صبيّان إيرانيان يلعبان بطوربيد بحري معروض أسفل صواريخ إيرانية الصنع خلال زيارة إلى متحف حربي في طهران، إيران، في 2 أبريل/نيسان 2026، في خضم العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية في المنطقة. (تصوير: مرتضى نيكوبازل/نور فوتو عبر وكالة فرانس برس)

حرب إيران ومنطق التصعيد المدروس

في الحرب الإيرانية، لم يعد النجاح يُقاس بحجم القوة التدميرية بقدر ما يُقاس بالقدرة على ضبط التصعيد عبر القوة والردع والدبلوماسية.

14 مايو، 2026
نافجة الكواري

تعكس الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تحوّلاً في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث لم يعد النجاح يُقاس بتحقيق نصر عسكري حاسم بقدر ما يُقاس بالقدرة على ضبط التصعيد والتحكم بمساره.

 

ورغم ذلك، لا يزال منطق “العين بالعين” حاضراً كآلية للردع والمعاملة بالمثل، لكن بصيغ أكثر حذراً وحساباً. فالردود المتبادلة باتت تُصاغ بصورة مدروسة، لا بهدف دفع الصراع نحو مواجهة شاملة، بل لإظهار القدرة على الردع مع إبقاء التصعيد ضمن حدود يمكن احتواؤها. وهكذا، أصبح التصعيد نفسه عملية مُدارة ومقصودة، لا نتيجة غير محسوبة.

 

وفي موازاة ذلك، تحوّلت الدبلوماسية من بديل للقوة إلى أداة موازية ومكمّلة لها. فمن خلال المفاوضات غير المعلنة، والوساطات، والإشارات الإستراتيجية، تسعى الدول إلى تقليل حالة عدم اليقين، وإدارة كلفة المواجهة، وتحقيق مكاسب يصعب انتزاعها عسكرياً. وبذلك، لم تعد الدبلوماسية مجرد تعبير عن ضبط النفس، بل أصبحت وسيلة لممارسة النفوذ في بيئة دولية تتسم بالغموض والمخاطر.

 

وتُقدّم الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران نموذجاً واضحاً لهذا التداخل بين الردع العسكري والمناورة الدبلوماسية. فهي تُظهر كيف تسعى الأطراف المختلفة إلى فرض الكلفة واحتوائها في الوقت نفسه، عبر موازنة دقيقة بين الإكراه والحذر، والتصعيد والاحتواء. وفي هذا السياق، بات نجاح الدول يُقاس بقدرتها على توجيه مسار الصراع والتحكم بإيقاعه، أكثر من قياسه بنتائج المعارك الميدانية وحدها.

 

 

التصعيد المدروس

 

يُظهر التفاعل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كيف أصبحت الصراعات المعاصرة تُدار عبر التصعيد المدروس أكثر من اعتمادها على تحقيق نصر عسكري حاسم. فقد انتهجت الولايات المتحدة وإسرائيل سياسة تقوم على تنفيذ ضربات محدودة وإرسال إشارات إستراتيجية واستخدام أدوات ضغط غير مباشرة، بهدف تعزيز الردع من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة أو تورّط عسكري طويل الأمد.

 

في المقابل، اعتمدت إيران على إستراتيجيات غير متماثلة تجمع بين الردود غير المباشرة عبر حلفائها من الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة، وبين الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة المحسوبة بعناية. ومن خلال التحرك ضمن المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم، سعت طهران إلى الحفاظ على الردع مع الحدّ من تعرّضها لردّ انتقامي واسع.

 

ويعكس تبادل الضربات بين الأطراف المختلفة مصلحة مشتركة في احتواء التصعيد رغم تصاعد المواجهة. فالردود المتبادلة اتسمت بطابع رمزي ومدروس، وركّزت على توجيه الرسائل وتعزيز الردع أكثر من تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.

 

وفي موازاة ذلك، بقيت الدبلوماسية عنصراً أساسياً في إدارة الصراع. فقد ساهمت المفاوضات غير المعلنة، وجهود الوساطة، وقنوات الاتصال غير المباشرة في تقليص احتمالات سوء التقدير، وتوضيح الخطوط الحمراء، وفتح المجال أمام خيارات خفض التصعيد. وتعكس هذه الديناميكيات تحوّلاً أوسع في طبيعة الصراعات المعاصرة: من السعي إلى الحسم العسكري إلى إدارة المخاطر والتصعيد.

 

 

إعادة تعريف القوة

 

تكشف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن تحوّل أوسع في كيفية ممارسة القوة في الصراعات المعاصرة. فبينما تبقى القدرات العسكرية عنصراً أساسياً، بات النجاح الإستراتيجي يعتمد بصورة متزايدة على القدرة على إدارة التصعيد، وتوجيه الرسائل، والجمع بين الإكراه والدبلوماسية. ولم تعد القوة العسكرية والدبلوماسية تعملان بشكل منفصل، بل أصبحتا أداتين متكاملتين في إدارة الصراع.

 

وقد عزّز هذا التحوّل أهمية التوقيت، والإشارات الإستراتيجية، والوساطة. فالتحركات العسكرية لم تعد تُقاس بأثرها الميداني فقط، بل أيضاً بالرسائل السياسية التي تحملها. وفي هذا السياق، لعبت دول وسيطة مثل قطر دوراً متزايد الأهمية في تسهيل التواصل، وتقليص احتمالات سوء التقدير، وفتح المجال أمام خفض التصعيد.

 

كما تُظهر هذه الحرب حدود المقاربات التقليدية القائمة على تحقيق نصر حاسم. فالصراعات المعاصرة باتت تُدار وفق منطق مزدوج: استخدام القوة المدروسة لفرض الكلفة، واستخدام الدبلوماسية لاحتواء التصعيد. وفي هذا الإطار، لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرة على التدمير، بل أيضاً بالقدرة على إدارة المخاطر وتوجيه مسار الصراع.

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: حرب إيران
البلد: إيران، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المملكة العربية السعودية، اليمن، عُمان، فلسطين، قطر

المؤلف

أستاذ مساعد في جامعة قطر
د. نافجة الكواري، أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية في جامعة قطر.