2 أكتوبر 2026. (الصورة بواسطة - / أ ف ب)

من يكتب قواعد الملاحة في الخليج بعد الحرب؟

تنتقل المفاوضات حول مضيق هرمز من البحث في استعادة حرية الملاحة خلال الحرب إلى وضع ترتيبات طويلة الأمد لإدارته. فهل تستطيع دول الخليج العربية بلورة موقف مشترك؟ وهل تحتاج أصلاً إلى موقف موحّد؟

11 أكتوبر، 2026
خالد علي الجفيري

أرجأ مسؤولون سعوديون اجتماعاً كان مقرراً عقده مع نظرائهم الإيرانيين في صلالة بسلطنة عُمان لبحث إعادة فتح المرور عبر مضيق هرمز في سبتمبر الماضي. وقال وزير الخارجية العُماني إن الاجتماع أُجّل «حرصاً على التوافق»، بعدما انتقل محور المحادثات الجارية بين مسقط وطهران من إدارة الملاحة خلال الحرب إلى مستقبل الإطار المؤسسي الذي سيحكم المضيق.  

 

يعكس غياب التوافق الظاهر بين دول مجلس التعاون الخليجي ازدياد أهمية ما هو مطروح في هذه المفاوضات. في السياق نفسه، تعقّدت حسابات الرياض أكثر بعد أيام، حين سيطر الحوثيون في اليمن على مواقع تابعة للحكومة المركزية على البحر الأحمر ورسّخوا موطئ قدم يطل على مضيق باب المندب الاستراتيجي، ما ضيّق أكثر خيارات التصدير السعودية. 

 

لطالما اختلفت دول مجلس التعاون في كيفية التعامل مع طهران، بما في ذلك خلال الأشهر السبعة الماضية من الحرب. لكن التطور الأخير أظهر أن هذه الخلافات انتقلت إلى مستوى أكثر أهمية، من إدارة وضع طارئ إلى احتمال إضفاء شرعية على ترتيبات مستقبلية. وبالتالي، لم تعد المسألة تقتصر على كيفية إعادة فتح هرمز، بل أصبحت تتعلّق أيضاً بمن يضع القواعد التي ستحكمه بعد ذلك. 

 

استعادة الملاحة والترتيبات المؤسسية  

لا تقتصر الأهمية السياسية للسيطرة على ممرّ بحري استراتيجي على القدرة على تعطيل الملاحة فيه، بل تمتد إلى ما تتيحه إعادة فتحه من فرص للتفاوض على ترتيبات مؤسسية تنظم إدارته مستقبلاً. فالسيطرة العسكرية في زمن الحرب قد تمنح الطرف المسيطر نفوذاً تفاوضياً، لكنها لا تخوّله بالضرورة سلطة تقرير القواعد الناظمة للممر في زمن السلم. وتلك هي المسألة التي بقيت معلّقة في مفاوضات صلالة: أين تنتهي القوة التفاوضية المستمدة من السيطرة العسكرية، وأين تبدأ مشروعية إدارة الممر في زمن السلم؟ 

 

حمل الإطار العُماني-الإيراني، الذي كان يفترض بحثه في صلالة، بالفعل ملامح هذا الانتقال. فقد اقترح البيان المشترك الصادر في 25 أغسطس إنشاء ممر ملاحي مؤقت ومشروعاً مشتركاً لإزالة الألغام، إلى جانب مفاوضات تقنية حول ممر دائم وإدارة مستقبلية للمضيق تشمل تبادل المعلومات، وتنظيم حركة المرور، والخدمات الملاحية والأمنية. ولم تعد هذه الإجراءات مجرد ترتيبات طارئة، بل باتت تتعلق بمن يضع القواعد، ومن يطبقها، وربما بمن يجني مكاسب سياسية أو اقتصادية من الالتزام بها. 

 

فضلاً عن ذلك، لا يشكّل إشراك إيران في أي إطار مستقبلي لإدارة هرمز أمراً استثنائياً بحدّ ذاته. فبحكم الجغرافيا، تُعدُّ إيران وعُمان دولتين ساحليتين لا يمكن تجاوزهما، كما أنّ هناك سابقة قائمة للتعاون بينهما. فقد اقترحت الدولتان نظام فصل حركة المرور المعمول به حالياً في المضيق، واعتمدته المنظمة البحرية الدولية عام 1968. لكن الفارق الحاسم هو بين المشاركة في صياغة القواعد وبين امتلاك موقع سلطوي مميز. فمن الممكن أن يعترف ترتيب ما بعد الحرب بإيران شريكاً في وضع قواعد يجري التفاوض عليها بصورة مشتركة بين الأطراف، من دون أن يمنحها سلطة خاصة نابعة من قدرتها التي أثبتتها على تعطيل الملاحة. 

