إلى شركة النقل «ناقلات»، المملوكة بغالبيتها لدولة قطر، والتي بدورها أدّت دوراً واسعاً في تيسير المفاوضات بين واشنطن وطهران. وقد وقع الهجوم بعد ثلاثة أسابيع من بدء وقف إطلاق النار الذي أسفرت عنه تلك المفاوضات.
في غضون ساعات، أوضح التلفزيون الرسمي الإيراني أنّ السفينة تجاهلت تحذيرات متكرّرة بالابتعاد عن المسار الجنوبي عبر هذا الممر البحري الحيوي عالمياً، (وقد أعلن الحرس الثوري الإيراني حظر المرور في هذا المسار، الذي يحاذي ساحل عُمان). هكذا، جاء تفسير دوافع الهجوم من دولة نفت أي ضلوع لها فيه. في الوقت نفسه، رفضت وزارة الخارجية الإيرانية، الموقف القطري الذي حمّل إيران “المسؤولية القانونية الكاملة عن هذا الاعتداء وما قد يترتب عليه من أضرار وتداعيات”، ووصفت ذلك بأنه موضع شك ومخالف لمبدأ حسن الجوار. ليأتي الاعتراف عبر قناة معينة، والنفي عبر أخرى.
قد يكون من المثير للاهتمام تفسير هذا المشهد بوصفه تخبّطاً داخل نظام يشهد انتقالاً عنيفاً في قيادته. غير أن السوابق تشير إلى خلاف ذلك. ففي حزيران 2019، تعرّضت ناقلات في خليج عُمان لهجمات بألغام بحرية لاصقة، ونفت طهران تورّطها حتى بعدما أظهرت تسجيلات مصوّرة أفراداً من الحرس الثوري الإيراني ينتزعون لغماً لم ينفجر من هيكل إحدى الناقلات. وبعد ثلاثة أشهر، ضربت صواريخ جوّالة وطائرات مسيّرة محطتي بقيق وخريص السعودية، فخفّضت قدرة السعودية على معالجة النفط إلى النصف. تبنّى الحوثيون في اليمن هذا الهجوم، فيما تتبّع المحقّقون مصدر الأسلحة وصولاً إلى إيران. في المقابل، أنكرت طهران ذلك، ومضى دبلوماسيوها في نيويورك بالحديث عن السلام الإقليمي.
هنا، يستحقّ هجوم بقيق التوقف عنده. فبعد مرور أسابيع على هذا الحدث، عرض الرئيس حسن روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة لإطلاق حوار أمني إقليمي شامل، فيما كانت أسلحة الدولة التي يُمثّلها تُقدّم دليلاً عملياً لجيرانها على القيمة الحقيقية لتطميناتها. وفي كانون الثاني 2020 أنكرت طهران أيضاً لأيام مسؤوليتها عن إسقاط الرحلة 752 للخطوط الجوية الدولية الأوكرانية، ثم اعترفت بأن دفاعاتها الجوية هي التي أسقطتها. وفي عام 2022، أمضت أشهراً تنفي تزويد روسيا بمُسيّرات «شاهد»، قبل أن تقرّ بإرسال بعضها. وبعد اتفاق بكين مع الرياض في عام 2023، اقترن الحديث عن علاقات حسن الجوار باتساع الهجمات على حركة الشحن البحري في المنطقة على أيدي جماعات تدعمها طهران بالسلاح والمال.
أما في الحرب الحالية، فقد قلّصت سياسة طهران المدة الزمنية التي يستغرقها هذا النمط من السلوك السياسي، لتتحوّل من أشهر إلى ساعات. وقد دافعت وزارة الخارجية الإيرانية عن ضرباتها ضد دول الخليج بوصفها دفاعاً مشروعاً عن النفس، في الوقت الذي كان فيه مفاوضوها يناقشون خفض التصعيد عبر الوسطاء. وفي مارس، اعتذر الرئيس مسعود بزشكيان إلى العواصم الخليجية عن الهجمات التي طالت أراضيها. مع ذلك، تواصلت الهجمات على دول الخليج، وجرى اعتراض الصواريخ فوق عدد من العواصم الخليجية. في الوقت نفسه، هدّدت القيادة العسكرية الإيرانية بردّ قوي على الناقلات التي تستخدم المسار العُماني، وذلك بعد فترة قليلة من المحادثات، التي أعلنت فيها الدوحة إنها حققت «تقدماً إيجابياً».
الدبلوماسي يحصد ثمن الصاروخ
إلى ماذا أفضى هذا الهجوم؟ أعلنت واشنطن على الفور أن وقف إطلاق النار المعلن في 17 حزيران قد انتهى، واستأنفت ضرباتها في مختلف أنحاء إيران. لكن جانباً كبيراً من ردّ طهران انصبّ على جيرانها. فقد أفادت الكويت بتعرّض منشأة نفطية ومجمّع لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه لضربات إيرانية متكرّرة. وأُصيب عمّال ورجال إطفاء، وخرجت عدة وحدات توليد من الخدمة، فيما طلبت الحكومة الكويتية من المواطنين ترشيد استهلاك الكهرباء، في ذروة الصيف، وفي منطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على تكييف الهواء. كذلك وصفت وزارة الخارجية الكويتية الهجمات بأنها استهداف ممنهج للمواقع المدنية والبنية التحتية الحيوية. أما الحرس الثوري الإيراني، فوصف العمليات نفسها بأنها ضربات على قواعد أمريكية، وزعم أنها دمّرت طائرات. تتناول الروايتان الصواريخ ذاتها. ولكن الدولة تتبنى ذلك وتعتبر إنها تدافع عن أراضيها في مواجهة الولايات المتحدة، وتُعطّل إمدادات المياه في دولة مجاورة ليست أصلاً في حرب معها. ويسمّي متحدثها ذلك دفاعاً عن النفس.
