إسرائيل بين صناديق الاقتراع والجبهات المفتوحة

تقدير موقف، أكتوبر 2026
7 أكتوبر، 2026

تدخل إسرائيل الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، المقررة في 27 أكتوبر 2026، وهي غارقة في أربع أزمات متشابكة تتغذى كل واحدة منها على الأخرى: تشظٍّ في معسكر اليمين الحاكم لم تنجح المحاولات في ضبط أموره قبل إغلاق القوائم؛ تصعيد في القطيعة بين تل أبيب ومجلس السلام المشرف على خطة غزة جمّدت خطة نزع سلاح حماس عمليًّا إلى ما بعد الاقتراع؛ تسارع استيطاني وأمني في الضفة الغربية تحذّر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها من انفجاره، وقد بدأ يفتح أزمة دبلوماسية مع حلفاء غربيين؛ جبهة لبنانية تجمع بين مسار تفاوضي أمريكي قوامه «المناطق التجريبية» وتصعيد عسكري متواصل في جنوب لبنان يكرّس منهج فرض الوقائع الميدانية قبل أي تسوية.

 

يرصد تقدير الموقف هذا، المسارات الأربعة ويحلل تقاطعاتها انطلاقًا من فرضية مركزية، وهي أنّ الحسابات الانتخابية الإسرائيلية الداخلية باتت المتغيّر الحاكم في كلّ قرار سياسي وأمني إسرائيلي أكثر من أيّ منطق استراتيجي متماسك.

 

 

فوضى اليمين المتطرف بعد إغلاق القوائم

 

أُغلق باب تقديم قوائم المرشحين في أوائل سبتمبر من دون أي تحالفات في اللحظة الأخيرة، فبقي اليمين موزعًا على أربع قوائم كبرى: “الليكود” بزعامة رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو؛ و”عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية) بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وقد انضمت إليها النائب تالي غوتليب بعد مغادرتها حزب الليكود؛ و”الصهيونية الدينية” بزعامة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في تحالف تقني مع حزب “زهوت” بزعامة موشيه فيغلين؛ وحزب “عامخا يسرائيل” (شعب إسرائيل) بزعامة الجنرال المتقاعد عوفر فينتر. ويُضاف إلى الخريطة حزب “يوآز هندل” و”يارون زيلخا” الذي يحوم حول نسبة الحسم ولا ينحاز بوضوح إلى أي معسكر.

 

وقد أخفقت سياسة نتنياهو في لمّ شمل اليمين: فقد رفض فينتر الاندماج مع سموتريتش، فاتهمه سموتريتش بالمقامرة بمستقبل حكم اليمين، ورفض بن غفير الاندماج مع سموتريتش لحسابات دقيقة، مستندًا إلى استطلاع خاص أعدّه بنفسه يمنح حزبه 11 مقعدًا، بينما تمنحه استطلاعات القنوات الرئيسة نحو 7 إلى 9 مقاعد. وتبقى المخاطرة قائمة: فكل قائمة يمينية تسقط من دون نسبة الحسم (3.25% من الأصوات) تُهدَر أصواتها مما يؤدي إلى تراجع رصيد كتلة نتنياهو، وهو ما يفسّر إلحاح “الليكود” حتى اللحظة الأخيرة على دفع القوائم الصغيرة إلى الاندماج.

 

 

“يَشار” في الصدارة

 

تتفق الاستطلاعات على تقدّم حزب َيشار بزعامة الجنرال السابق غادي آيزنكوت، لكن الفارق ضيّق وتبدّل بعد إغلاق القوائم. ففي متوسط خمس استطلاعات نُشرت، نال “يشار” نحو 22 مقعدًا مقابل نحو 21 لليكود، وقائمة بينيت–لبيد “معًا/بياحاد” نحو 12، والديمقراطيون نحو 9. وتراوحت أرقام “يشار” بين 22 و25 مقعدًا، وأرقام الليكود بين 18 و22، بينما أظهرت استطلاعات أخرى نُشرت عقب إغلاق القوائم مباشرة، نيل “الليكود” 27 مقعدًا مقابل 22 لـ “يشار”.

