لافتة تحمل صورة حسن نصر الله (يسار)، الزعيم الراحل لحركة حزب الله الشيعية اللبنانية، معلقة خارج متجر في شارع مليء بحطام المباني في موقع غارة جوية إسرائيلية ليلية استهدفت حيًا في الضواحي الجنوبية لبيروت في 25 مارس 2026. (وكالة الصحافة الفرنسية)

هل يستطيع لبنان التفاوض على إنهاء الحرب في ظلّ الانقسام الوطني؟

يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، وسط انقسام داخلي حاد حول أهداف التفاوض وسلاح حزب الله ومستقبل البلاد.

12 مايو، 2026
صهيب جوهر

يمرّ لبنان اليوم بمنعطف تاريخي يُعدّ الأكثر تعقيداً منذ عقود، حيث تتقاطع فيه الضغوطات على كافة المستويات، وذلك قبيل انطلاق الجولة الثالثة من المحادثات التحضيرية على مستوى السفراء مع إسرائيل بالتنسيق من واشنطن، والتي ستُمهد بدورها لأي مفاوضات مباشرة بين الطرفين.

 

وعلى الرغم من الدخول في هذه المباحثات، إلا أنّ لبنان ما زال يعيش حالة من الفوضى ناتجة عن طبيعة النظام اللبناني نفسه، حيث تختلف السلطات الرئاسية اللبنانية الثلاث، الموزعة بحسب الطوائف، بين رئاسة الجمهورية، ورئاسة الحكومة، ورئاسة مجلس النواب، على إطار عمل مشترك، أو على تحديد الغاية من التفاوض.

 

في الوقت نفسه، تُواصل إسرائيل شن هجمات عسكرية على لبنان، وذلك على الرغم من وقف إطلاق النار الذي توصل إليه الطرفان في أبريل 2026. وهذا ما دفع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، إلى الإصرار على ألا تُجرى مفاوضات حتى تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية تماماً.

 

في موازاة ذلك، ترتفع وتيرة الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة لدفع لبنان إلى مفاوضات مباشرة. وفي حال رَفض لبنان الانخراط في هذا المسار، تَعتزم إسرائيل ومعها واشنطن تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد ميداني، مما قد يمنح إسرائيل غطاءً لشنّ عمليات عسكرية على نطاق أوسع.

 

في المقابل، يضع خيار التفاوض “تحت النار” الحكومة اللبنانية أمام مأزق مزدوج؛ فهو من جهة يُكرّس اختلال موازين القوى لصالح الطرف الآخر على طاولة التفاوض، ومن جهة أخرى يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع فصائل داخلية ترفض مبدأ التفاوض المباشر جملةً وتفصيلاً.

 

تتجسد هذه النتائج في معضلة جيوسياسية بالغة التعقيد، إذ تجد الحكومة اللبنانية نفسها تحت وطأة ضغوط تمارسها إسرائيل والولايات المتحدة من جهة والسعودية من جهة أخرى، وسط انقسام داخلي حاد يستدعي المعالجة. وفي ظل هذا المشهد، يبدو لبنان مقيّداَ بخيارات مفروضة عليه، وبلدٍ عاجز عن رسم مسار عملي يُنقذهُ من الحصار السياسي الراهن.

 

 

الاستراتيجية الإسرائيلية: إدارة الوقت وفرض وقائع ميدانية جديدة

 

تبدو إسرائيل في موقع الطرف الأكثر وضوحاً في أهدافه. فهي لا تنظر إلى الهدنة كمرحلة انتقالية نحو تسوية، بل كأداة لإعادة تشكيل البيئة الميدانية بما يخدم مصالحها. ويظهر ذلك في سعيها إلى تثبيت وجود عسكري في بعض المناطق، والعمل على إنشاء منطقة عازلة تخلق واقعاً أمنياً جديداً يصعب تغييره لاحقاً.

