لم يكن لبنان، خلال العقدين الماضيين، في صدارة الأولويات الإقليمية لتركيا، لكن أنقرة حافظت على حضور اجتماعي وإنمائي ملحوظ، خصوصاً في بيروت وطرابلس والشمال من خلال علاقاتها الدبلوماسية مع الدولة اللبنانية والبقاء على مسافة واحدة من مختلف القوى السياسية. وقد اتسمت السياسة الخارجية التركية باتجاه لبنان باعتبار الساحة اللبنانية مجا لاً بعيداً عن ساحات النفوذ التركي مقارنة بسوريا والعراق وليبيا.
تبدو هذه المقاربة اليوم في طور التغيير، ليس لأن تركيا قرّرت تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ جديدة، بل لأن التحوّلات التي أحاطت به جعلتهُ أكثر اتصالاً بالمصالح التركية المباشرة.
والمدخل الأساسي لفهم هذا التحوّل ينطلق من سوريا، فسقوط نظام بشار الأسد وصعود سلطة جديدة في دمشق ترتبط مع أنقرة بعلاقة وثيقة غيّرا البيئة الاستراتيجية المحيطة بلبنان. فللمرة الأولى منذ عقود، لم تعد سوريا حاجزاً يفصل التأثير التركي عن لبنان، بل أصبحت مساحة يمكن أن تربط البلدين اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. وبذلك، من الصعب فصل نظرة أنقرة إلى لبنان عن رؤيتها الأوسع لسوريا والشرق الأوسط.
تجاوز الاهتمام التركي بالملف اللبناني لغة التضامن السياسي. فقد وضع أردوغان لبنان صراحة داخل المجال الأمني الذي تنظر إليه أنقرة باعتباره متصلاً بأمنها القومي. ففي يونيو 2026، اعتبر أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا وصلت إلى مستوى يهدد تركيا نفسها، وقال إن أمن بلاده “لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”.
يكشف هذا الخطاب توسعاً في تعريف المجال الأمني التركي في المشرق يتمثّل في تحقيق استقرار سوريا ولبنان، ومنع إسرائيل من فرض وقائع أمنية جديدة فيهما، وتقديمهما باعتبارهما جزءاً من حماية التوازن الإقليمي المحيط بتركيا، ولا يُعتبر مجرد موقف سياسي من أزمات تمرّ بها دولتين مجاورتين.
التنافس التركي – الإسرائيلي
يأتي هذا الخطاب في ظلّ الصدام المتزايد بين الرؤيتين التركية والإسرائيلية لمستقبل المنطقة وتحديداً سوريا. فإسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية حركة عسكرية واسعة ومنع ظهور قدرات عسكرية أو ترتيبات أمنية يمكن أن تقيدها، بينما ترى أنقرة أن استقرار سوريا يتطلب إعادة بناء دولة وجيش قادرين على بسط السلطة على الأراضي السورية. وقد ظهرت حدّة هذا التناقض أخيراً في الضربات الإسرائيلية لمطار أبو الظهور شمال سوريا، على خلفية الحديث عن حضور عسكري تركي محتمل فيه.
من هنا يكتسب لبنان أهمية إضافية. فبالنسبة إلى تركيا، لم يعد جنوب لبنان منفصلاً تماماً عن المشهد السوري أو عن التوازنات الجديدة في الشرق الاوسط. فاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، ومصير قوة اليونيفيل، كلها ملفات ستؤثر في شكل النظام الأمني الذي يتكون على الحدود الشمالية لإسرائيل، ولذلك بدأت أنقرة تنتقل تدريجياً من إعلان التضامن السياسي مع لبنان إلى إبداء استعداد للمشاركة في ترتيبات أكثر حساسية.
ظهر ذلك بوضوح خلال زيارات نائب رئيس الحكومة طارق متري، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس الجمهورية جوزيف عون إلى أنقرة في 30 يوليو الماضي. اكتسبت هذه الزيارة أهمية خاصة بأنها الأولى لرئيس لبناني إلى تركيا منذ 17 عاماً، والأهم أنها طرحت ملفات أمنية للنقاش.
فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا تريد المشاركة في المبادرات التي ستنشأ بعد انتهاء مهمة اليونيفيل لدعم الأمن في لبنان وسيادته، وربط ذلك باستمرارية دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة.
تعكس هذه الخطوة اتساع النظرة التركية نحو الساحة اللبنانية. فأنقرة لا تعرض نفسها وسيطاً بين لبنان وإسرائيل، ولا تمتلك أصلاً شروط القيام بهذا الدور، لكنها تريد أن تكون موجودة عندما يُبحث شكل الترتيبات الأمنية الجديدة. وهذا يعني أن تركيا تحاول الانتقال من موقع الدولة الصديقة للبنان إلى موقع أحد الأطراف الإقليمية التي ينبغي أخذ مصالحها وقدراتها في الاعتبار عند إعادة ترتيب المشهد اللبناني.
بيروت تبحث عن أنقرة
بدورها، شكّلت الحركة الدبلوماسية اللبنانية باتجاه أنقرة مؤشراً على مساعي بيروت نحو تنويع شبكة علاقاتها الإقليمية والاستفادة من التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد، بالتوازي مع اتصالات سياسية وعسكرية تستند إلى قاعدة تعاون قائمة منذ اتفاقية الإطار العسكري عام 2010، وما تبعها من برامج تدريب ومنح وتعاون تقني، وصولاً إلى زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى تركيا في مايو 2026.
فبالنسبة إلى لبنان، تكمن أهمية تركيا في الجمع بين ثقلها السياسي والعسكري، وبين عدم انخراطها المباشر في الانقسامات اللبنانية الداخلية. وتزداد هذه الأهمية بفعل علاقة أنقرة الوثيقة بالسلطة السورية الجديدة، بما يمنحها دوراً محتملاً في ملفات يصعب على بيروت معالجتها من دون سوريا، وفي مقدمتها الحدود والمعابر، والأمن، والنقل والتجارة.