 

على صعيد توزيع الكتل في الكنيست، وبحسب الاستطلاعات، لن يستطيع أي من المعسكرين الرئيسيين الوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا لتشكيل الحكومة بمفرده، فمعسكر نتنياهو المؤلف من اليمين والحريديم، قد  يحصل على متوسط يراوح بين 52 و54 مقعدًا، والمعارضة “كتلة التغيير” تراجعت قدرتها التنافسية من نحو 60–61 مقعدًا قبل شهرين لتستقر حاليًا بين 51 و54 مقعدًا أما الأحزاب العربية والتي تضم 10 إلى 14 مقعدًا إجمالًا وتتألف من القائمة المشتركة الثلاثية التي تضم الجبهة الديمقراطية، التجمع الوطني، والحركة العربية للتغيير، تُقدّر حصتها بين 8 و9 مقاعد. ,أخيرًا، القائمة العربية الموحدة المؤلفة من الحركة الإسلامية تُقدّر حصتها بين 4 و5 مقاعد.

 

 

سيناريوهات تشكيل الحكومة

 

ومع إغلاق القوائم الانتخابية، انسحبت أيليت شاكيد من السباق، وأصبح الاندماج بين سموتريتش وبن غفير غير ممكن. وبذلك، بات السؤال المحوري في مَن يملك مفتاح الوصول إلى أغلبية الـ61 مقعدًا.

 

تتوزع الاحتمالات بين ثلاثة أطراف رئيسية: الأحزاب العربية التي يرفض نحو 55% من الإسرائيليين إشراكها في أي ائتلاف حكومي،  والتي صوّتت لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل على منعها من المشاركة في الانتخابات ولكن تفيد بعض المصادر في إمكانية العودة عن هذا القرار. وقائمة هندل–زيلخا التي قد ترجّح الكفة بحصولها على مقعدين إلى أربعة إن اجتازت نسبة الحسم، وحزب يشار الذي يلمّح أحد قادته إلى خيار تشكيل حكومة أقلية إذا انتهت الانتخابات بلا حسم واضح.

 

وتُبقي الاستطلاعات احتمال الانسداد قائمًا مع 35% يؤيدون حكومة وحدة وطنية إن أخفق أي معسكر في التشكيل. لكن 79% من ناخبي المعارضة يرفضون حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو، و57% من ناخبي الائتلاف يرفضون حكومة برئاسة آيزنكوت. وقد يُعيد ذلك إنتاج حالة الانسداد السياسي التي قادت إلى خمس جولات انتخابية بين أبريل 2019 ونوفمبر 2022، وخدم خلالها نتنياهو رئيسًا لحكومة تصريف أعمال أكثر من 17 شهرًا.

 

 

مجلس السلام: خطة غزة معلّقة حتى ما بعد الانتخابات

 

تتحوّل العلاقة بين إسرائيل ومجلس السلام إلى مأزق سياسي لا إلى خلاف تنفيذي عابر. ففي نهاية يوليو أعلن المجلس والوسطاء (مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة) خارطة طريق لنزع سلاح “حماس” على مراحل، ووافقت الحركة عليها، بينما أكد نتنياهو أن إسرائيل لم توافق وأنها لن تنسحب من خطوطها الحالية قبل نزع السلاح كاملًا. وأوضح المجلس بعد لقاء الممثل الأعلى للمجلس نيكولاي ملادينوف مع نتنياهو أن الانسحاب إلى ما بعد “الخط الأصفر” الأصلي لن يتم إلا بعد إتمام نزع السلاح.

 

وعلى صعيد القوة الدولية، أقرّ المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في أواخر يوليو التدابير القانونية اللازمة لدخولها، مع احتفاظ إسرائيل بحق الموافقة على الدول المشاركة، وقد استخدمت الفيتو ضد مشاركة تركية، فيما وافق المغرب على المشاركة. لكن الخطة لم تُنتج تغييرات ميدانية تُذكر، فلجنة إدارة غزة التكنوقراطية لم تدخل القطاع، ولم تسلّم “حماس” سلاحها ولا سلطتها، ويُرجَّح أن تتباطأ خطط القوة التي قُدّر قوامها بنحو 2,500 عنصر بانتظار الانتخابات.

