دخلت منطقة الخليج العربي مرحلة مفصلية يُعاد فيها تشكيل بنيتها الأمنية على نحو متسارع. فقد أدّى اتساع رقعة المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران وما نتج عنها من تداعيات طالت المنطقة، إلى انتقال الخليج من ساحة هامشية في الصراع إلى ساحة مركزية للتصعيد.
لقد كشفت الهجمات العابرة للحدود التي استهدفت البنى التحتية الحيوية في الخليج باستخدام صواريخ باليستية مثل «شهاب-3» و«فاتح-110»، إلى جانب أسراب من الطائرات المسيّرة المصمّمة لإرباك أنظمة الدفاع عن حجم التهديد الذي تتعرض له المنطقة وتعقيداته. وقد اضطرت عدد من دول الخليج، لرفع جاهزية دفاعاتها الجوية للتعامل مع الهجمات المتزامنة ومتعددة الاتجاهات.
تعكس هذه المرحلة الدلالة البُنيوية العميقة لهذا التهديد ولا تقتصر فقط على شدّته. فتداعيات الصراع الدائر حالياً لا ترتبط بالأطراف المنخرطة مباشرةً في الصراع، بل تتعلق أيضًا بتشكيل البنية الأمنية الإقليمية على نطاق واسع، ويترافق ذلك مع ظهور مفارقة لافتة تتمثل بالإدراك المشترك لطبيعة التهديدات الراهنة التي تتجاوز الحدود الوطنية وتمسّ صميم الأمن الجماعي الخليجي، بالتزامن مع انحسار التوترات السياسية بين دول الخليج.
ويبدو أن «إعلان العلا» لعام 2021 الذي أنهى أزمة حصار قطر وأَعاد العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين دول مجلس التعاون لم يكن مجرد مصالحة سياسية، بل شكّل نقطة تحوّل بنيوية. فقد أظهر هذا الإعلان أن الإحاطة بالتهديدات المشتركة يُمكّن دول الخليج من تجاوز الخلافات الثنائية ويُهيئ الأرضية لمزيد من التعاون الأمني الفعّال. كذلك، تُشير التطورات الأخيرة إلى استمرار دول التعاون في التوجه نحو التنسيق البراغماتي، حيث تتقدّم أولوية الدفاع الجماعي على حساب التباينات السياسية.
إعادة هيكلة أنظمة الدفاع الجوي
أظهرت طبيعة التهديدات الراهنة وحجمها أن الخطوات التدريجية التي اتخذت لم تعد كافية. فالمطلوب ليس مجرد تعزيز القدرات الوطنية لكلّ دولة على حدة، وإنما هناك حاجة ملحة للانتقال نحو بنية إقليمية متكاملة قادرة على استباق الهجمات المعقّدة وتحييدها.
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت هذه الأزمة حدود المقاربات الأحادية. فأمن الخليج بات مترابط وظيفياً أكثر من أي وقت مضى، حيث يُمكن لأيأي اختراق أمني في دولة واحدة أن يمتد سريعاً إلى غيرها لا سيما في ظلّ تمركز البنية التحتية للطاقة، وتشابك مَواطن الهشاشة الاقتصادية. وقد أدّى هذا الواقع إلى توسيع نطاق تبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز التنسيق بين أنظمة الرادار والإنذار المبكر، وتكثيف المناورات العسكرية المشتركة التي تُركز على التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة.
من الناحية المؤسسية، ينعكس هذا التحوّل في مبادرات مثل مشروع «حزام التعاون» التابع لمجلس التعاون الخليجي الذي يهدف إلى تحسين تتبّع الطائرات بشكل مشترك وتنسيق أنظمة الدفاع الجوي بين الدول الأعضاء. ولا يقتصر تهميش الخلافات البينية الخليجية في هذا السياق كإجراء تكتيكي، بل يعكس إدراكاً واسعاً بأن مقاربة الفصل بين الأمن الوطني والإقليمي لم تعد قابلة للحياة.
من هذا المنطلق، تطرح هذه اللحظة فرصة نادرة للانتقال من مجرد التنسيق إلى التكامل التشغيلي. ويتطلب ذلك ربط أنظمة الإنذار المبكر ضمن شبكة موحّدة، وتوحيد قواعد الاشتباك، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية في الوقت المناسب، ورفع مستوى الجاهزية المشتركة. كما توفّر الأنظمة الدفاعية المنتشرة حالياً – مثل باتريوت PAC-3 وPAC-3 MSE في عدد من دول المجلس، وثاد في الإمارات قاعدة تكنولوجية يمكن البناء عليها لتحقيق هذا التكامل.
تُشير جهود التنسيق الأخيرة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون بما في ذلك الاجتماعات التي عُقدت في الرياض وركّزت على بناء صورة جوية مشتركة وتبادل البيانات بشكل فوري، إلى وجود تحرّك فعلي في هذا الاتجاه.