 

بعبارة أخرى، لا تعني استعادة حركة الملاحة بالضرورة اكتساب الحق في تحديد القواعد التي ستنظّمها مستقبلاً. فاستئناف الملاحة يعالج وضعاً استثنائياً فرضته الحرب، في حين أن إقرار ترتيبات إدارتها يثير مسألة أعمق تتصل بتوزيع السلطة وتحديد صلاحيات ممارستها. ويكمن خطر الخلط بين المسألتين في إضفاء صفة مؤسسية دائمة على نفوذ انتُزع بالإكراه خلال الحرب. 

 

 

توزيع الأدوار الاستراتيجية بين دول الخليج 

تتعامل دول مجلس التعاون مع هذه المسألة من مواقع مختلفة، بحكم اختلاف جغرافياتها، وعلاقاتها مع طهران، ومدى تعرّضها لاضطرابات مستمرّة، فضلاً عن استراتيجياتها الأمنية الأوسع. لكن هذه الاختلافات لا تفرض بالضرورة سياسات متنافسة. وإذا أُحسن تنسيقها، فقد تتحوّل إلى توزيع للأدوار الاستراتيجية بين دول المجلس. 

 

تكمن الأولوية المباشرة لعُمان في فصل مسألة خفض مخاطر الاحتكاك البحري عن مسار الحرب الأوسع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قناة إقليمية للتفاوض. وتسعى مسقط إلى منع استمرار شلل المضيق إلى حين التوصل إلى تسوية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران. وفي المقابل، شدّدت طهران على دور عُمان كشريك تفاوضي رئيسي في ملف هرمز، بالنظر إلى أن المياه الإقليمية للدولتين تشمل المضيق. ويمنح ذلك مسقط دوراً أساسياً في إدارة مسار التفاوض، لكنه يخلق أيضاً خطر أن تترتب على تفاهمات ثنائية آثار إقليمية قبل أن توافق عليها بقية دول الخليج. 

 

أما هاجس السعودية فمختلف. فالرياض تريد ضمان ألاّ ينشأ أي ترتيب دائم لإدارة هرمز من خلال الإجراءات المؤقتة التي فرضتها الحرب تدريجياً، بل أن يحظى بقبول سياسي أوسع داخل مجلس التعاون. ولذلك تُميّز بين دعم الحوار مع طهران وبين الموافقة على البنية التي قد تنتج من هذا الحوار. من هذه الزاوية، تكتسب إشارة عُمان إلى أن اجتماع صلالة أُجّل «حرصاً على التوافق» أهمية خاصة، لأنها تُوحي بأن موافقة دول الخليج باتت هي نفسها جزءاً من عملية التفاوض، وأنّ حجب هذه الموافقة يمكن أن يشكّل بدوره ورقة ضغط. 

 

أما البحرين، فاتخذت الموقف الأوضح في الاتجاه المقابل. فقد رفضت المشاركة في اجتماع صلالة من الأساس، مُعتبرة أن الأمن الإقليمي لا يمكن الحفاظ عليه من خلال «الاسترضاء»، وطالبت بإبقاء هرمز مفتوحاً من دون تمييز أو رسوم أو تصاريح. لذلك، لا تؤدّي البحرين دور الوسيط بقدر ما ترسم حدود المقبول، رافضةً أن تتحوّل قدرة إيران خلال الحرب على تنظيم المرور إلى حقّ مكتسب بعد انتهائها. 

 

إلى ذلك، تقف قطر دبلوماسياً أقرب إلى عُمان، لكنها تُميز بدورها بوضوح بين التفاوض وبين منح السلطة. فقد واصلت الدوحة دورها في الوساطة مع إيران ومع أطراف إقليمية ودولية أخرى، بالتوازي مع إصرارها على إعادة فتح هرمز فوراً ومن دون شروط.  

 

والأهم بالنسبة إلى النقاش حول ما بعد الحرب، أكّدت المعطيات أن أيّ ترتيبات مستقبلية لإدارة المضيق يجب أن تستند إلى توافق إقليمي وإلى القانون الدولي. ويُوفر هذا الموقف أرضية يمكن أن تجمع بين حرص مسقط على إبقاء المفاوضات مستمرة، وقلق الرياض من أن تتقدّم تلك المفاوضات على حساب الموافقة الجماعية. 