 

ومن المنظور الأمريكي، واشنطن والقدس متفقتان على الحالة النهائية المرجوّة في غزة لكن الانتخابات الإسرائيلية قيّدت قدرة الحكومة في التنفيذ، وقد أكّد ذلك مبعوث الرئيس الأميركي جاريد كوشنر. كما أفاد مسؤول في المجلس أن قدرته محدودة في الضغط على نتنياهو قبل الانتخابات مع ترجيح إمكانية عودته بعد الانتخابات. وحذّر ملادينوف من أن استمرار الوضع الراهن وعدم تنفيذ الخطة بالتوازي مع التطورات في الضفة الغربية، سيجعل حل الدولتين مستحيل عمليًا. وقد عقد المجلس في 23 سبتمبر إحاطة على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة عرض خلالها خطة تعاف لغزة بقيمة 2.45 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، يزداد الرفض الإسرائيلي حساسية لأن مسؤولين عسكريين ومدنيين إسرائيليين رفضوا التعاون مع المجلس، لأنه يبدو منسجمًا مع اعتبارات القيادة السياسية واقتراب موعد الانتخابات.

 

 

غزة: أمر واقع متسع وهدنة هشّة

 

كشفت صور الأقمار الصناعية عن سواتر وتحصينات ترابية بطول نحو 30 كيلومترًا شيّدها الجيش الإسرائيلي منذ نوفمبر 2025 عبر محافظات القطاع الخمس. وتتفاوت التقديرات لسيطرته: فقد أعلن نتنياهو مطلع سبتمبر أن إسرائيل تسيطر على نحو 60% من القطاع، وتحدثت مصادر أخرى عن نحو 70%، بعد أن كانت 53% عند الانسحاب إلى الخط الأصفر في أكتوبر 2025. وأعلن نتنياهو أن إعادة الانتشار ليست مطروحة.

 

وبلغ عدد القتلى الفلسطينيين 1,254 قتيلًا منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 حتى أغسطس 2026، فيما سجل يوليو، الشهر الأشد دموية منذ بداية العام، أكثر من 150 قتيلًا. وواصل الجيش الإسرائيلي عملياته الميدانية في سبتمبر، معلنًا عن تنفيذ عدة عمليات شملت اعتقال رئيس جهاز الأمن الداخلي في حركة “حماس” في مدينة غزة، وقتل محمد يازوري قائد لواء خان يونس. كما أعلن الجيش رصده 14 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار في الفترة الممتدة بين4  و15 سبتمبر. وإلى جانب ذلك، أعاد وزير الدفاع يسرائيل كاتس طرح ملف هجرة سكان غزة، زاعمًا أن نحو 80% منهم يرغبون بالمغادرة، معتبرًا أن هذه الهجرة هي شرط الحل لغزة. ويأتي هذا الخطاب في سياق يثير التساؤلات بشأن مدى اتساق السياسة الإسرائيلية الحالية مع خطة ترامب التي تنص على عدم احتلال غزة أو ضمها وعلى الانسحاب الإسرائيلي المرحلي من القطاع.

 

 

الضفة الغربية: توسع استيطاني وأزمة دبلوماسية

 

واصلت الحكومة الإسرائيلية في الأشهر الأخيرة توسع النشاط الاستيطاني وتعميق سيطرتها في الضفة الغربية. ففي فبراير أقرّ المجلس الوزاري الأمني قواعد لتعزيز السيطرة على الضفة، وفي مارس أقرت الحكومة الإسرائيلية 34 مستوطنة، شملت مستوطنات جديدة أو تسوية أوضاع بؤر استيطانية قائمة. وفي مطلع يوليو أقرّ المجلس الأمني إقامة 13 مستوطنة وسط الضفة، ليعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ما وصفه بالثورة الاستيطانية التي تمتد إلى النقب والجليل. وفي أغسطس طرحت وزارة الإسكان مناقصات لبناء نحو 1,234 وحدة استيطانية في مشروع E1، ينتهي موعد تقديم عروضها قبل أسبوع من الانتخابات، مما قد يشير إلى محاولة لفرض تعاقدات على الحكومة التالية يُصعب التراجع عنها وإلغاء المشروع.

 

ويرافق ذلك تصاعد في عنف المستوطنين؛ إذ سُجّل نحو 761 هجومًا خلال الأشهر الأربعة الأولى في 2026، بمتوسط 190 هجومًا شهريا.، واستمرا هذا المعدل يضع الضفة على مسار يتجاوز ألفي هجوم في العام، مقابل 1,835 في العام الماضي. وتشير البيانات إلى مقتل 316 فلسطينيًّا على يد القوات أو المستوطنين و20 إسرائيليًّا على يد فلسطينيين بين يناير 2025 ويوليو 2026.

