أفراد أسرة يجلسون بالقرب من حوض للسفن في سواحل مدينة الفجيرة، عند مضيق هرمز في شمال الإمارة، 25 فبراير 2026. (تصوير: جوزيبي كاكاشي / وكالة فرانس برس)

نموذج “الاستقرار الخليجي” تحت الضغط 

قد تتصدّر الصواريخ عناوين الأخبار. غير أن الخطر الأكبر الذي يواجه دول الخليج اليوم يكمن في الاضطراب الاقتصادي والاستراتيجي الذي يفرضه هذا الصراع على نموذج الاستقرار الإقليمي، والذي قامت عليه المنطقة خلال العقود الماضية.  

17 مارس، 2026
نايف النابت

مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران أسبوعها الثالث، باتت تداعياتها تتجاوز ساحة القتال بكثير. حيث طالت الضربات الصاروخية بنى تحتية حيوية في أنحاء الخليج، وأدّت التهديدات التي تستهدف الملاحة التجارية إلى تعطّل حركة النقل البحري عبر مضيق هرمز فعلياً للمرة الأولى منذ المراحل الأخيرة للحرب الإيرانية-العراقية التي جرت في ثمانينيات القرن الماضي. 

 

في ظل هذه التطورات، أعلنت وكالة تسعير السلع S&P Global Platts تعليق عمليات تقديم العروض والطلبات على عدد من شحنات النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من استمرار تعطّل الملاحة البحرية في الخليج لفترة غير محددة. وقد تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، إلاّ أن اقتصادات الخليج لا تستطيع الاستفادة من هذه الزيادة في الأسعار لأنها باتت إلى حدّ كبير معزولة عن أسواق الطاقة العالمية نتيجة تعطّل طرق النقل. وتشير هذه التطورات إلى مشكلة أعمق. 

 

 يطرح التصعيد الحالي تحديات أمنية واقتصادية مؤقتة لدول الخليج، ولكنه يتحول أيضًا وبشكل سريع إلى اختبار بنيوي للنظام الإقليمي الذي تقوده دول مجلس التعاون الخليجي، وهو نظام قام على مزيج من الردع الذي تتم إدارته، وضبط النفس الاستراتيجي، واستمرار تدفق التجارة العالمية من دون انقطاع. 

 

 

من الصواريخ إلى الأسواق 

 

لم تعد حماية أمن الدولة وسيادتها التحدي المباشر الذي تواجهه دول الخليج فحسب. فقد طالت عمليات الردّ غير المتكافئ التي تنفذها إيران بالفعل منشآت الطاقة والمواقع العسكرية ومرافق مدنية في أنحاء المنطقة، وفقاً للتصريحات القطرية الرسمية 

 

ولكن اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لا يُمثل سوى جانب واحد من الأزمة، إذ تُعدّ التداعيات الاقتصادية للصراع إحدى المخاطر الحقيقية التي يفرضها على المدى الطويل. فهشاشة الأوضاع الاقتصادية عامل لا يقلّ تأثيراً في استقرار دول الخليج عن الأضرار المادية الناجمة عن الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة. 

 

بدأت الحرب بالفعل تهدد قدرة اقتصادات المنطقة على الصمود، حيث تراجعت حركة الطيران في المراكز الجوية الرئيسة لدول مجلس التعاون الخليجي دون مستوياتها الطبيعية بكثير، وأعادت شركات الطيران توجيه مسارات رحلاتها لتفادي الأجواء الخليجية.  وبالنسبة إلى شركات الطيران المحلية، تقوّض هذه الاضطرابات جهوداً استمرت أكثر من عقد لتحويل مدن الخليج إلى مراكز عالمية للنقل الجوي والرحلات الطويلةإذ أُلغيت نحو 40 ألف رحلة جوية، خلال الأسبوعين الأولين من الصراع، وبدأت عدد من شركات الطيران الدولية بالفعل في دراسة مسارات عبور بديلة لتجنّب اضطرابات مماثلة في المستقبل. 