 

أما الإمارات، فتعتمد شكلاً مختلفاً من النفوذ. حيث طالبت أبوظبي أيضاً بإعادة فتح هرمز من دون شروط، ورفضت استخدامه أداةً للضغط الاقتصادي. لكنها تعمل بالتوازي على تسريع جهودها لتقليل اعتمادها على المضيق عبر موانئ بديلة، وخطوط أنابيب، وروابط سكك حديدية، وممرّات تجارية. ولا تستطيع استراتيجية «صفر هرمز» أن تجعل المضيق بلا أهمية، لكنها تستطيع تقليص قيمة التهديد بإغلاقه. فإذا كانت عُمان تسعى إلى إدارة النفوذ الإيراني دبلوماسياً، والسعودية إلى تقييده سياسياً، فإن المقاربة الإماراتية تحاول إضعافه بنيوياً. 

 

تشير هذه المقاربات إلى شكل من التنسيق الخليجي قد يكون أكثر أهمية من مجرد الحفاظ على موقف دبلوماسي موحّد. فإيران تملك نفوذاً مباشراً لأنها تستطيع عرقلة الملاحة. أما دول الخليج، فتملك نوعاً مختلفاً من النفوذ يتمثّل بالقدرات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية والسياسية على منح الشرعية الإقليمية اللازمة لتحويل ترتيب فرضته الحرب إلى نظام دائم لما بعدها، أو حجب هذه الشرعية. 

 

من هنا، يكمن الاختبار الأوسع للسياسة الخارجية الخليجية في مدى قدرة دول المجلس، على اختلاف مقارباتها، على التوافق حول مبدأ سياسي مشترك: أن ما يمنحه الإكراه من نفوذ تفاوضي في زمن الحرب لا يؤسس، بحد ذاته، لحق دائم في إدارة ممر بحري ذي أهمية إقليمية مشتركة. وفي غياب هذا التوافق، قد تتيح التباينات الخليجية لطهران تجزئة القضايا ذات التبعات الإقليمية إلى مسارات تفاوضية ثنائية، بما يمكّنها من تحصيل مكاسب عبر تفاهمات منفردة قد يتعذّر انتزاعها في إطار تفاوض جماعي. 

 

أما إذا استطاعت دول المجلس ترسيخ هذا المبدأ، فقد تصبح تعددية مقارباتها مصدراً للمرونة والنفوذ السياسي، عوضاً عن أن تفضي إلى تشتت المواقف. فاختلاف الأدوار الدبلوماسية والسياسية والقانونية، فضلاً عن المصالح والقدرات المرتبطة بالبنية التحتية، لا يحول بالضرورة دون التوافق على حدود ما يمكن أن تفضي إليه التسوية. بل قد يتيح للدول الخليجية توظيف أدواتها المختلفة في مسعى مشترك للحيلولة دون تكريس النفوذ الذي اكتسبته إيران بالإكراه خلال الحرب في صورة صلاحيات مؤسسية دائمة. 

 

وعلى هذا الأساس، يتجاوز الاستقلال الاستراتيجي الخليجي مسألة قدرة دول المجلس على التفاوض مع طهران في غياب واشنطن عن طاولة المفاوضات، ليطرح سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بمدى قدرتها على التأثير في صياغة قواعد النظام الإقليمي بعد الحرب. فالمسألة الحاسمة هي ما إذا كانت دول الخليج قادرة على المشاركة في تحديد هذه القواعد، والحيلولة دون أن تتحول الظروف الاستثنائية التي فرضت التفاوض إلى أساس يمنح إيران صلاحيات دائمة في إدارة الممر، تتجاوز ما تقتضيه استعادة الملاحة وضمان استمراريتها. 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ المؤلّف حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

القضية: العلاقات الإقليمية، حرب إيران
البلد: البحرين، الكويت، المملكة العربية السعودية، عُمان، قطر

المؤلف

أكاديمي وأستاذ في السياسة الدولية
الدكتور خالد علي الجفيري أكاديمي وأستاذ في السياسة الدولية، تتمحور أبحاثه حول دراسة التفاعل بين النظرية في العلاقات الدولية، والتحليل المنهجي، والاستراتيجية الوطنية، وصناعة القرار. يقوم بالتدريس في عدد من المؤسسات الأكاديمية الرائدة في دولة قطر وخارجها، من بينها جامعة جورجتاون في قطر، كما يشارك بانتظام في المؤتمرات والمنتديات الفكرية والسياسية المعنية بقضايا الخليج وأمنها… Continue reading من يكتب قواعد الملاحة في الخليج بعد الحرب؟