(صورة من الديوان الأميري القطري / وكالة فرانس برس) - 16 أبريل 2026

قطر وباكستان.. وسيطان رئيسيان في احتواء أخطر أزمات المنطقة 

مع تعثّر القنوات الدبلوماسية التقليدية، برزت قطر وباكستان كوسيطين متكاملين أسهما في احتواء واحدة من أخطر أزمات المنطقة. 

7 يوليو، 2026
جورجيو كافيرو

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تشكيل المشهد الأمني في الشرق الأوسط، وسرّعت تحوّلاً لافتاً في الدبلوماسية الإقليمية. فقد خرجت قطر من الحرب بترسيخ دورها كأحد أبرز الوسطاء الدبلوماسيين في المنطقة والعالم، فيما دخلت باكستان ميدان الوساطة الإقليمية بدور جديد حمل مفاجأة لكثيرين. وظهرت أهمّية هذا التحوّل في الشراكة التي نسجها البلدان، إذ جمعت الدوحة بين خبرتها الطويلة في الوساطة ورصيدها الدولي في هذا الإطار، بينما وظّفت إسلام آباد شبكة علاقاتها الاستراتيجية ونفوذها الإقليمي. وأثبت هذا التنسيق أن القوى المتوسطة تستطيع، إدارة أزمات قد تعجز الآليّات الدولية التقليدية عن احتوائها، وذلك عند توحيد جهودها وأدواتها الدبلوماسية. 

 

انطلق التنسيق القطري-الباكستاني عبر قنوات اتصال خلفية هدفت إلى احتواء التصعيد العسكري، ثم تطوّر تدريجياً إلى إطار دبلوماسي أكثر تنظيماً وتعدّداً. وقد جمع البلدين إدراك مشترك بأن مصالحهما الاستراتيجية تجعل منع التصعيد أولوية ملحّة، بدءًا من أمن الطاقة في الخليج، واستقرار الملاحة البحرية، وصولاً إلى تجنّب انهيار الدولة الإيرانية، واحتواء تداعياته الإقليمية،. ومع اتساع بؤر التوتر وازدياد المخاطر التي تهدّد طرق الطاقة العالمية، بات التعاون بين الدوحة وإسلام آباد يُقدِّم نموذجاً متقدّماً لدور الدبلوماسية الإقليمية المنسّقة في إدارة أزمات الشرق الأوسط 

 

من دبلوماسية الأزمة إلى وساطة مستدامة 

دفعت الحرب قطر وباكستان إلى الاقتناع بأن كلفة الاخفاق الدبلوماسي أصبحت أعلى من تجاهل الحاجة إلى الوساطة بين طهران وواشنطن. واستندت الدوحة إلى خبرة تراكمت على مدى عقود في التوسّط بالنزاعات وتيسير الحوار، من أفغانستان واليمن إلى القرن الأفريقي، فيما أضفت باكستان إلى هذا المسار شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية المتنامية. كما منح الوصول المباشر للمسؤولين القطريين إلى كلّ من البيت الأبيض والقيادة الإيرانية زخماً إضافياً لهذه الجهود. كذلك، لم تنخرط الدوحة في الوساطة الفاعلة إلّا بعد توقف الضربات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضدها في مرحلة مبكرة نسبياً من الحرب، لكنها سرعان ما دعمت التحرّك الباكستاني مستفيدة من شبكاتها الدبلوماسية الواسعة ورصيدها الدولي. وتقاسم البلدان الأدوار بدلاً من التنافس عليها، فبنيا نموذجاً تكاملياً عزّز فرص نجاح الوساطة. وعكس التواصل المستمرّ بين المسؤولين في العاصمتين، إلى جانب المواقف القطرية الداعمة لباكستان طوال الأزمة، مستوىً عالياً من التنسيق الدبلوماسي ووحدة التحرك. 

 

وقد برزت إسلام آباد وسيطاً رئيسياً بفعل مجموعة من العوامل، في مقدمتها حدودها البرّية الممتدّة لنحو 900 كيلومتر مع إيران، والعلاقات الوثيقة التي بنتها القيادة الباكستانية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب شراكاتها المميّزة مع الصين والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من تبادل إيران وباكستان ضربات صاروخية مطلع عام 2024، إلا أنّ العلاقات الثنائية شهدت تحسّناً ملحوظاً بعد تلك الأزمة، قبل أن تمنحها الحرب الإسرائيلية-الإيرانية في يونيو 2025 زخماً سياسياً ورمزياً إضافياً. فإسلام آباد ابتعدت عن سياسة الاصطفاف، ورسّخت مصداقيتها عبر تمسّكها بالحوار وسعيها إلى خفض التصعيد. كما حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف أطراف الصراع، في وقت عجزت فيه حكومات أخرى عن أداء هذا الدور، ما منحها أفضلية دبلوماسية منذ المراحل الأولى للحرب 

