تحوّلت السياسة التجارية لإدارة ترامب إلى مصدر رئيسي لإثارة القلق في الاقتصاد العالمي. فعلى مدار العام الماضي، استخدمت الإدارة الرسوم الجمركية والتهديدات التجارية كأدواتٍ تفاوضية مباشرة في سياستها الخارجية، مطالِبةً الحلفاء بزيادة مشترياتهم من السلع الأمريكية، وخصوصاً الغاز الطبيعي المُسال، مقابل ضمان الوصول إلى السوق الأمريكية والحفاظ على الغطاء السياسي. وما تصفه واشنطن بـ «إعادة التوازن» تنظر إليه عواصم كثيرة باعتباره شكلاً من أشكال الإكراه. في هذا الإطار، أبرمت اليابان، والاتحاد الأوروبي، والهند، اتفاقيات تجارية تعهّدت بموجبها باستثمارات ومشتريات مستقبلية من الطاقة بمليارات الدولارات سعياً إلى تحصين علاقاتها التجارية مع الولايات المتّحدة. يُرجَّح أن تدفع هذه الضبابية في أسواق الطاقة، الدول إلى إعادة النظر في قرارات الشراء على المدى القصير، مع احتمال أن تؤدي إلى إعادة تموضع أوسع في السوق على المديين المتوسط والطويل.
على الرغم من ذلك، لا يخضع الطلب على الطاقة بسهولة للإملاءات السياسية. إذ تتوقّع وكالة الطاقة الدولية ارتفاعاً إضافياً في استهلاك الغاز عالمياً في عام 2026، ما يفرض على الحكومات تأمين إمدادات موثوقة لتغذية اقتصاداتها، وقد سادت أجواء من العجلة في مؤتمر الغاز الطبيعي المُسال الذي عُقد بالدوحة في فبراير 2026، حيث سارع المشاركون إلى إبرام عقود تمتد بين 17 و25 عاماً، في إشارة إلى سعي المشترين للتحوّط من تقلّبات السياسات عبر تنويع مصادر التوريد.
ومع أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية هي أكبر مصدّر للغاز الطبيعي في العالم بالوقت الراهن، وتتقدّم في الاستثمارات الجديدة في هذا القطاع، إلا أنّ دبلوماسيتها التجارية الحازمة تبدو وكأنها تدفع العملاء إلى تنويع إمداداتهم كإجراء احترازي. في هذا السياق، تبرز قطر في المقدّمة، ومن ثم بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بوصفها أبرز المستفيدين من الاهتمام الدولي المتزايد باستقرار عقود الغاز الطبيعي المُسال طويلة الأجل.
ديناميكيات العرض والطلب
في عام 2024، ارتفع الطلب العالمي على الغاز بشكل ملحوظ مدفوعاً بنمو اقتصادي قوي في آسيا، وتعافي القطاع الصناعي في أوروبا، والتحوّل من النفط إلى الغاز في قطاع توليد الكهرباء في الشرق الأوسط، فضلاً عن موجات الطقس المتطرّف في قارات عدّة. وفي عام 2025، سجّل قطاع الغاز الطبيعي المُسال عاماً لافتاً، إذ نما المعروض العالمي بنحو 4 في المئة إلى 5 في المئة، مدفوعاً أساساً بدخول مشروعي «إل إن جي كندا» و«بلاكيمينز» في الولايات المتحدة حيّز التشغيل، ما أدّى إلى تسجيل أكبر زيادة في صادرات الغاز الطبيعي المُسال عالمياً خلال السنوات الثلاث الماضية.
لقد قلّص هذا النمو الضغط على الأسعار، لكنه ترافق مع تصاعد المخاطر التجارية بفعل توجّهات الإدارة الجديدة في واشنطن. بالنسبة إلى أوروبا، التي واصلت تقليص اعتمادها على الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب والتحوّل إلى الغاز الطبيعي المُسال الأميركي بديلاً، بما لبّى أكثر من 77 في المئة من احتياجاتها، فإن التوترات في التحالف عبر الأطلسي قد تطرح عثرة إضافية. فعلى سبيل المثال، تعثّر مقترح الاتحاد الأوروبي بالاتفاق على شراء منتجات طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، بما في ذلك الغاز الطبيعي المُسال، عقب تهديدات الرئيس ترامب الإقليمية تجاه غرينلاند، ما كشف هشاشة ترتيبات مماثلة. وأخذ مشرّعون أوروبيون متحفّظون يتساءلون عن جدوى ربط مستقبل الطاقة في الاتحاد الأوروبي بشريك يتعامل مع عقود الطاقة باعتبارها ورقة مساومة سياسية.
تغيّر المشهد التجاري
في هذا الصدد، يعيد القادة الأوروبيون اكتشاف أهمّية العقود طويلة الأجل التي كانوا يعدّونها في السابق من بقايا الماضي. فمع تلبية قطر نحو 20 في المئة من الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المُسال، توفّر الدوحة شروطاً مستقرّة وآفاقاً طويلة الأجل للمسؤولين الأوروبيين الذين يسعون إلى تقليص الاعتماد على الغاز الروسي والتحوّط من الإفراط في الاعتماد على الشحنات الأمريكية. ومن المرجّح أن تحتاج أوروبا إلى شراء أكثر من 185 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المُسال في عام 2026 لتغطية الاستهلاك وتجديد الاحتياطات الإستراتيجية المستنفذة، غير أنّ سياساتها عرّضتها لتقلّبات أسعار الطاقة ومخاطر جيوسياسية غير محسوبة. وقد وصف مفوّض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، هذه التطوّرات بأنها «جرس إنذار» للتكتل.
