لوبيتو، أنغولا. 22 أبريل 2026. (تصوير: فيل ماغاكوي / وكالة فرانس برس)

الحرب الإيرانية تُسرّع وتيرة التنافس الأمريكي–الصيني في إفريقيا 

ألقت التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية–الإيرانية بظلالها على القارة الإفريقية، حيث دخلت واشنطن وبكين في منافسة محتدمة على النفوذ السياسي والسيطرة على الموارد المعدنية الحيوية في القارة، فضلًا عن الممرات التجارية الاستراتيجية.

16 يوليو، 2026
مصطفى بودومي

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية تذكير القوى الكبرى بأن الاقتصاد العالمي، مهما بدا رقميًا ما زال مرتبطًا بالممرات البحرية، وأسواق الطاقة، والمواد الخام، وقدرة الدول على حماية سلاسل الإمداد. وقد كشف تعطّل الملاحة في مضيق هرمز وما رافقه من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية حجم هشاشة الاعتماد على عدد محدود من الممرات الاستراتيجية. 

 

كما أظهرت هذه الحرب أنّ موازين القوة لا تُقاس فقط بالقدرة التكنولوجية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بالقدرة على تأمين تدفق الطاقة والمواد الأساسية في أوقات الاضطراب. 

 

ويتقاطع هذا الإدراك مع ما تشهده إفريقيا من تصاعد في التنافس الصيني–الأمريكي، حيث تسعى كلّ من بكين وواشنطن إلى ترسيخ نفوذهما العابر للقارات، بما يعكس عودة “الجغرافيا الصلبة” بوصفها عاملاً حاسماً في تشكيل الاقتصاد العالمي، بما تشمله من مضائق، وموانئ، وسكك حديدية، ومناجم، وخطوط شحن.  

 

لا يقتصر التنافس الأمريكي الصيني في القارة الإفريقية على مجال واحد، بل يتوزع على ملفات مترابطة، تتضمن: الممرات الاستراتيجية، والبنية التحتية، والأمن البحري والعسكري، والموارد الاستراتيجية، وتأمين طرق التجارة، خصوصًا في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج غينيا، إذ زادت أهمية باب المندب وقناة السويس والسواحل الإفريقية المطلة على طرق التجارة والطاقة في أعقاب الاضطرابات التي شهدتها الممرات البحرية خلال الحرب، وما أبرزته من أهمية استراتيجية لهذه الممرات في استقرار الاقتصاد العالمي. 

 

الممرات والمعادن: في قلب الصراع الجديد   

 

في أعقاب تداعيات إغلاق مضيق هرمز، اتجهت القوى الكبرى إلى البحث عن بدائل ومسارات إضافية لتقليل هشاشة الاعتماد على ممرات محدودةفي هذا السياق، برزت إفريقيا في قلب الحسابات الاستراتيجية كجزء من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، نظراً لامتلاكها احتياطات مهمة من المعادن الحرجة، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يُطلّ على ممرات بحرية حيوية تربط مناطق الإنتاج بمواني التصدير والأسواق الدولية.   

 

فمن السواحل الأطلسية إلى البحر الأحمر، ومن موانئ غرب إفريقيا إلى ممرات الجنوب، أصبحت القارة جزءًا من النقاش العالمي حول أمن الإمدادات، ولهذا تتزايد أهمية مشاريع مثل ممر لوبيتو، الذي يربط أنغولا بجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، وهي مناطق حيوية لإنتاج النحاس والكوبالت. 

 

وإذا كان النفط قد شكّل أحد أهم عناصر الصراع الدولي في القرن العشرين، فإن المعادن الحرجة مرشحة لأن تؤدي دورًا مشابهًا في القرن الحادي والعشرين، فالعالم الذي يتجه نحو السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات العسكرية الدقيقة، يحتاج إلى معادن لا توجد بالكميات نفسها في كل مكان، ولهذا لم تعد المناجم مجرد أصول اقتصادية، بل أصبحت مواقع استراتيجيةوهو الملف الأكثر ارتباطًا بمرحلة ما بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.  

 

 تمتلك إفريقيا موقعًا مهمًا في هذه المعادلة. فجمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها تمثل أكثر من 70% من إنتاج الكوبالت المنجمي العالمي، وهو معدن يدخل في البطاريات والإلكترونيات وبعض الصناعات الدفاعية. وتتجاوز المسألة الكوبالت وحده، فزامبيا وأنغولا والكونغو الديمقراطية تشكل جزءًا من حزام النحاس الإفريقي، وزيمبابوي تملك احتياطات مهمة من الليثيوم، وغينيا لاعب رئيسي في البوكسيت، وجنوب إفريقيا وناميبيا تمتلكان قدرات معدنية متنوعة. 