 

ومع انحسار العمليات العسكرية، من دون أن تتوقّف بالكامل، انتقلت الوساطة القطرية-الباكستانية من إدارة أزمة طارئة إلى بناء إطار دبلوماسي أكثر استدامة وتنظيماً. وظلّ منع تجدّد التصعيد أولوية مشتركة، لكن الاهتمام اتجه تدريجياً إلى إنشاء فرق عمل متخصّصة، وآليّات للمتابعة، وإجراءات تضمن تنفيذ أي اتفاقات مستقبلية بفاعلية. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بإمكان نجاح هذه الجهود في ترسيخ تهدئة طويلة الأمد بين طهران وواشنطن، لا سيما في ظل المساعي الإسرائيلية لإفشالها. لكن المسار الدبلوماسي يتجه بوضوح نحو إرساء نموذج أكثر مؤسّسية لإدارة هذا الانخراط. 

 

بدورهم، أدرك المسؤولون في الدوحة وإسلام آباد أن الملف النووي الإيراني يتداخل مع قضايا إقليمية أخرى، مثل الوضع في لبنان وأمن الملاحة في مضيق هرمز ومحيطه. وأدّى توسيع المحادثات الإيرانية-الأمريكية لتشمل هذه الملفات إلى زيادة تعقيد العملية الدبلوماسية، لأن التقدّم في أي مسار بات يعتمد على التطوّرات في المسارات الأخرى. فتصعيد إسرائيل عملياتها في لبنان، أو وقوع حوادث أمنية في البحر، قد يبدّد ما يتحقّق من تقدّم على طاولات التفاوض. ويختلف هذا النهج عن المفاوضات التي سبقت التوصّل إلى خطّة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، حين اختارت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، سواء كان ذلك صائباً أم لا، فصل الملف النووي عن ملفات أخرى غذّت التوتّر بين طهران وواشنطن، وفي مقدّمتها الأزمة السورية. 

 

وحشدت قطر وباكستان دعماً لجهودهما الدبلوماسية من قوى إقليمية ودولية مؤثّرة، من بينها الصين ومصر والسعودية وتركيا، وجميعها تتقاطع مصالحها عند منع اندلاع مواجهة جديدة، وحماية أسواق الطاقة العالمية، والاستثمارات الخليجية، والاستقرار الإقليمي. واستهدفت هذه الدبلوماسية المشتركة دعم القنوات متعدّدة الأطراف لا الحلول محلها، في وقت بدا فيه مجلس الأمن الدولي عاجزاً عن أداء دور مؤثّر. ولخّص السفير الباكستاني لدى قطر هذا الواقع بقوله إن مجلس الأمن «دُفع إلى الهامش»، وهو ما أفسح المجال أمام القوى الإقليمية المتوسّطة، وجعل اضطلاعها بدور دبلوماسي أكثر فاعلية ضرورة متزايدة. 

 

 

 

المصالح التي تدفع جهود الوساطة 

تُحرّك الاعتبارات الاقتصادية جانباً كبيراً من دوافع قطر وباكستان للاستثمار في الوساطة وتيسير الحوار. فاقتصاد باكستان يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من الخليج، فيما يعمل ملايين الباكستانيين في دول مجلس التعاون الخليجي، ما يجعل استقرار المنطقة مصلحة اقتصادية مباشرة لإسلام آباد. وتعتمد قطر، بحكم صغر مساحتها واندماجها العميق في الاقتصاد العالمي، على انسياب التجارة، وأمن الملاحة الجوية والبحرية، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، واستقرار الخليج للحفاظ على نمو اقتصادها واقتصادات دول مجلس التعاونوتتقاسم قطر مع إيران أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، لذلك تنظر إلى أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران باعتبارها أحد أسوأ السيناريوهات، لما قد تسبّبه من اضطراب في صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، ولا سيّما إذا امتدّ النزاع إلى إغلاق مضيق هرمز. وتفسّر هذه الاعتبارات حرص الدوحة على دعم الاتفاق النووي المبرم عام 2015، وقلقها من قرار إدارة ترامب الأولى تقويضه بعد أقل من ثلاث سنوات، ثم تأييدها المتواصل للمساعي الرامية إلى إحيائه. 

