جنود أتراك ينتظرون أمام قاعدة إنجرليك العسكرية في أضنة، وقد التقط المكتب الإعلامي لوزارة الدفاع الوطني التركية هذه الصورة ونشرها في 12 مارس 2026.

كيف تنظر تركيا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

يخشى صانعو القرار الأتراك أن يؤدي انهيار الدولة الإيرانية أو تفكّكها إلى أزمات أمنية وموجات نزوح وخسائر اقتصادية قد تكون تركيا الأكثر تضرراً منها، وفي الوقت نفسه لا تسعى أنقرة إلى الدفاع عن إيران.

12 مارس، 2026
إبراهيم كاراتاش

تهدف الحرب التي تشنّها الولايات المتّحدة وإسرائيل ضد إيران إلى إضعاف النظام الإيراني وتدمير بنيته التحتية العسكرية، بما في ذلك قدراته التسلحية الحالية والمحتملة. في بداية الصراع، توقّع عدد من المراقبين أن يؤدّي الضغط العسكري إلى اضطرابات داخلية قد تفضي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام. غير أن التطوّرات خلال المرحلة الأولى من الحرب تشير إلى أن هذا السيناريو غير مرجّح في المدى القريب. فخلافاً لهذه التوقّعات، لم تشهد إيران انتفاضة شعبية ضد الحكومة، ما يجعل الهدف الواقعي للحرب أقرب إلى إضعاف إيران استراتيجياً ودفعها في نهاية المطاف إلى القبول بالشروط التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل. 

 

ليس واضحاً أيّ من الطرفين سيُضطر إلى التراجع أولاً مع تصاعد تكلفة هذا الصراع الذي تبدو فيه إيران أكثر عرضة لتحمل أكبر قدر من الخسائر. لكن من المؤكد أن الحرب بدأت تفرز تداعيات خطيرة على الدول المجاورة، لا سيّما دول الخليج التي أصبحت أهدافا مباشرة لردود إيران الانتقامية. أما تركيا، فلم تتعرّض لضربات مباشرة من الحرس الثوري الإيراني باستثناء صاروخ أفادت تقارير بأنه عبَر أجواء محافظة هاتاي في جنوب البلاد قبل أن يعترضه نظام دفاع جوي تابع لحلف شمال الأطلسي. وبعد أن حذرت أنقرة طهران من استهداف قواعد الناتو على الأراضي التركية، نَفت السلطات الإيرانية إطلاق أي صواريخ باتجاه تركيا. 

 

بدورها تعترض الحكومة التركية بشدّة على الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، إلا أنّ ذلك لا يعكس اصطفافاً سياسياً مع طهران. فعلى العكس من ذلك، تُفضّل أنقرة أن تكون إيران أضعف وأكثر انكفاءً داخل حدودها. وكحال الكثيرين من دول المنطقة، لطالما نظرت تركيا بقلق إلى محاولات إيران توسيع نفوذها عبر منظّمات شيعية حليفة استخدمت العنف لتحقيق أهداف طهران الاستراتيجية. وتظلّ أنشطة الميليشيات المدعومة من إيران في سوريا، التي أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي وأثّرت في تركيا أيضاً مثالاً حاضراً في أذهان صانعي القرار الأتراك. غير أن القلق الأكبر في أنقرة يتمثل بالأضرار التي قد تُصيب تركيا نتيجة لهذا الصراع التي تفوق ما قد تتعرّض له الأطراف المنخرطة فيه مباشرة. بعبارة أخرى، تخشى تركيا أن تتحوّل إلى أحد الخاسرين غير المباشرين في صراع ليست طرفاً فيه. 

 

في هذا السياق، يُعدّ احتمال تفكّك إيران على أسس عرقية أو طائفية من أبرز المخاوف التركية. فإذا انهارت الدولة الإيرانية أو فقدت السيطرة على أجزاء من أراضيها، تُصبح إمكانية اندلاع حرب أهلية متعددة الأطراف احتمالاً وارداً، نظراً إلى التعدد الإثني في البلاد، الذي يضم الفرس والأذريين والأكراد واللور والبلوش والتركمان والعرب. وبالنسبة إلى تركيا، يثير هذا السيناريو مخاوف ترتبط بالتنظيمات الكردية المسلحة. فقد يسعى حزب الحياة الحرة في كردستان، الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، إلى استغلال الفوضى المحتملة لتعزيز نشاطه. ويرجحّ مسؤولون أتراك أن هذا التنظيم يتلقى بالفعل دعماً خارجياً من الولايات المتحدة وإسرائيل. 

 

على الرغم من إعلان حزب العمال الكردستاني مؤخراً نيته حلّ نفسه، فإن هذه العملية لم تُستكمل بعد. في الإطار نفسه، تمكّنت تركيا من ممارسة ضغط كبير على وحدات حماية الشعب، الفرع السوري للحزب، إلى حدّ بعيد من خلال دعمها للحكومة المركزية في سوريا. ومع ذلك، تخشى أنقرة أن يؤدي عدم الاستقرار في إيران إلى فتح ساحة جديدة لنشاط الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني عبر حزب الحياة الحرة في كردستان. في هذا السيناريو، وبعد انتهاء الحملة العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية، قد تجد تركيا نفسها مضطرة للتدخل عسكرياً ضد مقاتلي هذا التنظيم عبر الحدود الإيرانية، ما يعني عملياً مواجهة حزب العمال الكردستاني مرة أخرى، ولكن في مسرح جغرافي مختلف. 