 

وبدأ هذا المسار يثير أزمة دبلوماسية. ففي 8 سبتمبر أعلنت اثنتا عشرة دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، عزمها عن دراسة أو فرض قيود وطنية او دعم قيود أوروبية على التجارة في بضائع المستوطنات. وأعلنت بريطانيا عقوبات إضافية تشمل حظر واردات منتجات المستوطنات ليبلغ عدد الخاضعين لعقوبات بريطانيا المرتبطة بالنشاط الاستيطاني إلى 38. وفي 9 سبتمبر، أمهلت إسرائيل بريطانيا ثلاثين يومًا لإغلاق قنصليتها في القدس الشرقية، ودعا سموتريتش إلى طرد السفير البريطاني.

 

 

لبنان: مسار تفاوضي بلا انسحاب

 

يقدّم إعلان إسرائيل في مطلع شهر سبتمبر تحقيق “السيطرة العملياتية الكاملة” على مرتفعات علي الطاهر جنوب لبنان، وإن بقي مدى هذه السيطرة موضع خلاف، مثالاً آخر على توظيف التطورات الميدانية  في تعزيز الموقع التفاوضي. وربط وزير الدفاع يسرائيل كاتس أي انسحاب من المنطقة الأمنية بنزع سلاح حزب الله الكامل. ويتقاطع هذا الموقف جزئياً مع غادي آيزنكوت الذي أبدى بدوره استعدادًا للبقاء، في ظروف معينة، على حزام أمني بعمق ثمانية كيلومترات داخل لبنان. ما يكشف أن الخلاف بين الحكم والمعارضة يتعلق بإدارة التوسع لا بمبدئه.

 

وفي ملف المفاوضات، وافقت إسرائيل على الإفراج عن خمسة معتقلين لبنانيين كـ”بادرة حسن نية”، مقابل فتح ملف البحث عن رفات يهود قضوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، في خطوة تُظهر ادراج الملفات الإنسانية كأدوات تفاوضية وانتخابية متكاملة مع الضغط العسكري. وقد عُقدت حتى الآن سبع جولات تفاوض مباشر، آخرها في روما مطلع أغسطس. وفي يوليو، بدأ تطبيق المرحلة الأولى من المناطق التجريبية وتشمل المرحلة الأولى زوطر الغربية وصريفا وفرون. وقد وانسحب الجيش الإسرائيلي حتى أطراف زوطر الغربية وانتشر الجيش اللبناني فيها، كما عزز انتشار دورياته في بلدتي فرون وصريفا. وضمن مفاوضات روما، رفضت إسرائيل أي انسحاب إضافي ما لم يسيطر الجيش اللبناني سيطرة كاملة على المنطقتين الأوليين. وأُرجئت الجولة التي كانت مقررة في سبتمبر إلى أكتوبر.

 

 

توظيف واشنطن وغزّة وبيروت في الانتخابات 

 

يصعب فصل هذه المسارات الأربعة عن بعضها، إذ من شأن الانتخابات في 27 أكتوبر أن تؤثر على الحركة  السياسية للحكومة الإسرائيلية وبشكل مباشر على مسار العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، ومستقبل التعاون مع مجلس السلام، ووتيرة السيطرة الفعلية على غزة، ومآلات الحرب والتفاوض في لبنان. ففي سيناريو فوز ائتلاف يميني متطرف يضم الليكود وحلفائه الحاليين، يمكن أن تستمر حالة الجمود في التعاون مع مجلس السلام بدلاً من الإسهام في دفع مسار التسوية.

 

أما في غزّة، فسيتسارع مسار الأمر الواقع الذي بدأت ملامحه تتضح ميدانيًا والتي قد تشكل نقطة انطلاق للحكومة المقبلة.

 

وعلى الجبهة اللبنانية، من المرجح أن يكون أحد ملفات الرئيسية للحكومة الإسرائيلية المقبلة  خاصةً مع ربط أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله كاملاً. وهذا يُبقي منطق التوسع الميداني التدريجي سائدًا ويختلف عن الموقف الأمريكي للإطار المتفق عليه ضمن المناطق التجريبية والانسحاب الإسرائيلي التدريجي.

