جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مؤخراً إلى العاصمة اللبنانية بيروت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية والضغوط المتزايدة على ملف سلاح حزب الله، مع تحركات عربية وإقليمية تُعيد صياغة التوازنات في المنطقة، بالتزامن مع التحوّلات التي تفرضها الحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية في المنطقة.
وفيما تبدو هذه الزيارة أقرب إلى محاولة سورية لتحديد موقع دمشق السياسي والاقتصادي خلال المرحلة المقبلة أكثر منها مجرد محطة دبلوماسية بين دولتين جارتين في توقيت عادي أو تنشيط للعلاقات الثنائية بين البلدين، إلا أنها تحمل دلالات مهمّة، لا سيّما عقب التصريحات الأميركية والإقليمية التي دعت إلى ضرورة انخراط دمشق في ترتيبات المنطقة ما بعد الحرب، سواء على مستوى أمن الحدود، أو مستقبل العلاقة مع حزب الله، أو إعادة تنظيم العلاقة اللبنانية – السورية ضمن قواعد مختلفة عن تلك التي حكمتها طوال العقود الماضية.
وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات جوهرية عن مساعي دمشق لإعادة تعريف علاقتها مع حزب الله، أو فتح قناة تواصل سياسية جديدة في لبنان، أو الحرص على إدارة المرحلة الانتقالية التي تفرضها التوازنات الإقليمية الجديدة.
من القطيعة إلى إدارة الخلاف
حرصت القيادة السورية الجديدة على إرسال رسائل متوازية إلى لبنان والمنطقة فيما يتعلق بطبيعة العلاقات السورية- اللبنانية، ورفضت العودة إلى أي دور عسكري أو أمني داخل لبنان في أكثر من مناسبة، إلا أن زيارة الشيباني الأخيرة الى بيروت حملت إشارات سياسية لافتة تتعلق بمقاربة جديدة تجاه الملف اللبناني، تجسدت باستعداد للتواصل مع حزب الله؛ ولقاء الشيباني برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.
تُشير هذه الدلالات إلى رغبة سورية في تأسيس مقاربة مختلفة تجاه المكوّن الشيعي في لبنان، وذلك بعد سنوات من القطيعة التي فرضتها مجريات الحرب السورية وتداعياتها. فمنذ وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا، تجنّبت دمشق اعتماد خطاب يقوم على تصفية الحسابات مع القوى التي قاتلت إلى جانب النظام السابق، وكان حزب الله في مقدمة هذه القوى. كذلك، نأت دمشق بنفسها عن تقديم أي محاولة لإحياء التحالف الذي كان قائماً قبل سقوط نظام بشار الأسد في علاقتها مع بيروت.
واختارت القيادة السورية مساراً ثالثاً يقوم على الفصل بين إرث الحرب السورية ومتطلبات بناء الدولة، انطلاقاً من أن أولوياتها الرامية إلى استعادة الاستقرار الداخلي، وجذب الاستثمارات، وإعادة الاندماج في المحيطين العربي والإقليمي.
كذلك جاءت تصريحات الرئيس أحمد الشرع خلال الأشهر الماضية، التي شدد فيها على أن سوريا لا تنوي التدخل في الشأن اللبناني، وأن مستقبل لبنان يجب أن يقرره اللبنانيون أنفسهم عبر مؤسساتهم الدستورية، بعيداً عن أي وصاية أو تدخل خارجي ضمن هذا السياق.
ولا يُمكن قراءة هذا الموقف على أنه مجرد رسالة إلى الداخل اللبناني، بل شكّلت هذه التصريحات رسالة موجهة إلى العواصم الإقليمية والدولية التي طرحت فكرة إسناد أدوار أمنية أو سياسية إلى دمشق في إطار التسويات المرتقبة على الساحة اللبنانية.
لكن رفض دمشق التدخل في لبنان، لا يعني الانكفاء عن الملف اللبناني برمته. فالجغرافيا، والحدود المشتركة، والملفات الأمنية والاقتصادية، تجعل من الصعب على سوريا أن تكون خارج أي ترتيبات تخص الملف اللبناني. ومن هذا المنطلق، شرعت القيادة السورية في اعتماد مقاربة مختلفة تقوم على الانخراط السياسي والدبلوماسي، وعلى بناء علاقات مع مختلف المكونات اللبنانية من موقع الدولة، بعيداً عن أي مسارات أمنية وعسكرية قد تندرج ضمن مفهوم “الوصاية” الذي اتسمت به العلاقات بين البلدين لأعوام طويلة.
مقاربة براغماتية تجاه العلاقات اللبنانية -الإسرائيلية
لا شكّ أنّ لقاء الشيباني برئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري شكّل أهمية قصوى ليس من باب تمثيل برّي لموقعه في السلطة التشريعية، بل لأنه الشخصية الأكثر قدرة على إدارة التواصل مع البيئة الشيعية، وصاحب العلاقة التاريخية مع حزب الله، ما حمّل هذا اللقاء أبعاداً تتصل بإعادة فتح قنوات الحوار . وقد أرسلت دمشق من خلال هذه الزيارة إشارة مختلفة، مفادها أنها مستعدة لإدارة الخلاف، لا لإطالة أمده، وأنها لا تضع فيتو سياسياً على التواصل مع أي طرف لبناني إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين.
