لم تقتصر الحرب التي امتدّت عبر الخليج على زعزعة بنية الأمن الإقليمي، بل كَشفت أيضاً حقيقة راسخة: لم يؤد مجلس التعاون الخليجي يوماً دوره كلاعب فاعل موحّد في مقاربته تجاه إيران، ويبدو أنه لن يقوم بهذا الدور أيضاً بعد انتهاء النزاع.
غالبًا ما يُنظر إلى مجلس التعاون في النقاشات السياسية ككتلة متماسكة تواجه تهديداً إيرانياً مشتركاً. غير أن العقد الماضي، ومعه هذه الحرب أثبت العكس. فحتى مع عبور الصواريخ والطائرات المسيّرة أجواء البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات وعُمان، لم تتقارب مواقف الدول الست، ولم تتفق على رؤية موحّدة لإيران، ولا على قراءة مشتركة للحرب، ولا حتى على تصوّر واحد لمآلاتها.
هذا التباين ليس خلافاً عابراً، بل هو بنيوي. إذ تنظر كل دولة خليجية مع إيران من خلال عدسة سياستها الخارجية الخاصة. وتتشكّل هذه العدسة بفعل الجغرافيا، والتركيبة السكانية، والانكشاف الاقتصادي، والتحالفات العسكرية، والاعتبارات الداخلية، والطموحات الإقليمية، والرأي العام، والذاكرة التاريخية. ولا تحمل هذه العوامل الوزن نفسه في كلّ العواصم، ما يؤدّي إلى خيارات سياسية مختلفة.
فبعض الدول تميل إلى المواجهة، وأخرى إلى الحوار، بينما تمزج معظمها بين الانخراط والردع والموازنة بدرجات متفاوتة. ولم تُلغِ الحرب هذه الفوارق، بل جعلتها أكثر وضوحاً وتأثيراً.
ما يميّز النزاع الحالي عن فترات التوتر السابقة بين مجلس التعاون وإيران ليس فقط حجمه، ولا كونه يشمل الدول الست جميعاً، بل لأنه يتزامن مع تحوّل معظم العوامل المؤثرة في صنع القرار نحو اتجاهات سلبية.
لقد تحقق السيناريو الذي طالما اعتبره قادة الخليج الأسوأ.
وتكمن أهمية ذلك في أن النموذج الاقتصادي الخليجي يقوم على الانفتاح والترابط والاستقرار. فهو يحتاج إلى موانئ عاملة، ومطارات مفتوحة، ومحطات تحلية مستمرة، وواردات غذائية منتظمة، وتدفقات سياحية، واستقرار في حركة رؤوس الأموال. وعندما ترتفع أكلاف التأمين البحري، وتتعطل صادرات الوقود، وتتأخر شحنات الغذاء، يصبح الأثر واسعاً وهيكلياً داخل الخليج وخارجه. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الضغوط، لم تتبلور مقاربة خليجية موحّدة لإدارة الأزمة أو التعامل مع تداعياتها.
اختلافات بُنيوية
تتشكّل سياسة دول مجلس التعاون الخليجي تجاه إيران بفعل عوامل متعدّدة تتفاعل بشكل مختلف في كل دولة، وقد أُعيد تشكيل هذه العوامل مراراً منذ عام 1979 بفعل محطات كبرى: الثورة الإيرانية، الحرب العراقية–الإيرانية، الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، انتفاضات 2010–2011، الاتفاق النووي لعام 2015، قطع العلاقات عام 2016، سياسة «الضغط الأقصى» في عهد ترامب، ثم التقارب السعودي–الإيراني عام 2023. وتمثل الحرب الحالية أحدث هذه المحطات وأكثرها حدّة.
تُعدّ السعودية والإمارات والبحرين الأكثر ميلاً إلى تبنّي موقف عدائي بنيوي تجاه إيران، لكن حتى داخل هذا التقارب، تختلف الحسابات.
تتبنّى البحرين المقاربة الأكثر ضماناً في مجلس التعاون. وتشكّلت هذه المقاربة بفعل مطالبات تاريخية بالسيادة، وهواجس حادة تتعلق بأمن النظام، وتركيبتها السكانية. بالنسبة إلى المنامة، تمثّل إيران تهديداً مباشراً ومستمراً. وعلى الرغم من انخراطها في اتفاقيات أبراهام، كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تُعِد علاقاتها رسمياً مع طهران بعد عام 2021. وخلال هذه الحرب، قادت البحرين تحركات في الأمم المتحدة. وشاركت في رعاية مشروع قرار في مجلس الأمن مدعوم من 135 دولة يطالب إيران بوقف هجماتها. كما أعدّت مشروعاً آخر أُسقط بفيتو روسي–صيني عشية وقف إطلاق النار.
أما رؤية السعودية فهي أوسع وأكثر جيوسياسية. فالمملكة تنظر إلى إيران كمنافس على النفوذ الإقليمي والاستقرار الداخلي والتفوق الاستراتيجي طويل الأمد. وعلى الرغم من تقارير عن تشجيع ولي العهد لترامب على مواصلة الحرب، فإن السياسات الداخلية والخارجية للمملكة في السنوات الأخيرة تحكمها أجندة التحوّل الاقتصادي والاجتماعي ضمن «رؤية 2030»، التي تعتمد أساساً على الاستقرار الإقليمي الذي تقوّضه الحرب. وعلى الرغم من الهجمات الإيرانية، حافظت الرياض على قنوات تواصل دبلوماسية مع طهران، كما انخرطت في مسار وساطة رباعي مع مصر وتركيا وباكستان. لذلك، حاولت الموازنة بين عاملين متناقضين: التهديد الإيراني من جهة، وكلفة التصعيد على مصالحها الاستراتيجية من جهة أخرى. فتبنّت مقاربة محسوبة: ردع بلا تصعيد، دبلوماسية بلا استثمار، وضغط بلا انخراط مباشر.
من جهتها، تقدّم الإمارات نموذجاً مختلفاً. تاريخياً، جمعت هذه الدولة سياستها تجاه إيران بين موازنة صلبة وبراغماتية اقتصادية. فقد حافظت دبي على علاقات تجارية واسعة مع إيران، حتى في أوقات التوتر، وفي المقابل، تخوض الشارقة ورأس الخيمة نزاعاً مُداراً مع إيران حول ثلاث جزر. وكل ذلك يجري تحت المظلّة الاستراتيجية لأبوظبي، التي ترى إيران تهديداً أمنياً وأيديولوجياً رئيسياً. اليوم، تضع الحرب هذا التوازن تحت ضغط شديد. فقد أثبتت البراغماتية الاقتصادية عجزها في ردع التصعيد الإيراني. وتدرس الإمارات تجميد مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية، وأغلقت بالفعل مؤسّسات إيرانية في دبي، بينها مدارس وجامعة ومستشفى ونادٍ اجتماعي. وتشير هذه الخطوات إلى تحوّل نحو موقف أكثر صدامية. كما يبدو أن أبوظبي تدفع باتجاه عدم إنهاء الحرب من دون حسم واضح. وقد لخّص سفيرها في واشنطن، يوسف العتيبة، ذلك في مقال له في صحيفة وول ستريت جورنال بقوله: «إن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي. نحتاج إلى نتيجة حاسمة تعالج كامل التهديدات الإيرانية».
في المقابل، استندت مقاربة الكويت على مبدأ الموازنة الحذرة، لا المواجهة المستمرة. ويعود ذلك إلى موقعها الجغرافي، وتقاليدها الدبلوماسية، وبنيتها السياسية الداخلية التي تشجّع على ضبط النفس. ولا يزال هذا النهج قائماً. فعلى الرغم من تعرّضها لهجمات مكثّفة، بقي خطابها الرسمي متزناً.
ويعكس وصف أمير دولة الكويت مشعل الأحمد الجابر الصباح للهجمات بأنها صادرة عن «جارة مسلمة نعدّها صديقة» هذا التناقض في تلقي ضربات قاسية، مع الحفاظ على نبرة معتدلة. كذلك، شهدت العلاقة الكويتية الإيرانية تقلبات كبيرة منذ عام 1979، لكنها أُديرت بقدر من البراغماتية خلال العقود الماضية. اليوم، يواجه هذا النهج اختباراً صعباً مع اتساع نطاق الضربات على المناطق المدنية والبنية التحتية.
في حين، يرتكز موقف قطر على براغماتية برزت بوضوح خلال حصار عام 2017، حين تعمّقت علاقتها الوظيفية مع إيران. وقد حرصت الدوحة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وعرضت الوساطة في ملفات عدّة. حتى قبل الحصار، كانت من أوائل المرحّبين بالاتفاق النووي، ودعت باستمرار إلى الحوار الإقليمي باعتباره السبيل إلى الاستقرار والأمن. وتستمر هذه المقاربة البراغماتية حتى بعد ما وُصف بـ«الخيانة» الإيرانية. في 2 مارس، أكّد مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية أن « القضاء الكامل على إيران ليس خياراً»، مضيفاً: «سنظل جيراناً، وعلينا إيجاد سبل للتعايش». لا تزال أولوية الدوحة هي التهدئة والتعايش، لا الاصطفاف ضد إيران، وبالتأكيد ليس ضمن إطار يشمل إسرائيل. ومع ذلك، يبقى مستقبل دورها كوسيط غير محسوم.
أما عُمان، فتمثل حالة خاصة. التزامها بالحياد والوساطة والحوار ليس تكتيكاً، بل خياراً مبدئياً متجذراً في سياستها الخارجية. هذا النهج سبق الحرب الحالية، ومن المرجح أن يستمر بعدها. وحتى بعد تعرّضها لهجمات، والضغط على موقعها في مضيق هرمز، حافظت مسقط على هذا المسار، بل عزّزته. قد يتراجع هامش دورها كوسيط، لكن رؤيتها لم تتغير. في 11 مارس، صرّح وزير خارجيتها بدر البوسعيدي بوضوح: «حيادنا في خدمة السلام، وهو حجر الأساس لأمننا الوطني وهديتنا للعالم». وستبقى علاقاتها المتوازنة مع إيران عاملاً حاسماً في أي إعادة فتح محتملة للمضيق، وفي إعادة دمج إيران إقليمياً. كما عارضت عُمان باستمرار تشكيل جبهة عسكرية خليجية موحّدة ضد إيران، وهو موقف لن يتغيّر.
تباينات غير قابلة للحسم
كشف اندلاع الحرب بوضوح أكبر عن التوجّهات الكامنة لكلّ دولة. ترى البحرين في ما يجري تأكيداً لمخاوفها المزمنة، وتواجه السعودية مفارقة بين المخاطر الاستراتيجية ومتطلبات رؤيتها التنموية. أما الإمارات، فتعيش توتراً بين أولويات الأمن والاقتصاد. في المقابل، تشدّد الكويت على الحذر، وتعزّز قطر تفضيلها لخفض التصعيد، فيما تبقى عُمان متمسكة بخيار الحوار.
وقد اتجه قادة مجلس التعاون نحو الدبلوماسية مع إيران بعد عام 2021، لا لأنهم وثقوا بطهران، بل لأنهم لم يعودوا يرون في الردع العسكري والدعم الأمريكي وحدهما أساساً كافياً للاستقرار. ولم تُضعف الحرب هذا التقدير، بل عزّزته لدى معظمهم. لذلك، وعلى الرغم من شدّة النزاع، لن تفضي إلى جبهة خليجية موحّدة ضد إيران. ستعمد بعض الدول إلى تعزيز الردع وتوسيع التعاون العسكري، وتقوية تحالفاتها الخارجية. في المقابل، ستواصل دول أخرى إعطاء الأولوية للدبلوماسية وخفض التصعيد. أما معظمها، فسيجمع بين المسارين، لكن بنِسَب تعكس مصالحها وتاريخه وتقديراته للمخاطر.
ما تؤكده هذه الحرب هو أن مجلس التعاون لن يتعامل مع إيران كفاعل استراتيجي واحد. فالدول الأعضاء لا تقيّم القوّة الإيرانية بالطريقة نفسها، ولا ترتّب التهديدات وفق سُلّم واحد، ولا تتحمّل المخاطر بالمستوى نفسه. لذلك، فإن أي إطار أمني لما بعد الحرب في الخليج يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة، وأن يعترف باستقلالية كل دولة بوضوح وبدورها الخاص.