تصاعد سحابة من الدخان أعقاب ضربة إيرانية استهدفت خزانات وقود في المحرق في 12 مارس 2026. (تصوير: فاضل مدهن / وكالة فرانس برس)

المصلحة الخليجية: لتشكيل كتلة استراتيجية عسكرية وسياسية متماسكة  

في ظلّ الحروب التي تُعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين: إما الاستجابة بشكل منفرد؛ أو التوجه نحو تنسيق مترابط يضمن حماية المصلحة الجماعية الخليجية.

24 مارس، 2026
إبراهيم الشيخ

في ظلّ الحروب التي تُعيد تشكيل ملامح النظام الإقليمي، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين: إما الاستجابة بشكل منفرد؛ أو التوجه نحو تنسيق مترابط يضمن حماية المصلحة الجماعية الخليجية.

 

تُقاس خطورة الحروب في الشرق الأوسط، بل بمدى ما تكشفه من اختلالات بنيوية وما تُبدده من أوهام لطالما اختبأت خلف مشهد التحالفات والاتفاقيات والشعارات الرنّانة، لا بحجم الترسانات المستنزفة أو بعدد الطلعات الجوية التي تجول في سمائه.

 

فالمواجهة المفتوحة الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هي نقطة تحوّل تكاد تكون مفصلية، لرسم معالم نظام إقليمي يلوح في الأفق لسنوات مقبلة.

 

في قلب هذا التحول يقف الخليج العربي، لا بخيار منه، بل بحكم الجغرافيا والتاريخ وثرواته الهيدروكربونية، كجزء لا يتجزأ من أي صراع إقليمي أو دولي. فهذه المنطقة ليست حيزاً جغرافيًا فحسب، بل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية وممراً تجارياً استراتيجياً وإحدى أكثر مناطق العالم تركّزاً للثروة الاقتصادية. وبالتالي، فإن اندلاع أي صراع كبير في المنطقة سيكون له تداعياته على سواحلها.

 

 

اتساع رقعة الحرب

 

انطلقت المواجهة بضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت البنية التحتية العسكرية والاستراتيجية لإيران، وذلك في مسعى لإضعاف قدرات طهران والحدّ من نفوذها الإقليمي. غير أنّ الردّ الإيراني لم يقتصر على جبهة واحدة، بل توزّع عبر ساحات متعدّدة، مستهدفاً إسرائيل وقواعد الولايات المتحدة في المنطقة، مع تداعيات تجاوزت المنشآت العسكرية لتطال نطاقاً أوسع في الخليج.

 

مع تسارع وتيرة الضربات والضربات المضادة، تَحوّل الصراع تدريجياً، ولكن بشكل واضح إلى حرب استنزاف إقليمية متعدّدة الجبهات، تتحمّل كلفتها جميع الأطراف، بدرجات متفاوتة.

 

لكنّ البُعد الأكثر خطورة في هذه المواجهة، لا ينحصر في حجم العمليات العسكرية بحد ذاته، بل في امتدادها إلى قطاع الطاقة. فمع استهداف منشآت النفط والغاز الإيرانية لا سيما الحقول والبنى التحتية المرتبطة بالصادرات، تعطّل نحو 12 في المئة من إنتاج الغاز الإيراني. لم يكن ذلك مجرد تحرك تكتيكي معزول، بل مؤشر واضح على انتقال الحرب إلى المجال الاقتصادي.

 

جاء الردّ الإيراني عبر التهديد واستهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهي المنطقة التي تنتج نحو 17 في المنطقة من النفط العالمي، وتضمّ قرابة 32 في المئة من الاحتياطات المؤكدة، لتبرز هنا أخطر معادلة يمكن أن تواجهها المنطقة: نفط مقابل نفط، وبنية تحتية مقابل بنية تحتية. فالصراع لم يعد عسكرياً يندرج ضمن الإطار التقليدي، بل تحوّل إلى مواجهة تحمل في طياتها إمكانية زعزعة الاقتصاد العالمي وتعطيل تدفقات الطاقة الدولية.

 

 

استدراج الخليج إلى أتون الحرب

تُفضي قراءة متأنية للمشهد إلى خلاصة مقلقة: إن استهداف البنية التحتية للطاقة لم يكن مجرد خيارًا تصعيديًا، بل خطوة ذات طابع استراتيجي، تندرج ضمن هدف أوسع وأكثر خطورة يتمثل في جرّ دول الخليج إلى أتون الحرب.

 

فالمنطق هنا بسيط: عندما يفشل الضغط السياسي في فرض الاصطفاف، يُمكن للهشاشة المادية أن تقوم بهذا الدور. من هذا المنطلق، دفعت الضربات الإسرائيلية على المنشآت الإيرانية إلى رد مماثل طال الخليج، ما خلق واقعاً باتت فيه المحافظة على الحياد أكثر صعوبة.