تأتي هذه الرسائل في ضوء التحديات الأمنية والاستراتيجية المشتركة التي تواجه البلدين. فجنوب سوريا، كما جنوب لبنان، يشهدان تمدداً إسرائيلياً متواصلاً ومحاولاتٍ لفرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، تنظر دمشق بقلق إلى الترتيبات التي قد يعقدها لبنان مع إسرائيل منفرداً خشية الإخلال بموازين القوى الإقليمية على نحو لا يراعي مصالحها. فالقيادة السورية ترى أن اتفاق الإطار اللبناني–الإسرائيلي ليس شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي السوري، وعلى مستقبل الصراع مع إسرائيل. وهذا ما يستدعي فتح قنوات تواصل مع مختلف القوى اللبنانية.
ولا تنفصل محطة الشيباني في مدينة طرابلس عن هذا السياق. فالمدينة التي ارتبطت لعقود بالمواجهة مع النظام السوري السابق، اختارتها دمشق لتوجيه رسالة سياسية واضحة مفادها أن سوريا الجديدة باتت تمتلك حواضن سياسية واجتماعية داخل بيئات لبنانية، كما أرادت التأكيد أن العلاقة مع لبنان لم تعد محصورة بحلفاء تقليديين أو بقنوات سياسية محددة، بل تتجه نحو الانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية التي ترى في استقرار سوريا مصلحة مشتركة.
وتعكس هذه المحطة أيضاً تحولاً في أدوات الحضور السوري داخل لبنان. فدمشق تسعى إلى تكريس نفوذ قائم على التقارب السياسي، والتعاون الاقتصادي، وتشابك المصالح، بدلاً من النفوذ الأمني والعسكري الذي طبع مرحلة الوصاية.
ومن هنا، تكمل زيارة طرابلس لقاء الشيباني مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، فإذا كان اللقاء مع بري يوجه رسالة انفتاح نحو البيئة الشيعية، فإن طرابلس تؤكد رغبة دمشق في تثبيت حضورها داخل الحواضر اللبنانية المؤيدة لمسارها السياسي الجديد، بما يعكس مقاربة تقوم على توسيع قنوات التواصل مع مختلف القوى اللبنانية، في مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها التوسع الإسرائيلي وإعادة رسم التوازنات الإقليمية.
لقد أدركت دمشق أن البيئة الإقليمية تغيّرت، وأن استقرار حدودها ومصالحها الأمنية يتطلبان التواصل مع الفاعلين المؤثرين في لبنان، بصرف النظر عن طبيعة العلاقة التي كانت تربطها بهم في الماضي. ومن ثم، فإن هذا الانفتاح يجسد مقاربة أكثر براغماتية، تنطلق من اعتبارات الأمن القومي وحسابات المصلحة، أكثر مما تستند إلى الاصطفافات الأيديولوجية أو التحالفات التقليدية.
تقليل احتمالات المواجهة
لقد فتحت هذه الزيارة الباب أمام فرضية بدأت تتبلور بهدوء داخل الأوساط الإقليمية، وهي الانتقال من مرحلة القطيعة الكاملة بين دمشق وحزب الله إلى مرحلة التواصل السياسي غير المباشر، بما يسمح بإدارة الملفات المشتركة، وفي مقدمتها أمن الحدود، والتطورات في جنوبي لبنان وسوريا، واحتمالات التسويات الإقليمية المقبلة.
ولا يبدو أن هذا المسار يتحرك بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالتقارب السوري مع محيطه العربي، والدور التركي في تشجيع خفض التوتر بين مختلف القوى، والاهتمام السعودي والقطري باستقرار لبنان، كلها عوامل تدفع نحو إنشاء قنوات تواصل تقلل احتمالات المواجهة وتتيح إدارة الخلافات ضمن أطر سياسية.
تأتي زيارة الشيباني إلى بيروت في سياق دعم انطلاقة هذه المرحلة الجديدة، التي لا يُتوقع أن تُفضي إلى تفاهمات كبرى أو تحولات مفاجئة، بقدر ما تهدف إلى إطلاق مسار تدريجي لبناء الثقة، وتبادل الرسائل السياسية، وتهيئة الأرضية لعلاقة جديدة قد تتبلور ملامحها بصورة أوضح خلال الأشهر المقبلة. كذلك، تعكس عودة سوريا إلى الساحة اللبنانية من بوابة الدولة والمؤسسات، وتكشف سعي دمشق نحو إعادة صياغة علاقاتها مع مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله، وفق قواعد مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت العلاقة خلال العقود الماضية.
السؤال لم يعد يتمحور حول امكانية التواصل بين الجانبين، بل في الطريقة التي سيُدار بها، والحدود التي سيقف عندها، والدور الذي يمكن أن يؤديه في أي تسوية لبنانية وإقليمية مقبلة.
قد يكون من المبكر الحديث عن مصالحة كاملة بين دمشق وحزب الله، كما أنه من المبالغة اعتبار زيارة وزير الخارجية السوري نقطة تحول نهائية في العلاقة بين الجانبين. إلا أن الزيارة كشفت عن مقاربة سورية جديدة، تقوم على إدارة التعقيدات اللبنانية من منطلق الدولة، لا منطق المحاور، وعلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف المكونات اللبنانية.
وفي ظل استمرار الضغوط الإسرائيلية على جنوب لبنان وجنوب سوريا، وتعثر مسارات التسوية، قد يصبح هذا الانفتاح أحد العناصر التي ستحدد شكل العلاقة بين دمشق وبيروت، وربما أيضاً طبيعة التوازنات الإقليمية التي تتشكل في المشرق خلال المرحلة المقبلة.