 

إضافة إلى ذلك، تعتمد إسرائيل على استراتيجية ميدانية تقوم على عدة عناصر، أولها الاستمرار في الضغط العسكري منخفض الوتيرة، والمتواصل، بهدف إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم. ثانيها في تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية أي تعثّر في المسار التفاوضي، خصوصاً في ملف سلاح حزب الله. وثالثها استخدام هذا التعثّر كذريعة لتبرير أي تصعيد عسكري لاحق. بهذا المعنى، لا تسعى إسرائيل فقط إلى تحقيق مكاسب ميدانية، بل إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية اللبنانية، ودفعها نحو خيارات تتوافق مع شروطها الأمنية.

 

في نهاية المطاف، يكمن الهدف في إعادة توجيه لبنان نحو النفوذ الإسرائيلي وفرض التزامات أمنية وسياسية طويلة الأمد على الدولة.

 

 

الضغوط الأميركية: فرض المسار لا النتائج

 

تعتمد الولايات المتحدة مقاربة مختلفة نسبياً، تقوم على فرض “مسار تفاوضي” أكثر من فرض نتائج محددة سلفاً. فهي تسعى إلى إدخال لبنان في عملية تفاوضية مفتوحة يمكن إدارتها لاحقاً، وربطها بمسارات إقليمية أوسع، خصوصاً التفاوض مع إيران.

 

لتحقيق ذلك، تستخدم واشنطن مزيجاً من الحوافز والضغوط. فهي تقدّم وعوداً بوقف شامل للحرب، وانسحاب إسرائيلي، وإطلاق عملية إعادة إعمار، مقابل خطوات لبنانية تتعلق بإعادة تنظيم الوضع الأمني الداخلي، وعلى رأسها ملف سلاح حزب الله.

 

غير أن هذه المقاربة تعكس أيضاً قدراً من التبسيط في فهم الديناميكيات اللبنانية المعقدة ، إذ تفترض إمكانية معالجة ملف شديد الحساسية مثل سلاح حزب الله عبر ضغط خارجي مباشر، متجاهلة الأبعاد الداخلية والإقليمية لهذا الملف وتأثيره على الاستقرار الداخلي، وخاصة في ظلّ الموقف المسبق لحزب الله من المفاوضات المباشرة ونزع السلاح بالقوّة من قبل الدولة.

 

 

العامل السعودي: الاستقرار الداخلي مفتاح التسوية

 

في مقابل المقاربة الأميركية الذي يسعى لإعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني عبر ضغوط خارجية، يبرز الدور السعودي والعربي بشكل أوسع، بوصفه محاولة لإعادة تثبيت الاستقرار الداخلي في لبنان، قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي إقليمي واسع النطاق.

 

ويبدو أن التحرك السعودي يركّز على منع الانهيار الداخلي، والحفاظ على التوازن السياسي اللبناني، وإعادة إنتاج حد أدنى من التماسك داخل مؤسسات الدولة، ولا يهدف إلى دفع لبنان نحو التفاوض المباشر أو نحو لقاءات سياسية عالية المستوى مع إسرائيل.

 

من هنا يمكن قراءة هذا التحرك بالاستناد إلى مجموعة من المرتكزات المتداخلة، تنطلق أولاً من الحفاظ على استقرار الدولة اللبنانية ومنع إدخال البلاد في فراغ سياسي، والارتكاز إلى مقاربة سعودية مفادها أن أيّ انهيار حكومي سيؤدي إلى فقدان السيطرة على المسار الداخلي، ويفتح الباب أمام فوضى سياسية وأمنية. لذا، سعت الرياض إلى بلورة موقف لبناني موحد عبر تعزيز التنسيق بين رؤساء السلطات الثلاث اللبنانية بهدف تعزيز قدرة الدولة على التفاوض.

