يُعدّ إعلان إيران السماح «للسفن غير المعادية» بمرور مضيق هرمز أحدث وربّما أوضح دليل على تحوّل النفط إلى سلاح في الحرب.
لقد عرضت طهران في رسالتها إلى المنظّمة البحرية الدولية تقييد عبور بعض السفن لمضيق هرمز بوصفه إجراءً قانونياً في إطار الدفاع عن النفس، إذ ربطت بشكل مباشر بين الوصول إلى أهم ممرّ طاقة في العالم وسلوك الدول المنخرطة في النزاع. هنا الرسالة واضحة: تدفّق النفط العالمي بات مشروطاً.
تكتسب هذه الخطوة أهمّيتها من مرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية من مضيق هرمز. فقد تراجعت حركة الملاحة في هذا الممرّ بشكل حادّ منذ اندلاع الحرب ما يكشف مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية وسرعة تأثّرها بالاضطرابات. وقد جاء قرار إيران بإعادة فتح المضيق جزئياً ليرسخ سياسة السيطرة، لا ليكون جزءًا من التهدئة. وقد انعكس ذلك في قدرتها على السماح بمرور السفن أو منعها بشكل انتقائي، فتحوّل المضيق من مجرّد ممرّ عبور إلى ورقة ضغط استراتيجية.
علاوة على ذلك، تُشكّل أسعار النفط عاملاً حاسماً في هذا النزاع وليس فقط الصواريخ أو القوّة العسكرية. فهذا العامل وحده قد يحدّد في نهاية المطاف مدّة الحرب. إذا ارتفعت الأسعار إلى حدود 170 دولاراً للبرميل، ستتجاوز تداعياته حدود المنطقة لتُهدّد الاستقرار الاقتصادي العالمي. وستنعكس كل زيادة في سعر البرميل مباشرةً على معدلات التضخّم العالمية، وترفع أكلاف النقل والغذاء، وتزيد الضغوطات على الحكومات وقدرتها على تمويل التزاماتها طويلة الأمد.. لذا، يصبح التحكّم في أسواق النفط عاملاً لا يقلّ أهمّية عن العمليات العسكرية التقليدية، بل قد يتجاوزها.
من العرض والطلب إلى الحسابات السياسية
أصبحت تقلبات أسواق النفط اليوم انعكاساً لتدخلات سياسية مقصودة ولم تعد ناتجة عن أسعار العرض والطلب. من إحكام الولايات المتّحدة قبضتها على صادرات فنزويلا في يناير الماضي، إلى التطوّرات الجارية في الشرق الأوسط، فالسماح المؤقّت بتصدير النفط الإيراني ووجود نحو 140 مليون برميل عائم في البحر جاهز للضخّ، وتخفيف القيود على النفط الروسي على الرغم من العقوبات، فضلاً عن السحب المنسّق من الاحتياطيات الاستراتيجية بقيادة الوكالة الدولية للطاقة كلّها مؤشرات على حقيقة واحدة: باتت تدفقات النفط أداة تُدار ضمن حسابات السياسة العالمية، وأضحى سلوك السوق خاضعاً بشكل متزايد للاعتبارات الجيوسياسية، وذلك في مقابل تراجع دور العوامل الاقتصادية التقليدية التي كانت تُعدّ المحرّك الرئيسي.
لقد نجحت إيران في استثمار هذا الواقع الجديد لصالحها. فمن خلال ضبط دقيق لمستويات التصدير ووتيرة التصعيد، تمكّنت طهران من ترسيخ موقع يُمكّنها من التأثير في عملية صنع القرار بالولايات المتّحدة الأمريكية، مع الإبقاء على ورقة الضغط عند نقاط الاختناق الحيوية. وقد شكّل الانخراط المحدود لكبار مستهلكي الطاقة ومنهم أوروبا واليابان والصين في الجهود العسكرية والمالية اللازمة لتأمين هذه الإمدادات وسيلة لتعزيز نفوذ طهران، ما يتيح لها التأثير في سوق الطاقة على الرغم من العقوبات والضغوط الداخلية.
التحوّل من الإنتاج إلى التحكّم في التدفّقات
شهدت الديناميكية الأساسية في أسواق الطاقة العالمية تحوّلاً عميقاً. فلم يعد الأمر يقتصر على من ينتج النفط وبأي كمّيات، بل أصبح السؤال الأهم: من يقرّر متى، وما إذا كان هذا النفط سيصل إلى السوق.
تاريخياً، كانت أوبك تؤثّر في الأسعار عبر تعديل مستويات الإنتاج، بما يوجّه السوق ضمن هوامش محدّدة. أمّا اليوم، فلم يعد الإنتاج سوى مستوى واحد في معادلة أكثر تعقيداً، إذ برز عاملاً حاسماً يتمثّل في التحكّم بإمكانية الوصول والتوقيت. في هذا السياق، تحتلّ الولايات المتّحدة موقعاً محورياً، ليس فقط بوصفها منتجاً رئيسياً، بل كجهة تتحكم بإمكانية الوصول إلى السوق العالمية. فمن خلال العقوبات، وهوامش القرار التنظيمي، ومنح الأذونات الانتقائية، تستطيع واشنطن التأثير في تدفّق النفط إلى السوق بمعزل عن حجم الإنتاج الفعلي. وتخلق هذه القدرة نمطاً من السيطرة غير المباشرة على الأسعار يتجاوز العرض المادي للنفط.
تحرّكات إيران في مضيق هرمز تعكس الوجه الآخر لهذه المعادلة. فإذا كانت واشنطن تتحكّم في الوصول عبر القنوات المالية والتنظيمية، بل وتحدّد وجهات البيع كما في حالة فنزويلا، فإن طهران تمتلك القدرة على تعطيل التدفقات المادية أو إخضاعها لشروط معينة. وبهذا، تعيد هذه الآليات مجتمعة تعريف كيفية ممارسة النفوذ في أسواق الطاقة العالمية.
في هذا الإطار، تُجسُد حالتا إيران وفنزويلا هذا الواقع بوضوح. إذ يمتلك كلا البلدين احتياطيات كبيرة وقدرات إنتاجية مهمّة، غير أن حضورهما في السوق العالمية بات محكوماً بالقرارات السياسية أكثر من قدراتهما الفعلية. وقد تحوّل نفطهما عملياً إلى احتياطي مُدار يُستخدم بشكل استراتيجي وفق أهداف جيوسياسية على نطاق أوسع.
يمتدُّ هذا النمط إلى الصين، التي استفادت طويلاً من النفط الإيراني بأسعار مخفّضة، غالباً أقل بنحو 10 إلى 12 دولاراً من أسعار السوق. غير أن هذه الأفضلية لم تعد مضمونة، بل باتت مشروطة بتفاهمات سياسية، بدلاً من أن تقوم على اعتبارات تجارية بحتة.
التداعيات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد
أصبحت سلاسل إمداد الطاقة أكثر تكيفاً مع التحولات الجيوسياسية. فقد بدأت دول مثل قطر والكويت والبحرين بإعادة النظر في مسارات الشحن وآليات التسليم، فيما يسعى العراق إلى تطوير طرق نقل بديلة للحدّ من المخاطر. ولا تقتصر هذه التغييرات على الجوانب التقنية، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً أعمق، إذ لم تعد تدفقات النفط مستقرة، بل باتت مرنة وخاضعة لاعتبارات سياسية وأمنية متبدّلة.
وفي قلب هذا التحوّل تبرز نقاط الاختناق البحرية، فمضيق هرمز ليس مجرّد ممرّ، بل أصبح أداة تحكّم. وتوضح الخطوة الإيرانية الأخيرة أن الوصول إليه يمكن ضبطه في الزمن الفعلي، ما يحوّل الجغرافيا إلى وسيلة ضغط على أحد أهم شرايين إمدادات الطاقة في العالم.
بالإضافة إلى ذلك، شهد دور الوكالة الدولية للطاقة تحوّلاً لافتاً. فإلى جانب مهمتها التقليدية في مراقبة الأسواق وتقديم التحليلات، باتت هذه الوكالة تؤدّي دور منصّة تنسيق بين الدول الصناعية، عبر استخدام السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، والتي غالباً ما تتراوح بين 300 و400 مليون برميل، لتهدئة الأسعار وتوجيه سلوك السوق. وقد أسهمت هذه التدخلات في تآكل النفوذ التقليدي لمنظمة أوبك، حيث أن تخفيضات الإنتاج ليست وحدها كافية لدفع الأسعار، في ظل إمكانية تعويضها عبر ضخّ احتياطيات خارجية. ونتيجة لذلك، أصبحت أوبك جزءاً من منظومة طاقة أكثر تعقيداً وتسييساً، بدل أن تكون المحرّك الرئيسي لأسعار النفط.
النفط كأداة استراتيجية
تحوّلت سوق النفط العالمية من نظام تقوده مستويات الإنتاج إلى نظام تُدار فيه التدفقات. ولم يعد النفط مجرّد سلعة، بل أصبح أداة لإدارة الاستقرار الاقتصادي العالمي وبسط النفوذ الاستراتيجي.
لم تعد القوة تُقاس بعدد البراميل المنتَجة، بل بقدرة التحكم في توقيت طرحها في السوق، أو حجبها عنه، وكيفية ذلك. ومع وجود ملايين البراميل المخزّنة في احتياطيات عائمة، أو ضمن مخزونات استراتيجية، أو المقيّدة بالعقوبات، أو المحتجزة بقرارات سياسية، باتت السوق تعمل وفق توقيت مُدار بدقة. ولم يعد التأثير وحده كافياً، فالتحكّم في التدفقات هو ما يرسم النتائج.
يبدو أن سوق النفط العالمية ليست خاضعة لهيمنة أوبك كما كان الحال لعقود، بل أصبحت تتشكّل بشكل متزايد عبر أنماط متنافسة من السيطرة تضمّ: واشنطن من خلال الأدوات المالية والتنظيمية، وأطراف مثل إيران عبر نقاط الاختناق المادية كـمضيق هرمز. وهنا تكمن أهمية التمييز: يمكن للتأثير أن يدفع الأسعار ضمن نطاق معيّن، أمّا التحكّم فهو الذي يحدّد إذا كان النفط سيتدفق أصلاً. وفي المشهد الجيوسياسي والاقتصادي الراهن، تُعيد السيطرة على الوصول والتوقيت والتدفقات تعريف القوة الاستراتيجية.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.