زائر يتجوّل في جناح أنظمة الطيران والدفاع العسكري خلال معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري (ديمدكس 2026) الذي انعقد في مركز قطر الوطني للمؤتمرات، الدوحة، قطر، 19 يناير 2026 (صورة: نوشاد ثيكاييل / نور فوتو / عبر وكالة فرانس برس).

منظومة الأمن الخليجي: من المظلّة الوقائية إلى الشراكة الفاعلة  

تُعيد دول الخليج النظر في ترتيباتها الأمنية طويلة الأمد مع واشنطن وتسعى إلى بناء علاقة تُترجم مصالحها واستقلالها الاستراتيجي في ظلّ التوترات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.

30 مارس، 2026
خالد الجابر

أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية طرح مسألة العلاقة الأمنية بين دول الخليج والولايات المتّحدة الأمريكيةإذ بلغت حدّة السجال السياسي مرحلة لم تشهدها المنطقة من قبل، وخرج النقاش من التصوّرات التقليدية التي كانت ترى في الولايات المتحدّة «مظلة وقائية» تقوم على معادلة تدّفق النفط مقابل الوجود العسكري الواسع إلى سؤالين أساسيين يتمحوران حول: من يمتلك في نهاية المطاف قرار الحرب والسلم؟ ومن يتحمّل كلفة هذه القرارات أمنياً واقتصادياً واجتماعياً؟ 

 

 تتشكل اليوم ملامح علاقة أمنية مختلفة تتجاوز القواعد التقليدية، إذ يظهر توازن جديد يعيد تعريف الدور الأمريكي من «ضامن للاستقرار» إلى «شريك أمني»، ومن تحالفٍ قائم على تفويض مفتوح إلى صيغة تستند إلى شروط واضحة وضوابط محدّدة تُعيد تعريف بُنية الأمن الإقليمي التي حكمت المنطقة طوال العقود الماضية. 

 

 

إدراك المخاطر البنيوية 

 

منذ سبعينيات القرن الماضي، ارتكز أمن الخليج إلى حدّ كبير على معادلة «النفط مقابل الحماية»وقد تجسّد ذلك في إقامة قواعد عسكرية أمريكية كبرى في المنطقة مقابل التزام ضمني باستخدام أمريكا قوّتها للدفاع عن أي تهديد جدّي تتعرّض له الأنظمة الخليجية أو طُرق إمداد الطاقة. وقد تبنّت دول الخليج بالفعل هذا النمط من الرعاية الاستراتيجية الذي يوفّر لواشنطن إمكانية إدارة أنشطتها العسكرية والاستخباراتية بشكل واسع في الأراضي الخليجية، مقابل توفير الضمانة الأمنية والوجودية لهذه الأنظمة. 

 

غير أن تراكم التجارب من تحرير الكويت عام1991، مروراً بغزو العراق عام 2003، وصولًا إلى حرب إيران الحالية، كشف الوجه الآخر لهذه المعادلة. إذ تحوّلت القواعد العسكرية الأمريكية إلى أهدافٍ مركزية في حسابات خصوم الولايات المتحدة، كما أصبحت الموانئ ومنشآت النفط ومحطّات تحلية المياه بل وحتى المدن الكبرى ضمن نطاق الردود المحتملة في أوقات التصعيدوهذا لا ينفي الدور الذي أدّته المظلّة الأمنية الأمريكية في تجنّب سيناريوهات خطيرة، ولكنّه يضع كلفتها الفعلية تحت المجهر، التي تتمثل بمخاطر أمنية ناجمة عن الضربات الصاروخية، وتداعيات سياسية ترتبط بحروب مثيرة للجدل، بالإضافة إلى آثار اجتماعية تتوّلد نتيجة تساؤلات المواطنين عمّا إذا كانت بلدانهم لا تزال بمنأى عن صراعات القوى الكبرى. 

 

 

الشراكة الفاعلة 

 

في هذا السياق، يتوجه الخطاب السياسي الخليجي على المستويين الرسمي والنخبوي بشكل متصاعد نحو ما يمكن وصفه بنموذج «الشراكة المشروطة». ولا ينطلق هذا التوجه من فكّ الارتباط مع الولايات المتّحدة الأمريكية، بل يتمحور حول إعادة تعريف قواعد العلاقة بين الطرفين، والانتقال من تحالف يمنح واشنطن هامشاَ واسعاً من الحرية في استخدام القواعد العسكرية والمجال الجوي، إلى شراكة تستند إلى ثلاثة مرتكزات رئيسة. 

 

يستندُ المرتكز الأول إلى مبدأ التشاور الإلزامي بدلاً من الاكتفاء بالإخطار الشكلي. فالعواصم الخليجية بصفتها دولاً ذات سيادة لديها دور مؤثّر وفاعل كشريك إقليمي، ويفترض إشراكها منذ المراحل الأولى في النقاشات المتعلّقة بأهداف أي عمل عسكري، وسيناريوهات التصعيد، ومخاطر الردود، واستراتيجيات الخروج. ولا ينبغي أن تجدُ نفسها أمام أمرٍ واقعٍ في الساعات أو الأيام الأخيرة التي تسبق ذلك. من شأن هذا النهج، إن تحقّق، أن ينقل طبيعة العلاقة الأمنية من مجرّد منصّات تشغيلية إلى أطراف سياسية فاعلة تمتلك القدرة على الاعتراض أو التعديل، بل وحتى تعطيل القرارات المطروحة. 