 

ثانياً، ترغب السعودية في منع انزلاق لبنان إلى صدام داخلي خصوصاً بين المكونات الطائفية الكبرى، وهو ما يُنظر إليه ليس كأزمة لبنانية فحسب، بل كتهديد استراتيجي قد يهدد التوازنات الهشة في المنطقة. في هذا الإطار، تسعى الجهود السعودية إلى ربط أي مسار داخلي بإعادة تفعيل اتفاق الطائف لعام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية.

 

ثالثاً، يدعم هذا المسار المفاوضات محدودة الأهداف، التي تُركّز على إنهاء حالة الحرب وترتيب الوضع الأمني، من دون الذهاب إلى اتفاق سلام شامل أو خطوات تطبيعية مع إسرائيل، وهو ما يتماشى مع الموقف السعودي تحديداً، الذي يربط التطبيع بإنشاء الدولة الفلسطينية.

 

وهذا يعني أن الدور السعودي لا يُقدّم نفسه كبديل للمسار الأميركي، بل كإطار موازٍ يهدف إلى ضبط تداعياته، ومنع تحوّله إلى مصدر جديد للنزاع الداخلي في لبنان.

 

 

الانقسام الداخلي: نقطة الضعف المركزية

 

يبقى الانقسام  الداخلي هو الحلقة الأضعف في المعادلة اللبنانية. فغياب توافق سياسي واضح حول طبيعة التفاوض وأهدافه، وحول مسألة سلاح حزب الله ودوره وأهدافه طويلة الأمد، يحدّ بشكل كبير من قدرة الدولة على التفاوض بفعالية.

 

يمتد هذا الخلل إلى ما هو أبعد من التباين في المواقف، حيث يفتقر لبنان إلى رؤية استراتيجية موحدة بالكامل، ما يجعله عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية، ويقوّض قدرته على فرض شروطه الخاصة.

 

في ضوء ما تقدّم، لا يواجه لبنان لحظة تاريخية حاسمة بالقدر الذي يواجه فيه معضلة استراتيجية عميقة، فالتشابك بين الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية، إلى جانب الارتباط الوثيق بالمسارات الإقليمية، يجعل من الصعب إنتاج قرارات سيادية حاسمة في المدى القريب، سواء بالانخراط الكامل في مفاوضات أو بخوض مواجهة مفتوحة للمستقبل المنظور.

 

المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في أي مسار يجب اتباعه، بل في عجز النظام السياسي اللبناني عن الوصول إلى توافق حول أي مسار كان. ومع ذلك، يجب اتخاذ قرار. فرفض المفاوضات لا يعني الحفاظ على الوضع القائم، بل قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري أوسع، نظرًا لاستعداد إسرائيل الدائم لاستغلال أي فراغ سياسي أو انقسام داخلي. وعلى الرغم من أن الحكومة اللبنانية الحالية تبدو حريصة على تجنّب التورّط في الصراع مع إيران، إلا أنّ أي مقاربة واقعية للأزمة تقتضي التعامل معها كجزء من معادلة إقليمية أوسع، لا كملف منفصل.

 

سيبقى مستقبل المسار اللبناني مرتبطاً إلى حد كبير بمآلات التوازنات بين القوى الإقليمية المتغيرة، وخصوصاً مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يحدّ من قدرة لبنان على رسم مساره الخاص. لذا، يكمن التحدي الأساسي في كيفية إدارة المرحلة الانتقالية بأقل كلفة ممكنة، إلى i suggest:
يواجه لبنان ضغوطاً متزايدة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، وسط انقسام داخلي حاد حول أهداف التفاوض وسلاح حزب الله ومستقبل البلاد.حين تبلور معطيات إقليمية أكثر استقراراً.

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية:
البلد: لبنان

المؤلف

صحافي لبناني
صهيب جوهر، صحافي لبناني، يكتب بشكل دوري في الجزيرة نت وتلفزيون سوريا، له مساهمات في مجلّة صدى «كارينيغي»، معهد السياسة والمجتمع، مركز أورسم للدراسات، والجزيرة الإنكليزية.