في هذا الإطار، قام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بجولة شملت المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتّحدة، برفقة وفد من قادة الأعمال، في مسعى واضح لتنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعي المُسال في ألمانيا. ويأتي نحو ثلث واردات ألمانيا من الغاز المُسال من محطّات أمريكية، غير أنّ المخاطر السياسية المرتبطة بهذه الكمّيات آخذة في الارتفاع. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبحت قطر مورّداً مهمّاً للغاز المُسال إلى ألمانيا، فيما أشارت المحادثات خلال زيارة ميرتس إلى إمكانيات لتحقيق مزيد من النمو. كما أعلنت شركة «آر دبليو إي» الألمانية، أكبر مزوّد لخدمات الطاقة في البلاد، عن اتفاق مبدئي مع «أدنوك» الإماراتية.
في آسيا، يواصل المشترون تنويع مصادر إمدادات الغاز المُسال بدافع الحاجة إلى تغذية طموحات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ودعم النمو الاقتصادي في قطاعات أخرى، فضلاً عن التحوّط من الرياح الجيوسياسية المعاكسة. فقد وقّعت أكبر شركة مرافق في اليابان اتفاقية لمدة 27 عاماً مع قطر خلال مؤتمر «إل إن جي 2026» في الدوحة. كما تتفاوض شركة «ميتسوي آند كو» اليابانية مع «قطر للطاقة» للحصول على حصة الأقلية في المرحلة الثانية من مشروع حقل الشمال للغاز المُسال، بما يقلّص تعرّضها لتقلّبات الأسعار قصيرة الأجل في أسواق الغاز الطبيعي المُسال الفورية. كذلك التزمت اليابان أيضاً بشراء منتجات طاقة أمريكية ضمن اتفاق أُبرم في يوليو 2025 لخفض الرسوم الجمركية الأمريكية، بما فيها الغاز المُسال، بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار. وفي أكتوبر 2025، وقّعت الهند اتفاقية إمداد بالغاز المُسال لمدة 17 عاماً مع قطر بكمّية تصل إلى مليون طن سنوياً، إلى جانب اتفاق لمدة عشر سنوات مع الإمارات العربية المتّحدة بكمية تصل إلى 0.5 مليون طن سنوياً، على أنّ تبدأ الإمدادات في عامي 2026 و2028 على التوالي.
إعادة الاصطفافات الناشئة لم تظهر في قطاع الطاقة فحسب. فقد توصّل الاتحاد الأوروبي والهند في يناير إلى اتفاق أفضى إلى إنشاء أكبر منطقة تجارة حرّة في العالم، تضمّ نحو ملياري نسمة و25 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما اتفقت كندا والصين على خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية والمنتجات الزراعية الكندية. وفي الواقع، اغتنمت بكين اللحظة لتقديم نفسها شريكاً اقتصادياً أكثر استقراراً من واشنطن. من هذا المنطلق، تستعد دول خليجية رئيسية منتجة للطاقة، مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتّحدة، لإصدار سندات «باندا» و«ديم سام»، وهي أدوات دين مقوّمة بالعملة الصينية، لتعميق الروابط المالية مع الصين. وتشير قراءة اتجاهات تجارة النفط والغاز، أو حتى مجرّد تتبّع تدفّقاتها، عن الوجهة التي تتحرّك نحوها الثقة في الأسواق العالمية.
على أعتاب فرصة مؤاتية
أكدت الأسابيع الأولى من عام 2026 أنّ السياسة الخارجية والتجارية للولايات المتّحدة ستظل مصدراً للتقلّبات. ففي يناير الماضي، لوّح الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول «التي تتعامل تجارياً» مع إيران، وتحديداً الصين والهند، وأصدر أوامر للجيش الأمريكي بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، كما أرسل سفن حربية إلى منطقة الخليج العربي للضغط على إيران من أجل الانخراط في مفاوضات نووية. بالنسبة إلى دول الخليج العربي، في مقدّمتها قطر، تمثّل هذه الضبابية فرصة لتعزيز حصّتها السوقية، واستقطاب عملاء مستعدّين للالتزام بعقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المُسال.
غير أنّ الاعتماد على مورّدي الخليج العربي لا يخلو من المخاطر. فمسارات الشحن تبقى عرضة للتوتّرات الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران واليمن، كما أنّ تكاليف النقل قد تكون أعلى مقارنة بالإمدادات الآتية من حوض المحيط الأطلسي. ومع النمو السريع في تجارة الغاز الطبيعي المُسال عالمياً، قد تتحوّل القدرة الاستيعابية لأسطول الشحن إلى عائق إضافي.
إنّ توسيع الطاقة الإنتاجية عبر مشروع توسعة حقل الشمال لن يتحقّق سريعاً على الرغم من الإمكانات الكبيرة لنمو صادرات قطر، بل سيعتمد على تأمين التزامات شراء تغطي ما بين 75 في المئة و80 في المئة من الإنتاج المستقبلي. مع ذلك، فإن الأسعار والكمّيات الثابتة التي توفّرها العقود طويلة الأجل، والتي تحمي العملاء من تقلّبات الأسعار، تعود لتكتسب جاذبية في ظل بيئة مضطربة تجارياً وسياسياً. نتيجة لذلك، تبدو قطر وجيرانها في موقع يؤهّلهم لإبرام اتفاقيات توريد تمتدّ لعقودّ، وتعزيز شراكاتهم في مجال أمن الطاقة.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.