 

 كما يبرز مشروع فالابوروا للمعادن النادرة في جنوب إفريقيا، المدعوم أمريكيًا عبر استثمار بقيمة 50 مليون دولار، بوصفه مثالًا على محاولة واشنطن بناء بدائل لإمدادات المعادن النادرة التي تهيمن الصين على حلقات كبيرة من معالجتها وتكريرها. 

 

التنافس الأمريكي الصيني: من الاقتصاد إلى الأمن 

 

تدخل الصين هذه المرحلة وهي تملك رصيدًا معتبرًا داخل إفريقيا، فهذا النفوذ لم يتكوّن في لحظة واحدة، بل تراكم عبر التجارة، والقروض، ومشاريع البنية التحتية، والشركات الحكومية، والمنتديات السياسية مثل منتدى التعاون الصيني الإفريقي، وقد أصبحت بكين الشريك التجاري الأبرز لعدد كبير من الدول الإفريقية. وتشير البيانات إلى أن صادرات إفريقيا إلى الصين بلغت سنة 2024 نحو 99 مليار دولار، بينما بلغت وارداتها من الصين نحو 179 مليار دولار، وهو ما يعكس اتساع الفجوة التجارية لمصلحة بكين. 

 

تزداد دلالة هذا الرقم عند مقارنته بالحضور التجاري الأمريكي، فقد بلغ إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتحدة وإفريقيا سنة 2025 نحو 83.4 مليار دولار فقط. هذه المقارنة لا تعني أن النفوذ يقاس بالتجارة وحدها، لكنها تكشف الفارق البنيوي بين حضور صيني يومي في الأسواق والبنية التحتية، وحضور أمريكي أكثر انتقائية يرتبط بالأمن والاستثمار والبرامج التجارية.  

 

لم تكتفِ بالحفاظ على حضورها التقليدي، بل وسّعت سياسة الإعفاء الجمركي سنة  2026لتشمل واردات من 53 دولة إفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، كما رخّصت لبنك ستاندرد وبنك الصين الصناعي والتجاري بتصفية معاملات اليوان في 19 دولة إفريقية، وتكشف هذه الخطوات أن بكين لا تكتفي بالحضور في البنية التحتية والمناجم، بل تسعى إلى بناء فضاء تجاري ومالي يقلل نسبيًا من مركزية الدولار في التجارة الإفريقية الصينية إلى جانب ترسيخ نفوذها في البنية التحتية والمناجم. إلا أنّ الصين لم تعد تعمل بالأسلوب نفسه، فبعد سنوات من القروض الضخمة، بدأت بكين تتجه إلى تمويل أكثر حذرًا، أقرب منه إلى نموذج المشاريع الصغيرة والمنتقاة بدلاً عن المشاريع الكبرى المفتوحة.  

 

في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن حضورها الاقتصادي في إفريقيا لا يوازي حجم حضور بكين خاصة في مجال البنية التحتية والتجارة. ولهذا تحاول واشنطن العودة من مدخل الأمن الاقتصادي. فالرؤية الأمريكية تجاه إفريقيا ليست في مجال المساعدات أو مكافحة الإرهاب فحسب، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل الإمداد المهمة، حيث تظهر المعادن الحرجة في قلب هذه الاستراتيجية من خلال الحاجة الأمريكية إلى الكوبالت، والنحاس، والليثيوم، والغرافيت، والعناصر الأرضية النادرة، لأنها تدخل في البطاريات، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، والصناعات الدفاعية. 

 

وقد جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية- الإيرانية لدعم هذا التوجه، حيث اكتسب ممر لوبيتو للسكك الحديدية كمشروع محوري أهمية أكبر لربطه مناطق التعدين في وسط إفريقيا بالمحيط الأطلسي، بما يسمح بتسهيل وصول المعادن إلى الأسواق الغربية بعيدًا عن المسارات التي تهيمن عليها الشركات المرتبطة بالصين. اكتسب هذا الممر بُعداً جديداً، بعد تشديد الكونغو الديمقراطية سيطرتها على صادرات الكوبالت، وظهور محاولات أمريكية وغربية لتأمين مصادر أكثر شفافية للمعادن.  