هنا، يتداول المحللون تفسيرين، وكلاهما جدير بالنظر. يرى التفسير الأول أن الفجوة تعكس تنافساً بين أجنحة النظام. فالحرس الثوري يُدير سياسة خارجية خاصة به، بينما تتفاوض وزارة الخارجية بحُسن نية، ولا تعلم بالضربات إلا من الأخبار، شأنها شأن الجميع. أما التفسير الثاني، فيرى أن الفجوة تُمثّل تقاسماً للأدوار، إذ يحصد الدبلوماسي ما يزرعه الصاروخ، منتزعاً على طاولة المفاوضات التنازلات التي يولّدها الضغط العسكري. وربما ينطوي كل تفسير على قدر من الحقيقة. وقد منح وصول المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى السلطة تفسير صراع الأجنحة زخماً جديداً، إذ قد لا يملك المرشد الأعلى الجديد، الذي لا يزال يعمل على ترسيخ سلطته، السيطرة الكاملة على مراكز القوى المتنافسة.
أما بالنسبة إلى صنّاع السياسات في الخليج، فلا أهمية عملية لهذا الجدل. ففي الحالتين، لا يسيطر المحاورون الإيرانيون على المتغيّر الوحيد الذي يهمّهم، وهو تصرّفات القوات المسلحة الإيرانية. وأياً يكن التفسير الصحيح، فإنّ الناقلة احترقت. واحترقت معها منشأة التحلية. وبالتالي، فإنّ العواصم التي تُبدّد طاقتها في المفاضلة بين الروايتين إنّما تخدم طهران من حيث لا تدري، لأنها تمنحها هامش الشك الذي يُبقي كلفة الإنكار منخفضة.
وعليه، فمن المُستبعد أن يُبصر المقترح المتعلق بإطلاق حوار أمني إقليمي شامل مع إيران النور، وسيبقى متعثراً. فالإطار الأمني الحقيقي يحتاج إلى تعهّدات يوقّعها طرف محدّد ويُساءل عنها. أما نهج إيران الإقليمي، فيقوم على النقيض. ودعوة طهران إلى الانضمام إلى إطار حقيقي تعني مطالبتها بالتخلّي عن هذا النوع من الغموض الاستراتيجي الذي يُمثّل ورقة قيّمة جداً لها. قد تقبل طهران بمفردات الحوار، كما فعلت مع مبادرة هرمز للسلام، لكنها ترفض ما يستتبعه من مساءلة.
هذا الواقع ليس دعوة إلى الإحباط إنما إلى الانضباط. فالنهج الصحيح هو عدم التساهل إطلاقاً مع هذه الفجوة، والتعامل مع المسافة الفاصلة بين التصريحات الإيرانية وسلوكها باعتبارها أمراً يستوجب الإدانة الصريحة، عوضاً عن تأويله. وهنا، يمكن القول أنّ واشنطن، قدّمت في غضون ساعات من الهجوم على «الركيات»، نموذجاً يمكن الاقتداء به، إذ ألغت الإعفاء من العقوبات الذي كان يسمح ببيع النفط الإيراني، وأعلنت أن مذكرة التفاهم مرهونة بالكامل بالالتزام بتنفيذها. وهذا يعني أنها تجاهلت ما قالته طهران، وأنها بنت قرارها على ما فعلته، وأنها فرضت عليها كلفة في نفس اليوم وعلى الملأ.
ينبغي لدول الخليج وشركائها الأوروبيين أن يحوّلوا هذا المنطق إلى قاعدة مؤسسية، حيث من المهمّ أن يقترن كل مسار للتواصل مع طهران، سواء أكان ثنائياً أم بوساطة، بتبعات محددة ومعلنة سلفاً، تُفعّل حين يناقض العمل العسكري المباشر ما يُعلن عبر القنوات الدبلوماسية، وأن تُربط كل القنوات بتبعات سلوك الحرس الثوري. كذلك، يتعيّن ألا تُقبل التعهّدات إلا إذا وقّعتها جهات تقود القوات المنفّذة للضربات، كجهات من التسلسل القيادي العسكري، لا وزارة الخارجية وحدها.
تشير ردود المنطقة بالفعل إلى هذا الاتجاه. فقد حمّلت الدوحة إيران المسؤولية كاملة في غضون ساعات من استهداف الناقلة، واستدعت نائب السفير الإيراني. وأدانت الرياض الهجوم في اليوم نفسه. كذلك وصفت الكويت استهداف بنيتها التحتية بأنه ممنهج.
من الضروري أن يتحوّل ذلك إلى نهج ثابت، كي يُحدّد ثمن الضربة المقبلة التي يمكن التنصّل من مسؤوليتها قبل إطلاقها، عوضاً عن التفاوض عليه بعد وقوعها. لقد أمضى الخليج عقوداً يقرأ لغتَي طهران. وكان خطؤه أنه اعتاد التجاوب مع الأكثر ليناً منهما.