 

ولا يقتصر التأثير على قطاع الطيران فحسبعلاوة على ذلك، بدأ سوق العقارات في الخليج يتأثر أيضاً، إذ يبدو أن المستثمرين الأجانب الذين شكّلوا محركاً رئيساً للطلب العقاري في السنوات الأخيرة أكثر تردداً في شراء أصول قد تصبح عرضة لتصعيد عسكري محتمل. كما تتعرّض أسواق الأسهم الإقليمية لضغوط متزايدة مع توجّه المستثمرين إلى التخارج من الأصول عالية المخاطر، ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار المالي في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تراجع مؤشر بورصة قطر بنسبة 5 في المئة في الثاني من مارس، في إشارة إلى تزايد حذر المستثمرين. 

 

كذلك بدأت قطاعات السياحة والضيافة التي طُرحت منذ سنوات بوصفها ركائز أساسية لاستراتيجيات التنويع الاقتصادي في مرحلة ما بعد النفط، تتأثر بتداعيات استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي، سواء من خلال تراجع أعداد الزوار أو تأجيل قرارات السفر. 

 

أما الإغلاق المطوّل لمضيق هرمز فسيطرح تحديات أعمق بكثير. إذ إن تقييد الوصول إلى المواد والمكوّنات والمعدّات المستوردة سيؤدي إلى تعطيل النشاط الصناعي في مختلف أنحاء الخليج. وإذا استمرّت الأزمة لفترة طويلة، ستؤثر ليس فقط في قدرة اقتصادات المنطقة على الصمود في المدى القصير، بل أيضاً في تقويض جهود جذب الاستثمارات الأجنبية التي تعتمد عليها استراتيجيات التنويع الاقتصادي في دول الخليج. 

 

 

معضلة الردع 

تضع المواجهة مع إيران قادة الخليج أمام معضلة استراتيجية معقّدة. فمن جهة، قد يؤدّي الردّ العسكري العلني إلى زيادة قلق المستثمرين وتهديد الاستقرار الاقتصادي، إذ غالباً ما تتعامل التدفقات الرأسمالية الأجنبية بحذر مع الدول التي يُنظر إليها على أنها تنخرط في مواجهات عسكرية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي رد عسكري مباشر من جانب دول مجلس التعاون الخليجي قد يضع برامج التحول الاقتصادي الأوسع تحت ضغط متزايد 

 

فضلاً عن ذلك، من غير المرجح أن يسرّع الرد العسكري إعادة فتح مضيق هرمز. بل على العكس، قد يدفع إيران إلى تكثيف هجماتها على الحركة البحرية المحدودة التي لا تزال تمر عبر هذا الممر، ما يزيد من الخسائر الاقتصادية التي تتكبدّها دول الخليج. 

 

وفي المقابل، ينطوي الإفراط في ضبط النفس أيضاً على كلفة استراتيجية مرتفعة وسمعة سياسية سيئة. يُفسَّر هذا الحذر على أنه عجز من دول الخليج عن الدفاع عن حدودها أو حماية بنيتها التحتية الحيوية إذا لم يترافق مع رسائل سياسية واضحة. وفي السياسة الإقليمية، تؤدي الانطباعات دوراً مهماً، إذ يمكن أن تؤثر في كيفية تموضع الدول ضمن الحسابات الاستراتيجية الأوسع. وقد تُزعزع مثل هذه التصورات من الجهود الدبلوماسية والاستراتيجية التي بذلتها دول الخليج لأكثر من ثلاثة عقود، من أجل ترسيخ موقعها كقوى متوسطة مؤثرة في النظام الدولي. 

 

 

استراتيجية ضبط النفس 

 

بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، لا يُعدّ ضبط النفس المدروس علامة ضعف، بل شكلاً للتكيف من خلال الردع، وذلك بهدف الحدّ من الكلفة الاقتصادية والأمنية للصراعمن خلال تجنّب التصعيد، يبعث قادة الخليج برسالة مفادها أنهم لا يسعون إلى توسيع الصراع أو تعميقه، ولا إلى إعادة صياغة علاقتهم جذرياً مع إيران المجاورة. وفي بيئة جيوسياسية شديدة الترابط، يمكن لضبط النفس بحد ذاته أن يكون إشارة استراتيجية، لا مجرد غياب للرد. 