 

وتثير احتمالات اتساع الاضطرابات في إيران، ولا سيّما انهيار مؤسّسات الدولة، قلقاً بالغاً لدى باكستان. إذ تخوض إسلام آباد بالفعل مواجهة مع مجموعات مسلحة، مثل جيش تحرير بلوشستان وحركة طالبان باكستان، تنشط في إقليم بلوشستان المضطرب تاريخياً على الحدود مع إيران وأفغانستان. وتدرك القيادة الباكستانية أن انهيار السلطة المركزية في إيران قد يفاقم التهديدات الأمنية العابرة للحدود، ويمنح جيش تحرير بلوشستان وغيره من المجموعات الانفصالية البلوشية فرصة لاستغلال الاضطرابات في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية وتكثيف هجماتها داخل باكستان. وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد التوتر بين باكستان وسلطات إمارة أفغانستان الإسلامية، على خلفية اتهامات إسلام آباد لكابول بالتغاضي عن استخدام الأراضي الأفغانية لتخطيط وتنفيذ هجمات تشنّها مجموعات مثل جيش تحرير بلوشستان وحركة طالبان باكستان. ولهذا تضع باكستان استقرار هذه الجبهة الحدودية في صلب أولوياتها، لأن مستقبل ميناء غوادر واستمرار الاستثمارات الصينية في إطار الممرّ الاقتصادي الصيني-الباكستاني، وهو المشروع الأبرز ضمن مبادرة الحزام والطريق، يعتمدان إلى حد كبير على الأمن والاستقرار والازدهار في إقليم بلوشستان. 

 

 

آفاق دبلوماسية القوى المتوسطة وحدودها 

تنظر الدوحة وإسلام آباد إلى خفض التصعيد عبر الدبلوماسية باعتباره ضرورة اقتصادية وأمنية، في ظل الكلفة الباهظة لأي مواجهة جديدة. لكن الدبلوماسية الهادئة التي اعتمدها البلدان، واستندت إلى قنوات اتصال سرّية، واتصالات آمنة، وجولات مكوكية متواصلة، وتنسيق وثيق بين كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، لا تستطيع وحدها تجاوز حدود الخلافات القائمة. فما تزال التباينات الجوهرية بين طهران وواشنطن بعيدة من أي تسوية، ولم تنجح الوساطة القطرية-الباكستانية حتى الآن في تضييق الفجوات الأساسية بين الطرفين. 

 

وتواصل إيران المطالبة برفع العقوبات بصورة فعلية، وتطبيع علاقاتها الاقتصادية على نطاق أوسع، والاعتراف بمصالحها الإقليمية، مع الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي. في المقابل، تركز الولايات المتحدة على ضمان التحقق من البرنامج النووي، وإرساء آليّات تحدّ من المخاطر الأمنية المستقبلية التي ترى أنها تهدّد مصالحها. وعلى الرغم من اتفاق الطرفين على تجنّب مواجهة جديدة مكلفة، فإن الخلاف لا يزال قائماً بشأن ترتيب خطوات التنفيذ، وآليّاته، والالتزامات المتبادلة، وهو ما يفسّر بطء التقدم الدبلوماسي على الرغم من تحسّن قنوات التواصل. 

 

ولا تملك قطر وباكستان وحدهما القدرة على رسم مستقبل العلاقات الأمريكية-الإيرانية أو معالجة الخلافات الاستراتيجية العميقة بين طهران وواشنطن. لكن اتساع دورهما الدبلوماسي يعكس تحوّلاً مهمّاً في أساليب إدارة الأزمات الإقليمية. فقد رسّخت الحرب على إيران مكانة قطر كواحدة من أبرز الوسطاء الدبلوماسيين في العالم، وأظهرت في الوقت نفسه أن باكستان قادرة، متى توافرت الظروف الاستراتيجية المناسبة، على أداء دور وسيط إقليمي يتمتع بالمصداقية والتأثير. 

 

ويكتسب نجاح نموذج التعاون بين البلدين أهمّية خاصة. فقد جمعت الدوحة وإسلام آباد بين عناصر قوّة متكاملة، بعيداً من التنافس على النفوذ الدبلوماسي، وهو ما منح جهودهما المشتركة وزناً أكبر مما كان يمكن أن يحقّقه كل طرف منفرداً. ومع تزايد الترابط بين أزمات المنطقة، وتراجع قدرة الآليّات الدبلوماسية التقليدية على مواكبة هذا التعقيد، يُرجَّح أن تؤدّي دبلوماسية القوى المتوسّطة القائمة على التنسيق دوراً متنامياً في رسم ملامح إدارة الأزمات في الشرق الأوسط. 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية:
البلد: قطر

المؤلف

الرئيس التنفيذي لشركة تحليلات الخليج
جورجيو كافيرو هو الرئيس التنفيذي لشركة تحليلات الخليج (Gulf State Analytics) وهي شركة استشارية لتحليل المخاطر الجيوسياسية، ومقرّها واشنطن. ويعمل كافيرو أستاذاً مساعداً غير متفرّغ في جامعة جورج تاون، وزميل غير مقيم في معهد أوريون للسياسات (Orion Policy Institute)، وهو زميل مساعد في مركز بحوث مشروع الأمن الأمريكي (American Security Project). كافيرو مساهم منتظم في… Continue reading قطر وباكستان.. وسيطان رئيسيان في احتواء أخطر أزمات المنطقة