من هنا يصبح استقرار سوريا قاسماً مشتركاً أساسياً، فهو أولوية أمن قومي لأنقرة، فيما قد يوفر للبنان حدوداً أكثر انضباطاً وتراجعاً للضغوط الأمنية والاقتصادية، وهو ما يفسر إعلان أردوغان استعداد بلاده للمساهمة في تطوير الحوار اللبناني–السوري.
تتجاوز المصلحة التركية مسألة المساعي الدبلوماسية ومنع تحول المواجهة مع إسرائيل إلى حرب مفتوحة، وتقوية الجيش ومؤسسات الدولة، وتصل إلى أهمية إعادة وصل لبنان بشبكات التجارة والنقل الإقليمية، حيث يمكن لمرافئ طرابلس وبيروت وشبكات النقل والطاقة أن تكتسب أهمية أكبر ضمن مسارات تربط تركيا بسوريا وشرق المتوسط والأسواق العربية، في حال استقرار الوضع بسوريا.
على الرغم من ذلك، فإنّ تطابق المصالح ليس بهذه السهولة. فقد أثار اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين لبنان وقبرص اعتراضاً تركياً، رغم إقرار أنقرة بأن المنطقة المشمولة بالاتفاق تقع خارج جرفها القاري.
ينطلق الاعتراض أساساً من الموقف التركي تجاه القضية القبرصية والنظر إلى الاتفاق على أنه يتجاهل حقوق القبارصة الأتراك. يكشف هذا الملف جانباً آخر من العلاقة، فكلما اتسع انخراط تركيا في لبنان، ستجد بيروت نفسها أمام ضرورة الموازنة بين تطوير علاقتها بأنقرة والحفاظ على شراكاتها مع بعض دول شرق المتوسط.
حدود الدور التركي
لم يصل الانفتاح التركي على لبنان إلى حدّ تكريسه ساحة للنفوذ، فأنقرة تتحرك داخل مساحة مزدحمة، حيث استعادت السعودية حضوراً سياسياً مهماً، والولايات المتحدة وفرنسا حاضرتان بقوة في الملفات الأمنية والسياسية، فيما تحتفظ إيران بعلاقة عميقة مع حزب الله. لذلك، يبدو على الأرجح أن تركيا تبحث عن دور متكامل مع السعودية وقطر والدول الغربية، بدلاً من الدخول في منافسة مفتوحة معها، خصوصاً أن التجربة السورية أوجدت أساساً متقدماً للتنسيق بين أنقرة وعواصم عربية مؤثرة ووسيطة في المنطقة مثل الرياض والدوحة.
لكنّ ملف حزب الله يُشكّل اختباراً عملياً لهذه المقاربة. فأنقرة لا تطرح الدخول في مواجهة مع الحزب، بل إدخال ملف سلاحه في تسوية أوسع تعيد حصريتهُ والقرار العسكري إلى الدولة، مقابل خفض التصعيد والضغط باتجاه إنهاء الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي.
في هذا الإطار، طرحت وساطة تشمل إيران وسوريا وحزب الله والدولة اللبنانية، وتضمنّت البحث في تفكيك مخازن صاروخية في البقاع وإخراجها عبر سوريا إلى إيران، بالتوازي مع إنهاء النشاط العسكري للحرس الثوري في لبنان. بذلك تحاول تركيا الجمع بين تقليص المكون العسكري للنفوذ الإيراني وتقوية الدولة، من دون تبني خيار تفكيك حزب الله بالقوة.
أما القيد الأكثر صعوبة في هذا الصدد، فيتمحور حول الموقف الاسرائيلي، إذ يتقاطع استعداد أنقرة للمشاركة في ترتيبات ما بعد اليونيفيل مع تصاعد التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا، ما يجعل أي وجود أمني أو عسكري تركي قريب من الحدود الإسرائيلية مسألة شديدة الحساسية. ولذلك قد تستطيع تركيا أداء دور في التسوية السياسية والأمنية الخاصة بالجنوب أكثر مما تستطيع فرض حضور عسكري مباشر فيها.
إلى أين يتجه الدور التركي؟
الأرجح، ألا يشهد لبنان اندفاعة تركية شبيهة بما حدث في ساحات أخرى، بل توسعاً تدريجياً يقوم على تعميق العلاقة مع مؤسسات الدولة، وتطوير التعاون العسكري والأمني، وزيادة الحضور الاقتصادي والربط مع سوريا، وسيكون شكل الترتيبات التي ستخلف اليونيفيل أحد المؤشرات الأساسية على سقف هذا الدور؛ فدخول تركيا في صيغة دولية جديدة سيعني انتقالها من شريك سياسي واقتصادي للبنان إلى طرف داخل هندسته الأمنية الجديدة.
السؤال، بالتالي، لم يعد ما إذا كانت أنقرة تريد دوراً أكبر في لبنان، بل كيف يمكنها بناء هذا الدور من دون تحويل لبنان إلى امتداد لمنافستها مع إسرائيل أو ساحة إضافية للصراع على النفوذ؟ وسيعتمد نجاحها على تقديم حضورها باعتباره داعماً للدولة اللبنانية ومكملاً للتفاهم العربي والدولي حولها.
في هذه الحالة، قد يقدم لبنان نموذجاً مختلفاً للسياسة التركية الجديدة في المشرق: حضور أقل مباشرة من سوريا، لكنه أكثر مؤسساتية واستدامة من الدور التركي التقليدي الذي عرفه لبنان على مدار عشرين عاماً.