 

أما المرتكز الثاني، فيتعلّق بوضع خطوط حمراء واضحة تحكم استخدام القواعد والمنشآت. ومن أبرز هذه الخطوط رفض تحويل الأراضي الخليجية إلى نقطة انطلاق لعمليات تزيد بشكل كبير من احتمالات استهداف المدن والبنى التحتية الحيوية. كما ينبغي أن يُربط أي استخدام هجومي لهذه القواعد بضمانات دفاعية ملموسة، تشمل تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، ووضع خطط لحماية المدنيين، إلى جانب ترتيبات إعادة الإعمار في حال وقوع أضرار جسيمة.  

 

ويرتبط المرتكز الثالث بالشفافية في التخطيط الاستراتيجي. فقد أظهرت التجربة الأخيرة في الصراع مع إيران أن حتى كبار الدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين في دول حليفة وجدوا أنفسهم خارج دوائر صنع القرار الأساسية، وتلقّوا معلومات عن عمليات كبرى عبر وسائل الإعلام لا من القنوات الرسمية. عزّزت هذه الوقائع الانطباع الخليجي عن الآليات الغامضة في اتخاذ القرارات الأمريكية التي قد تمسّ بمصالحهم الحيوية بشكل مباشرلذلك، من المهم أن يكون هناك إصرار على رفض القرارات الأمنية الإقليمية التي تُصاغ خارج المنطقة وتُفرض لاحقاً على الأطراف التي ستتحمّل تبعاتها. 

 

 

تنويع الشركاء ومصادر التسليح 

 

يُشكّل تعدّد موردّي السلاح وتنويع الشراكات الاستراتيجية إحدى المسارات الأساسية التي تعتمدها دول الخليج في سعيها لإعادة التوازن في علاقاتها الأمنية. إذ يعكس الانخراط المتزايد مع أوروبا عبر صفقات التسلّح وتعزيز التعاونين البحري والجوي قناعة متنامية بأن الشركاء الأوروبيين أقلّ اندفاعاً نحو المغامرات العسكرية المباشرة، وأكثر تركيزاً على حماية استقرار تدفقات الطاقة العالمية. 

 

في الوقت نفسه، يُستخدم توسيع نطاق العلاقات مع الصين بوصفها أحد أبرز مستهلكي الطاقة الخليجية وقوّة دولية صاعدة أحياناً كورقة ضغط في التفاوض مع واشنطن. والرسالة الضمنية في ذلك واضحة: إذا أصبحت الشروط الأمريكية أكثر تقييداً، فإن البدائل ليست غائبة. 

 

غير أن هذا التوجّه نحو التنويع لا يخلو من إشكاليات معقّدة. فهل يُسهم فعلاً في تقليص الاعتماد على الخارج، أم أنه يُعيد توزيعه ضمن شبكة أكثر تعقيداً؟ إنّ إدخال الصين وروسيا وغيرهما إلى معادلة الأمن الخليجي يعني عملياً نقل تنافس القوى الكبرى إلى داخل المنطقة. وقد يتحوّل الخليج من ساحة هامشية في التنافس الدولي، إلى مركز رئيسي للصراع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين، وربما موسكو أيضاً. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على «التوازن» أكثر صعوبةإذ كلّما تعدّدت الأطراف التي يحاول الفاعل الخليجي موازنتها في آن واحد، ازدادت كلفة هذا التوازن وتعقّدت شروط الحفاظ عليه. 

 

 

 

صعوبة التوازن في نظام دولي مضطرب 

تُواجه دُول الخليج معضلة استراتيجية دقيقة، فهي لا تستطيع فكّ الارتباط بالولايات المتّحدة، لكنها في المقابل لم تعد قادرة على القبول بصيغة تحالفية تضع أمنها رهينة قرارات تُتخذ خارج حدودها. وهذا التوتر يدفعها إلى البحث عن إطار أمني جديد يعزّز قدراتها الدفاعية الذاتية، ويُعيد صياغة شروط المظلّة الأمنية الأمريكية، ويُنوّع شراكاتها بحذر مع أطراف أوروبية وآسيوية وإقليمية 

 

غير أن التحدّي الحقيقي لا يقتصر على المطالبة بمزيد من الاستقلالية، بل يكمن في تحويلها إلى مأسسة راسخة، عبر اتفاقيات واضحة وآليات تشاور فعّالة، تضمن ألا تُتّخذ القرارات الأمنية الكبرى، ولاسيّما تلك التي قد تصل إلى حدّ المواجهة مع إيران، من دون انخراط سياسي فعلي لدول الخليج، بوصفها الفاعل الإقليمي السيادي الأكثر تأثراً سواء من ناحية المصلحة الوطنية أو البنية الأمنية الاستراتيجية.  

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: السياسة الأمريكية الخارجية
البلد: الإمارات العربية المتحدة

المؤلف

المدير العام
 خالد الجابر هو المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتميّز الدكتور خالد الجابر بخبرة واسعة وبمسيرة مهنية وأكاديمية طويلة في مجال التواصل السياسي وشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما شغل خلال مسيرته مناصب قيادية في عدد من مراكز الفكر والمؤسّسات البحثيّة، من بينها مركز الشرق للدراسات والبحوث، وشغل منصب رئيس تحرير صحيفة “ذا… Continue reading منظومة الأمن الخليجي: من المظلّة الوقائية إلى الشراكة الفاعلة