 

أمّا في حال يتمكن أي معسكر من تشكيل أغلبية، قد تطول مفاوضات تشكيل الحكومة أو يُطرح خيار انتخابات ثانية. وفي ظل إظهار الاستطلاعات وجود عقبات أمام بعض صيغ كسر الجود، هناك قيود سياسية قد تواجه محاولات ائتلاف عابر للمعسكرات.

 

وحتى في سيناريو فوز المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، ينبغي الحذر من المبالغة في تقدير حجم التحوّل. قد يكون آيزنكوت أكثر انفتاحًا على استئناف التنسيق مع المجلس وتخفيف التوتر مع إدارة ترامب مقارنة بنتنياهو، لكن ذلك لن يعني بالضرورة تحولًا مفصليًا، إذ يشترك معظم المتنافسين، بمن فيهم آيزنكوت، في رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، كما يشترك في الدعوة إلى حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية، ويختلفون في أسلوب إدارة الأزمة لا في جوهر الأهداف.

 

وعليه قد تكون أهمية الانتخابات أضيق في هامش التغيير الفعلي في مسار غزة والضفة ولبنان مما توحي به فجوة الاستطلاعات. فالمتغيّر الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان المسار سيتغير، بل بالوتيرة والخطاب العلني اللذين سيُدار بهما، وهو ما يحمل تداعيات مباشرة على توقيت أي انخراط أمريكي جديد وحجمه.

 

 

خاتمة

 

يكشف المشهد الإسرائيلي، بمساراته الأربعة المتشابكة عن نظام سياسي يتحرك بمنطق تعبئة انتخابية داخلية أكثر منه بمنطق استراتيجي متماسك: فاليمين المتطرف الذي وحّد صفوفه لسنوات ضد التسوية بات عاجزًا عن توحيد صفوفه ضد بعضه بعضًا؛ وملف غزة يُدار بمنطق التأجيل الحسابي إلى ما بعد صناديق الاقتراع لا بمنطق الحسم؛ وملف الضفة يُدفع نحو تثبيت وقائع لا رجعة فيها بصرف النظر عمّن سيحكم بعد 27 أكتوبر؛ وملف لبنان يُدار بالمنطق نفسه، إذ تُستخدم الوقائع الميدانية المتراكمة جنوب الليطاني كورقة ضغط تفاوضية وانتخابية في آن واحد، لا كخطوة نحو تسوية فعلية. والمفارقة الأخطر أن فوز أي بديل عن نتنياهو، بمن فيهم آيزنكوت المتصدّر حاليًا في الاستطلاعات، لن يعني بالضرورة تحولًا لافتًا في الموقف من القضية الفلسطينية أو من الملف اللبناني، إذ يشترك معظم المتنافسين في رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة وفي منطق الحزام الأمني شمالاً، ويختلفون فقط في إدارة الأزمة وأسلوب التعامل مع واشنطن.

 

وعليه، يمكن القول إن أربعة عوامل ستُحدد مسار الأشهر المقبلة: أولاً، مدى قدرة نتنياهو على منع تفكك معسكره اليميني، وهو ما يبدو حتى الآن خارج سيطرته الفعلية؛ ثانيًا، مدى استعداد واشنطن لفرض التزام إسرائيلي حقيقي بخارطة طريق غزة بدل الاكتفاء بإدارة الخلاف بحذر؛ ثالثًا، مدى قدرة الفلسطينيين في الضفة على الصمود أمام وتيرة ضمّ غير مسبوقة تتسارع بدل أن تتباطأ؛ ورابعًا، مدى تمسّك نتنياهو بربط أي انسحاب من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله الكامل، وتوظيفه استمرار العمليات العسكرية هناك كورقة ضغط تفاوضية وانتخابية في آن واحد. وأيًا كانت نتيجة الاقتراع في أكتوبر2026، فإن الترابط بين هذه الملفات الأربعة يجعل من الصعب فصل أي قرار إسرائيلي مقبل، عسكريًا كان أو سياسيًا، عن حسابات صندوق الاقتراع، بما يُبقي مصير غزة والضفة ولبنان على السواء رهينة لتوازنات داخلية إسرائيلية متقلبة لا في إطار أي أفق تفاوضي واضح.