 

يُثير سعي بعض صناع القرار ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تصوير دول الخليج وكأنها جزء من اصطفاف يتبنى الأهداف الاستراتيجية والأيديولوجية الإسرائيلية مزيدًا من القلق. في المقابل، يُظهر هذا الواقع أن دول الخليج دأبت على انتهاج أولويات مختلفة، تتمحور حول الاستقرار، واستمرارية النشاط الاقتصادي، وتجنّب المخاطر، لا حول الاصطفاف الأيديولوجي.

 

وحتى الآن، أظهرت هذه الدول قدراً عالياً من النضج والانضباط الاستراتيجي، رافضة الانجرار إلى صراع لا يخدم مصالحها.

 

 

التعاون الخليجي: إنجازُ يواجه اختبارات قاسية

في هذا السياق، تبنّت دول مجلس التعاون الخليجي نهجاً مدروساً ومتدرّجاً، يقوم على تجنّب الانخراط المباشر في الصراع، مع الحفاظ على أولوياتها الاستراتيجية الأساسية، أي الاستقرار الداخلي، والمرونة الاقتصادية، واستمرار تدفقات الطاقة، ومنع تحوّل الخليج إلى ساحة مفتوحة للحروب.

 

يمثّل هذا الموقف أحد أبرز إنجازات منظومة مجلس التعاون خلال العقود الأخيرة، وهو إنجاز يستحق التوقف عنده. فالخطر الحقيقي لم يكن يوماً سقوط صاروخ هنا أو هناك، بل تحوّل الخليج إلى مسرح دائم لصراعات الآخرين.

 

من أبرز الدروس التي تكشفها هذه الأزمة أن معادلات الأمن الإقليمي التقليدية استنفدت صلاحيتها. فعلى الرغم من التفوّق العسكري للولايات المتحدة، لم تتمكن واشنطن من منع استهداف قواعدها في المنطقة أو من توفير حماية شاملة لحلفائها. وعلى الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي المفترض، لم تعد إسرائيل قادرة على خوض حروب أحادية من دون أن ترتد كلفتها إلى جبهتها الداخلية. أما إيران، على الرغم من شبكتها الإقليمية، إلا أنها تتحمّل أكلافًا مادية واقتصادية كبيرة داخل حدودها.

 

أما الخليج العربي فقد استدرك حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها: الأمن لا يُستورد، بل يُبنى من الداخل. ومن يعجز عن حماية نفسه، لا يمكنه أن يوفّر الحماية لغيره.

 

 

مفترق طرق استراتيجي

في ضوء هذه التجربة القاسية، يقف الخليج اليوم أمام خيار مفصلي. فإما أن يستمر كمجموعة دول متجاورة تتعامل مع العالم كلٌ على حدة، أو أن يتحوّل إلى كتلة سياسية واقتصادية وعسكرية متماسكة، قادرة على حماية مصالحها في عالم لا يعترف إلا بمنطق القوة.

 

لقد كشفت هذه الأزمة حدود الرهان على الحماية الخارجية. فهي قد تخفف من المخاطر، لكنها لا تلغيها، بل قد تفتح الباب أمام عوامل ضعف جديدة. كما أظهرت أنّ هذا الاعتماد يظلّ عرضة للاهتزاز بفعل أجندات تُصاغ خارج المنطقة. فالمغامرات العسكرية التي تُطبخ في واشنطن، وتتقاطع مع مصالح إسرائيلية متطرفة، لم تؤدِّ سوى إلى زعزعة استقرار المنطقة واستنزاف مواردها.

 

إنّ حكم التاريخ في هذا السياق واضح: تتحوّل المناطق التي تدرك وزنها الحقيقي إلى مراكز قوة، أما تلك التي تنتظر الحماية من الآخرين، فمصيرها أن تصبح ساحات للصراع. وعليه، تجد دول الخليج نفسها أمام خيار حاسم: إما تأسيس إطار إقليمي موحد، كونفدرالية حقيقية توحّد ثقلها الاقتصادي والاستراتيجي، أو البقاء مجرد متفرّج على أرضه، تتقاذفه رياح الصراع والبقاء، فيما يعاد تشكيل بيئته الأمنية من قبل أطراف خارجية.

 

 

وفي لحظة تتسارع فيها التحولات الإقليمية بوتيرة غير مسبوقة، يضيق هامش التردد. فالخيار الذي يُتخذ اليوم سيحدد ما إذا كان الخليج سيتحرك بقدر أكبر من التماسك الاستراتيجي، أم سيواصل إدارة أزماته إلى حدّ كبير وفق شروط يفرضها الآخرون.

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية:
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

محاضر بجامعة البحرين
إبراهيم الشيخ محاضر غير متفرغ بجامعة البحرين، ويشغل حالياً عضوية مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية