مغامرة إسرائيل في أرض الصومال تعكس عقيدة التصعيد اللامحدود

تسعى إسرائيل جاهدةً، من خلال بسط نفوذها على القرن الأفريقي، إلى زيادة الضغط على خصومها، وتقويض الاستقرار الإقليمي، وانحسار آفاق اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية.

19 يناير، 2026
عمر حسن عبد الرحمن

يمثّل اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولةً مستقلة، والذي تُوِّج بزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر في السادس من يناير الجاري، تحوّلاً جيوسياسياً فاصلاً، يُسلّط مزيداً من الضوء على ملامح الإستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية المتغيّرة في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023.

 

وقد شاب جانب كبير من التعليقات المبكرة لغط ناجم عن الادعاء بأنّ هذه الخطوة تندرج ضمن مخطّط تبادلي يهدف إلى تهجير الفلسطينيين جماعياً من غزة إلى أرض الصومال، الإقليم المنفصل الذي أعلن استقلاله عام 1991 من دون أن يحظى باعتراف دولي. ومع ذلك، وعلى الرغم من تقارير صدرت في مارس 2025 تشير إلى شروع إسرائيل والولايات المتّحدة في بحث سُبل تطبيق هذا المسار، تبقى فرضية قدرة إسرائيل أو شركائها على التهجير القسري لعشرات أو مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى أرض الصومال، بعيدة المنال وغير واقعية.

 

فمثل هذه الخطوة من شأنها زعزعة استقرار أرض الصومال، وإشعال الساحة السياسية الصومالية، وتفجير موجة من السخط الإقليمي، فضلاً عن ما يترتب عليها من حالة دائمة من انعدام الأمن لجميع الأطراف المعنيّة، ومن بينها إسرائيل والإمارات العربية المتّحدة، التي تتمتّع بنفوذ أرسخ وأكثر تجذّراً في الإقليم. ولا تستفيد أي دولة من استقدام  كتلة سكانية ضخمة وناقمة رغماً عنها، ولا سيّما إلى كنف كيان هشّ ومتنازع عليه دبلوماسياً ويفتقر إلى الموارد اللازمة لاستيعابها. وعلاوة على ذلك، لن ترغب إسرائيل ولا الإمارات في تحمّل عبء وجود فلسطيني واسع في منطقة تسعيان إلى توظيفها لخدمة أهدافهما الإستراتيجية.

 

ويُلهي هذا السرد المتعلّق بإعادة التوطين عن واقع أكثر أهمّيةً وتأثيراً: إذ تنفّذ إسرائيل مناورة جيوسياسية جديدة تهدف إلى ترسيخ انتشارها العسكري، وتوسيع وصولها البحري، وتعظيم أوراق ضغطها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها، في لحظة تتّسم بسيولة إقليمية بالغة.

 

وعند النظر إلى هذه الخطوة في سياقها الأوسع، يتبيّن أنّها تنسجم مع إستراتيجية ما بعد السابع من أكتوبر، التي تسعى إسرائيل من خلالها إلى إعادة تشكيل بيئتها الإستراتيجية عبر توظيف القوّة العسكرية والتموضع الانتهازي. ففي غزّة ولبنان وسوريا، أعادت إسرائيل صياغة الوقائع الإقليمية والسياسية والأمنية بعنف مدمّر، ومن دون أدنى اكتراث يُذكر بمبادئ القانون الدولي أو بالاستقرار طويل الأمد. وبدلاً من الاكتفاء بإدارة التهديدات واحتوائها، تحاول إسرائيل استئصالها كلياً، أو، في الحدّ الأدنى، دفعها بعيداً عن حدودها. وليس هذا النهج جديداً في ذاته، غير أنّ نطاقه وحدّته بلغا مستويات غير مسبوقة.

 

وخارج محيطها المباشر، وسّعت إسرائيل نطاق نفوذها بوتيرة لافتة. فقد أتاح تعميق علاقتها الأمنية مع أذربيجان لها بسط قوّتها على امتداد حدود إيران الشمالية، والتخفيف من حدّة قيودها الجغرافية، وفتح مسارات جديدة لقدرات جمع المعلومات الاستخباراتية وشنّ الضربات. وفي شرق البحر المتوسط، صُمّم تنسيقها المتنامي مع اليونان وقبرص صراحةً لموازنة النفوذ التركي ومجابهته، عبر إعادة تشكيل موازين القوى البحرية وأمن الطاقة والترتيبات العسكرية في الإقليم.

 

ويأتي تثبيت موطئ قدم في أرض الصومال ليمدّ هذا المنطق جنوباً، مانحاً إسرائيل ما سعت إليه طويلاً من دون أنّ تمتلكه مباشرة: الوصول إلى مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر الجنوبي. ولم يعد هذا المسرح ساحة بعيدة عن إسرائيل، بل بات خطّ تماس متقدّماً، وتتيح أرض الصومال لإسرائيل من خلاله فرصة تحدّي قبضة الحوثيين المتنامية المتمركزين في اليمن على أحد أهم الممرّات البحرية في العالم، وتعطيل قدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه الأراضي الإسرائيلية.

 

كما تعمّق هذه الخطوة الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي، حيث وطّدت إسرائيل علاقاتها مع إثيوبيا وكينيا ودول أخرى، إلى جانب استكشاف فرص في سياقات أكثر هشاشةً مثل السودان وإريتريا. وتمتلك مصر بدورها مصالح حيوية ونقاط ضعف كبيرة في هذه المنطقة، ما يمنح إسرائيل ورقة ضغط إضافية يمكن استخدامها ضدّ جارتها في شمال أفريقيا عند الحاجة. وينطبق الأمر نفسه على تركيا، التي تُعدّ على الأرجح الداعم الأبرز للحكومة الصومالية في مقديشو، في ظلّ استثمارات اقتصادية وأمنية واسعة النطاق.

 

وعليه، فبينما يُقحم الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال إسرائيل في واحدة من أكثر مناطق العالم قابلية للاشتعال، فإنّ المكاسب الإستراتيجية تبدو هائلةً: نفاذ جيوستراتيجي استثنائي في منطقة رمادية جيوسياسياً تلائم عملياتها السرّية، وأدوات نفوذ إضافية يمكن توظيفها للضغط على دول أخرى متى شاءت.

 

 

قوّة بلا شرعية

على الرغم من أنّ إسرائيل كانت أول دولة تعترف بأرض الصومال، فإنّها ليست الدولة الوحيدة التي سعت إلى استغلال هذا الإقليم لما ينطوي عليه من قيمة إستراتيجية. فقد أمضت الإمارات العربية المتّحدة سنوات في ترسيخ حضورها ونفوذها في أرض الصومال عبر الموانئ التجارية والبحرية، في إطار إستراتيجية ساحلية أوسع تمتدّ من اليمن إلى السودان والقرن الأفريقي. كما حافظت أبوظبي على شراكتها الإستراتيجية مع إسرائيل، على الرغم من الكلفة الباهظة التي لحقت بسمعتها بسبب حرب الإبادة الجماعية في غزة، آملةً في أنّ يؤتي الصمود في وجه العاصفة ثماره في نهاية المطاف، ويمكن النظر إلى دخول إسرائيل إلى أرض الصومال باعتباره تقاطعاً في هذا المسار.

 

وتتكامل القدرات العسكرية الإسرائيلية، ولا سيّما في مجالات الدفاع الجوّي والمراقبة والأمن البحري، مع حضور الإمارات اللوجستي والتجاري والأمني. وفي اليمن والمياه المحيطة به، قد تبدو القوّة الإسرائيلية ذات فاعلية خاصّة. وليس من قبيل المصادفة، على الأرجح، أنّ يتزامن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال مع عملية كبرى نفّذها المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً للسيطرة على كامل جنوب اليمن.

 

غير أنّ نقطة الضعف الجوهرية في هذا التحالف لا تكمن في القدرات العسكرية أو القيمة الإستراتيجية فحسب، بل في الشرعية السياسية. فإسرائيل، إلى جانب الإمارات وبالتوازي معها، تعيد تشكيل هذه المناطق بطرق قد تُفضي إلى تداعيات وخيمة ترتدّ عليها في نهاية المطاف.

 

تمضي إسرائيل قدماً في تنفيذ إستراتيجيتها مستندةً إلى دعم أمريكي صلب، ولا سيّما في ظلّ إدارة أمريكية مستعدّة لتحمّل أكلاف دبلوماسية وقانونية باهظة، فضلاً عن  تضرّر سمعتها الدولية نيابةً عن إسرائيل. إذ تعمل واشنطن جاهدةً على تعطيل مسارات المحاكم الدولية، وأنظمة العقوبات، وآليّات المساءلة متعدّدة الأطراف. وبهذا، لا تساهم الولايات المتّحدة في تقويض النظام الدولي الذي كانت يوماً ضامناً له فحسب، بل تُعجّل أيضاً من تداعي مكانتها العالمية.

 

ويُغذّي هذا الدعم الطموحات الإسرائيلية، لكنّه لا يحلّ معضلتها الجوهرية: غياب القبول الإقليمي. فإسرائيل تكاد تفتقر إلى أيّ قوّة ناعمة في الشرق الأوسط. ويستند نفوذها إلى الإكراه، ونقل تكنولوجيا السلاح والمراقبة، والتعاون الاستخباراتي، وحظوتها الاستثنائية لدى دوائر صنع القرار في واشنطن، لا إلى الشرعية أو القيم المشتركة. كما تقوم علاقاتها مع الأنظمة الإقليمية في حالة توتر دائم مع الإرادة الشعبية، ولا تستمر إلّا عبر القمع والرقابة والتنسيق الأمني. وهذه ليست أسس هيمنة مُستدامة.

 

وحتّى في الغرب، بات موقع إسرائيل أكثر هشاشةً. فبينما تظلّ الحكومات متماهية معها، يتآكل الدعم الشعبي على نطاق غير مسبوق. ولم يكن الردّ تكيّفاً سياسياً، بل مزيداً من القيود على الاحتجاج وحرّية التعبير والمعارضة، بما يساهم في تراجع المسار الديمقراطي وتأجيج الغضب الشعبي لدى اليسار واليمين على السواء. ولا يقتصر أثر هذه الدينامية التآكلية على مكانة إسرائيل وحدها، بل يطال أيضاً النظم السياسية التي تسندها.

 

فالهيمنة ليست مجرّد فرض سيطرة قسرية، بل هي القدرة على إرساء دعائم نظام والحفاظ عليه، بحيث يقبله الآخرون ويعترفون بشرعيّته. ولا تُبدي إسرائيل اهتماماً يُذكر ببناء مثل هذا النظام، بل توحي ممارساتها باعتقادٍ مفاده أنّ القوّة الساحقة يمكن أنّ تحلّ، وإلى أجل غير مسمّى، محل الانخراط السياسي.

 

وحتى قبل السابع من أكتوبر، كانت إسرائيل تمتلك تفوّقاً عسكرياً في الشرق الأوسط، مكفولاً أمريكياً عبر ما يُعرف بـ «التفوّق العسكري النوعي». أمّا ما تسعى إليه إسرائيل اليوم، فهو أمر أشدّ تطرّفاً: فرض واقع يخلو تماماً من أي معارضة عسكرية. فكلّ تهديد، في أيّ مكان وعلى أيّ مسافة، يُعدّ غير مقبول ويستوجب الردع.

 

ومع أنّ السعي إلى الأمن مفهوم في ذاته، فإنّ مطاردة الحصانة المطلقة لا تفضي إلّا إلى حرب دائمة، وهو مآل لطالما روّج له بنيامين نتنياهو وائتلافه السياسي بوصفه بديلاً مفضّلاً على أيّ تسوية أو تنازل.

 

 

زعزعة التوازن الإقليمي

 

تُدرك كلّ الأطراف الإقليمية الفاعلة أنّ مفتاح الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط يمرّ عبر تسوية سياسية مع الفلسطينيين. ويعي القادة الإسرائيليون هذه الحقيقة بدورهم، غير أنّهم يرفضونها. إذ يتعارض السعي إلى مثل هذه التسوية مع الرؤية اليمينية التي باتت تهيمن على السياسة والمجتمع في إسرائيل، والتي ارتهنت لمشروع السيطرة الكاملة على الأرض الممتدّة من النهر إلى البحر. وفي ظلّ هذا التحوّل، لم تعد هناك قاعدة جماهيرية داخلية ذات وزن قادرة على المبادرة بتقديم التنازلات التي يتطلّبها السلام أو الحفاظ عليها.

 

على مدى عقود، سعت إسرائيل إلى إدارة المسألة الفلسطينية عبر احتوائها وتأجيلها ونقل كلفتها إلى أطراف أخرى. أمّا اليوم، فقد تلاقت الأيديولوجيا والطموح والخوف لتنتج مقاربة مختلفة جذرياً: حسم الصراع عبر عنف شامل ومفتوح.

 

وكان لهذا التحوّل أثرٌ كارثي على الفلسطينيين في المقام الأوّل، لكنّه انسحب أيضاً على شعوب لبنان وسوريا وإيران. وفي المقابل، بدأت تتشكّل تحالفات إقليمية جديدة لاحتواء ما يُنظر إليه على أنّه عسكرة إسرائيلية بلا حدود. فتركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وحتى باكستان، تدرس بجدّية فرص بناء بنية دفاعية مشتركة، فيما باتت مسألة الانتشار النووي مطروحة على الطاولة بوصفها احتمالاً واقعياً.

 

وتُظهر الإمارات العربية المتّحدة، من جهتها، كلفة التوسّع المفرط وتداعياته. ففي اليمن، أدّى دعمها للتقدّم العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي في الجنوب إلى ردّ سعودي حازم أطاح بمشروعها الممتدّ لعقد كامل في البلاد، ودفع العلاقات الإماراتية السعودية إلى نقطة توتّر غير مسبوقة.

وبالمثل، يُخلّ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بتوازن دقيق في القرن الأفريقي، ويهدّد بإشعال صراعات على امتداد خطوط الصدع المتعدّدة في الإقليم. وقد بادر الاتحاد الأفريقي إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة هذه الخطوة، داعياً إلى «إلغائها فوراً». كما أدانت الصين، التي أوفدت وزير خارجيتها إلى الصومال مباشرة عقب زيارة ساعر، التحرّك الإسرائيلي واصفةً إياه بأنّه «غير قانوني وانتهاك صارخ لسيادة الصومال الوطنية ووحدته الإقليمية».

 

وبالنسبة إلى إسرائيل، لا تمثّل هذه الخطوة مجرّد مناورة دبلوماسية معزولة، بل هي حلقة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى ترسيخ نفوذها عبر ساحات متعدّدة، مع تأجيل الحسابات السياسية في جوهره  إلى أجل غير مسمّى. وقد تحقّق هذه الإستراتيجية مكاسب تكتيكية محدودة، لكنّها على المستوى الإستراتيجي تعمّق عزلة إسرائيل، وتربطها على نحو أوثق بولايات متّحدة تتآكل موثوقيتها، وتحبس المنطقة في حالة توازن هشّ تُستبدل فيها الشرعية بالقوّة.

 

وهذا ليس مساراً يقود إلى الأمن، بل مقامرة على هيمنة دائمة في منطقة لم تتقبّلها يوماً.

 

 

نُشرت هذه المقالة في الأصل على موقع +972 Magazine.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: فلسطين

المؤلف

عمر حسن عبد الرحمن هو زميل في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، حيث يركّز على فلسطين وجيوسياسيات الشرق الأوسط  والسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. وهو محرّر أفكار، المدونة الالكترونية الصادرة عن المجلس لمعالجة التطورات الإقليمية وأهم القضايا التي تهمّ المنطقة.   كان سابقاً زميلاً غير مقيم في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس في هيوستن.… Continue reading مغامرة إسرائيل في أرض الصومال تعكس عقيدة التصعيد اللامحدود