مع ذلك، لا يزال التحدي ذوي طبيعة سياسية وتقنية بقدر ما هو عسكري. فكما أشار محللون منذ فترة طويلة، يؤدي اختلافُ الأنظمة، وتباينُ البرمجيات، وتفاوتُ قواعد الاشتباك إلى عرقلة إمكانية التشغيل البيني. لكنّ ما يميّز المرحلة الراهنة هو تلاقي الإرادة السياسية مع الحاجة الاستراتيجية الملحة، وهو مزيج نادر الحدوث تاريخياً.
إلى جانب متطلبات الدفاع الآنية، فإن الاستثمار في صناعات دفاعية خليجية مشتركة يمكن أن يُرسّخ هذا التحوّل من خلال تقليص الاعتماد طويل الأمد على الموردين الخارجيين وتعزيز الاستدامة الاستراتيجية.
ملامح منظومة أمنية جديدة
في ظل تسارع التغيرات الإقليمية، لم تعد دول مجلس التعاون الخليجي تكتفي بالاستجابة للضغوط الخارجية، بل بدأت تدريجياً في تشكيل معالم أمنها الخاص. ولا يعكس التحول الجاري قطيعة مع الشراكات الخارجية، بل يتمثّل في إعادة تقييم لهذه العلاقات بهدف تعزيز القدرات الذاتية وتفعيل العمل الجماعي.
تعكس الزيادات في الإنفاق الدفاعي هذا التوجه، كما يظهر في استمرار المملكة العربية السعودية في تخصيص مستويات مرتفعة من الإنفاق، تصل إلى نحو 78 مليار دولار في عام 2025. والأهمّ من ذلك أن معيار القوة آخذ في التحول تدريجياً من القدرات الوطنية المنفردة إلى الفاعلية الجماعية لمجلس التعاون كمنظومة متكاملة.
لا شكّ أنّ الأزمة الراهنة تُشكّل مُحفزاً لهذا التحوّل. فإنشاء نظام دفاع جوي موحّد يرتكز إلى بنية تحتية مشتركة يُشكّل خطوة نوعية نحو إطار أمني إقليمي أكثر استقلالية بدلاً من التنسيق الظرفي. مع ذلك، تبقى التحديات الهيكلية قائمة، فحتى في الحالات التي تعتمد فيها دول التعاون على منصات متشابهة، فإن الاختلافات في البرمجيات، وهياكل القيادة، وقواعد الاشتباك تحدّ من تحقيق الإمكانية الكاملة للتشغيل البيني. ويتطلب تجاوز هذه الفجوات مواءمة مؤسسية على مستوى متقدّم، لا مجرد زيادة في عمليات الشراء والتسليح.
وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ ظهور تكتل أمني خليجي أكثر تماسكاً لا يعني بالضرورة الانكفاء عن القوى العالمية، بل يعكس مقاربة أكثر نضجاً في إدارة العلاقات الخارجية تقوم على تحقيق توازن بين التعاون والاستقلالية. وإذا استمر المسار على حاله، فقد يُتيح لدُول مجلس التعاون أن يتحوّل إلى فاعل لديه قدرة أكبر على التأثير، وقادر على تشكيل ديناميات الأمن الإقليمي بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف معها.
من الاعتماد على أطراف أخرى إلى الشراكات الدينامية
لم يأتِ تطوّر التفكير الأمني في الخليج على حساب الانخراط الدولي، بل رافقهُ إعادة تعريف التحالفات بوصفها أدوات مرنة تحكمها المصالح، لا علاقات ثابتة تتسم بالاعتماد على أطراف أخرى. وباتت الترتيبات الأمنية الإقليمية تتمتع بقدر أكبر من القابلية للتكيّف. فقد أتاح إدماج إسرائيل ضمن الإطار العملياتي للقيادة المركزية الأميركية عقب «اتفاقيات أبراهام» فتح قنوات جديدة لرصد التهديدات والإنذار المبكر. وعلى نحو أوسع، أظهرت دول مجلس التعاون قدرة على الانخراط مع مجموعة متنوعة من الشركاء، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلاليتها الاستراتيجية.
لا يتعارض هذا القدر من المرونة مع هدف بناء نظام دفاع جوي خليجي موحّد، بل يعزّزه. إذ يمكن للشراكات الدولية أن تُسرّع من وتيرة التكامل التكنولوجي، وتُحسّن قابلية التشغيل البيني، وتوفّر دعماً حاسماً خلال المرحلة الانتقالية نحو بنية إقليمية أكثر اعتماداً على الذات.
ما يتشكل اليوم هو نموذج هجين: إطار أمني خليجي يجمع بين التكامل الداخلي والانفتاح الخارجي. في هذا النموذج، لم تعد دول المجلس مجرد متلقي سلبي للضمانات الأمنية، بل أصبحت لاعباً فاعلاً نشطاً في إنتاج الاستقرار الإقليمي. وستكون قدرتها على تحقيق التوازن الدقيق بين الاستقلالية والشراكة عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الأزمة الراهنة ستُترجم إلى تحوّل بنيوي مستدام.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.