 

كما يعكس هذا النهج تفضيلاً خليجياً واضحاً لعدم الانجرار مباشرة إلى المواجهة، وذلك على الرغم من العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع واشنطن، حيث يسعى قادة المنطقة إلى الحفاظ على إطار من الردع المُدار، بدلاً من السماح بانزلاق الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع، من خلال التشديد على مبادئ القانون الدولي والانخراط الدبلوماسي كما يتضح في القرار الأخير باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي 

 

من هذا المنطلق، تبقى الدبلوماسية الإقليمية أداة أساسية لخفض التوترات وحماية أمن الملاحة البحرية، عبر تفعيل قنوات التواصل الدبلوماسي مع كل من واشنطن وطهران. 

 

 

الحوكمة تحت الضغط 

 

السؤال المركزي الذي نطرحه في المرحلة المقبلة لا يتعلق بامتلاك دول الخليج الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية اللازمة لإدارة الأزمات الإقليمية، بل بمدى قدرة هذه الأدوات على تحقيق نتائج فعّالة بالسرعة الكافية في ظل تصاعد الضغوط؟ 

 

لقد أظهرت أزمات إقليمية سابقة، ولا سيما الاضطرابات التي رافقت الربيع العربي، أنّ دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على التنسيق بفاعلية عندما تتعرض مصالحها الاستراتيجية المشتركة للخطر. ويعكس الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري لمجلس التعاون الذي انعقد في الأول من مارس، وخُصّص لتنسيق ردّ موحّد على الأزمة، استعداد التكتل الخليجي لتعبئة موارده السياسية والاقتصادية المشتركة عند الحاجة. 

 

كذلك، تكتسب المبادرات الدبلوماسية التي تقودها كلّ من قطر وعُمان أهمية خاصة، إذ لا يقتصر دورهما على البحث عن مخرج محتمل للصراع، بل يشمل أيضاً إدارة توقّعات كل من طهران وواشنطن بشأن ما قد يحققه أي تصعيد إضافي على أرض الواقع. 

 

ولا بدّ من الإشارة إلى أن اعتماد الاقتصاد العالمي على طاقة الخليج يُسهم أيضًا في تشكيل طبيعة الاستجابة الدولية للأزمة. فبدلاً من الدفع نحو تدخل أوسع، خلق هذا الاعتماد حوافز قوية لتحرّك دولي يهدف إلى إنهاء الصراع مع إيران، تفادياً لانزلاق الاقتصاد العالمي إلى الركود. 

 

غير أن المسألة التي لا بُدّ من البحث فيها، هي مدى قدرة نموذج الاستقرار الذي بنتْه دول الخليج خلال العقدين الماضيين على الصمود في مواجهة التصعيد الإقليمي المستمر؟ هذا النموذج القائم على انفتاح التجارة، وتعزيز الترابط الاقتصادي، وإدارة الردع بحذر  يعتمد في جوهره على بقاء الخليج في نظر العالم مركزاً مستقراً يربط بين الأسواق العالمية. 

 

بالتأكيد أنّ هذا النموذج يقع تحت ضغط كبير بسبب الأزمة الراهنةلكن المساعي الدبلوماسية المتواصلة واستراتيجية ضبط النفس الاستراتيجي تعكسان إدراكاً متزايداً بأنّ الحفاظ على الاستقرار بات الأولوية الاستراتيجية الأهمّ في المنطقة. فالأمن الإقليمي ليس وحده على المحكّ، بل يشمل ذلك الإطار الاقتصادي والسياسي الذي مكّن الخليج من التحوّل إلى واحدة من أكثر المناطق ترابطاً مع الاقتصاد العالمي. 

 

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: الحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
البلد: الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

زميل غير مقيم
نايف النابت، زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. يتخصص في حوكمة الذكاء الاصطناعي، ودور الدول الصغيرة، والمعايير الدولية الناشئة، مع تركيز خاص على منطقة الخليج والآثار السياسية المترتبة على التحوّلات التكنولوجية. تُركّز أبحاثه على كيفية تعامل الدول الصغيرة مع البيئات الجيوسياسية المعقدة، وإسهاماتها في إطلاق النقاشات حول الإجراءات التنظيمية وأطر الحوكمة العالمية… Continue reading نموذج “الاستقرار الخليجي” تحت الضغط