 

غير أن العودة الأمريكية لا تقتصر على الاقتصاد والمعادن، ففي 2026 برز الحضور العسكري الأمريكي من خلال مناورات كبرى مثل  “الأسد الإفريقي التي شملت المغرب وغانا والسنغال وتونس، ومناورة  “الوفاق المُبرر” في كينيا وتنزانيا وجيبوتي، التي ركّزت على الأمن الإقليمي ورفع جاهزية القوات الإفريقية. ويكشف ذلك أن واشنطن تنظر إلى إفريقيا بوصفها مجالًا للمعادن والممرات والجاهزية الأمنية في الوقت نفسه. 

 

إفريقيا بين التفاوض والارتهان 

 

لا يمكن النظر إلى إفريقيا كضحية كاملة ولا كفاعل يمتلك إرادة سياسية مستقلة بالكامل. فهي تمتلك الموارد والموقع والسوق، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات الديون، وضعف البنية التحتية، والهشاشة المؤسسية، وتنافس القوى الخارجيةلذلك فإن هامش المناورة موجود، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى قوّة تفاوضية إلا إذا رافقته رؤية سياسية واقتصادية واضحة. 

 

وبينما تسعى الصين إلى الحفاظ على تقدّمها عبر التجارة، والبنية التحتية، والتمويل، وتوسيع استخدام اليوان، وتصدير التكنولوجيا، تسعى واشنطن في المقابل إلى تقليص الاعتماد على الصين عبر بناء ممرات بديلة، وتمويل مشاريع المعادن، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وربط إفريقيا بسلاسل توريد غربية. وبين الطرفين، تتحرك قوى أخرى مثل أوروبا، والهند، وتركيا، وروسيا، واليابان، وكلها تبحث عن موطئ قدم في القارة. 

 

يمنح هذا التعدد الدول الإفريقية فرصة مهمةفكلّما تعدد الشركاء، اتسّع هامش التفاوض. غير أن الخطر يكمن في أن تتحول الدول الإفريقية إلى أطراف متفرقة تتنافس فيما بينها على تقديم الامتيازات نفسها بشروط أضعف. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق إفريقي أكبر في ملفات المعادن، والموانئ، والديون، والتصنيع، حتى لا تتحول القارة إلى مجرد ساحة مفتوحة لصراع الآخرين. 

 

لقد أظهرت الحرب الأمريكية الإيرانية أنّ النظام الدولي يتجه نحو مرحلة أكثر خشونة، تختلط فيها الطاقة بالأمن، والمعادن بالتكنولوجيا، والممرات البحرية بالتنافس بين القوى الكبرىوفي هذه البيئة، تتقدّم إفريقيا إلى موقع أكثر حساسية في الحسابات الأمريكية والصينية، فالصين تمتلك أفضلية التراكم والحضور الاقتصادي العميق، لكنها تواجه حدودًا متزايدة مرتبطة بالديون والقبول المحلي والتحوّل في ظلّ المشهد الجيوسياسي المتغيّر لمبادرة الحزام والطريق، أما الولايات المتحدة فتحاول العودة عبر الأمن المعدني والممرات الاستراتيجية، لكنها ما زالت مطالبة بتحويل خطاب الشراكة إلى مشاريع وتمويل ونقل تكنولوجيا. 

 

يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات لمستقبل هذا التنافس، يتمثل الأول في تصاعد التنافس الاستراتيجي، حيث تُسرّع واشنطن في بناء سلاسل إمداد بديلة في إفريقيا، بينما ترد الصين بتعميق حضورها التجاري والمالي والبنيوي. أما السيناريو الثاني فهو إدارة التنافس دون صدام مباشر، بحيث تستمر واشنطن وبكين في المنافسة داخل إفريقيا عبر أدوات اقتصادية وتمويلية وتكنولوجية.  أما السيناريو الثالث فهو الارتهان المتجدد، حيث تنقسم الدول الإفريقية بين محاور خارجية، وتقبل بشروط تمويل أو استخراج ضعيفةوعليه، فإن التحدي الإفريقي في المرحلة المقبلة لا يتمثل في اختيار واشنطن أو بكين، بل في بناء قدرة تفاوضية تجعل الشراكات الخارجية أداة للتصنيع والسيادة، لا مجرد إعادة إنتاج للتبعية. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: منافسة القوى العظمى
البلد:

المؤلف

صحفي وباحث
مصطفى بودومي، صحفي وباحث جزائري في العلاقات الدولية والدراسات الإفريقية، حاصل على درجة الماجستير في العلاقات الدولية من كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عام 2026. تتركز اهتماماته البحثية في قضايا العلاقات الدولية، والدراسات الإفريقية، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، إلى جانب الشؤون المغاربية والأورومتوسطية، والتحولات الجيوسياسية والأمنية في القارة الإفريقية.