 

بالإضافة إلى ذلك، تُشكّل احتمالية ظهور أزمة لجوء جديدة مصدر قلق بالغ لأنقرة. ففي حال انزلاق إيران إلى حرب أهلية، قد يسعى ملايين الأشخاص إلى اللجوء إلى الدول المجاورة. وتستضيف تركيا بالفعل أعداداً كبيرة من المهاجرين واللاجئين من أفغانستان والعراق، ولا سيما من سوريا. وفي ظل الظروف الاقتصادية الحالية، تبدو قدرة الدولة التركية على استيعاب موجة نزوح جديدة محدودة للغاية. 

 

وحتى لو تمكّنت تركيا من احتواء مثل هذه الموجة، فإن التداعيات السياسية قد تكون وخيمة بالتزامن مع تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين داخل المجتمع التركي في السنوات الأخيرة، بما في ذلك بين بعض أنصار حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان. ومن ثم قد تتحول أزمة لجوء جديدة إلى عامل ضاغط على الاستقرار السياسي الداخلي وعلى نتائج الانتخابات المقبلة. 

 

بحسب التجارب التاريخية، فإنّ هذه المخاوف قابلة للزيادة، حيث استقبلت تركيا أعداداً كبيرة من اللاجئين العراقيين خلال حربَي الخليج الأولى والثانية. كما أدى انهيار السلطة المركزية في شمال العراق إلى تمكين حزب العمال الكردستاني من إنشاء قواعد في جبال قنديل، التي استخدمها لشنّ هجمات ضد قوات الأمن التركية، ولا تزال حتى اليوم أحد أهم معاقله. 

 

كذلك، أضافت الحرب الأهلية السورية تحدياً أمنياً وإنسانياً آخر. فمع فرار ملايين السوريين من نظام بشار الأسد، دخل نحو خمسة ملايين منهم إلى تركيا. وفي الوقت نفسه، سيطرت وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستاني على نحو ثلث الأراضي السورية، بينما نفذ تنظيم داعش هجمات داخل سوريا وتركيا. وقد دفعت هذه التطوّرات الجيش التركي إلى تنفيذ عمليات عسكرية عدة في شمال سوريا. على الرغم من احتواء التهديدات الأكثر إلحاحاً بنسبة كبيرة، فإن وجود ملايين اللاجئين السوريين لا يزال قضية سياسية شديدة الحساسية في تركيا، وغالباً ما تستغلها جماعات اليمين المتطرف للضغط على الحكومة. 

 

يتوقع صانعو القرار الأتراك عودة ديناميات مماثلة إذا انهارت إيران في حالة فوضى مشابهة: نشاط متجدد للجماعات الكردية المسلحة، وضغوط هجرة واسعة النطاق، وخسائر اقتصادية كبيرة.  كذلك تؤدي الاعتبارات الاقتصادية دوراً مهماً في حسابات أنقرة. فالعراق وسوريا وإيران تعد من أهم الدول الشريكة تجارياً في المنطقة، إذ تستورد كميات كبيرة من السلع التركية. غير أن عدم الاستقرار الطويل في العراق وسوريا، إلى جانب العقوبات الدولية المفروضة على إيران، أدى بالفعل إلى تعطيل العلاقات التجارية وإلحاق خسائر كبيرة بالشركات التركية. وفي بعض الفترات كادت الأنشطة التجارية مع أسواق هذه الدول أن تتوقف بالكامل. وبهذا المعنى، تحمّلت تركيا مراراً كلفة الحروب الدائرة في جوارها المباشر. 

 

أمّا فيما يتعلّق بالرأي العام، فإنّه يُشكّل بعداً مهماً آخر في فهم الموقف التركي من الحرب، حيث يرى الكثيرون من الأتراك هذا الصراع من منظور ديني لا باعتباره مواجهة جيوسياسية فحسب. وعلى الرغم من أن المجتمع التركي لا يتعاطف عموماً مع النظام الإيراني، فإن الإشارات التي استخدمها بعض الفاعلين في الصراع إلى مفاهيم دينية مثل «الأرض الموعودة» و«هرمجدون» أو السرديات الصليبية دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن الحرب قد تستهدف في نهاية المطاف العالم الإسلامي الأوسع وليس إيران وحدها. ونتيجة لذلك، يتبنى الرأي العام التركي موقفاً شديد الانتقاد للولايات المتحدة  ولإسرائيل على وجه الخصوص حتى وإن لم يكن بالضرورة مؤيداً لإيران. 

 

على خطّ مواز، شهدت العلاقات بين تركيا وإسرائيل تدهوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. فبعد انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بدأ بعض المسؤولين الإسرائيليين يتحدّثون بصورة متزايدة عن تركيا بوصفها خصماً محتملاً. كذلك، فإنّ الانتقادات الحادّة التي وجهتها أنقرة لإجراءات إسرائيل في غزة زادت من حدّة التوتر بين الطرفين. بل إن بعض المحللين الإسرائيليين يجدون أن تركيا تمثل تحدياً استراتيجياً طويل الأمد أكبر من إيران، نظراً إلى قدراتها العسكرية القوية نسبياً وتطور صناعتها الدفاعية بوتيرة سريعة. في المقابل، تؤكد أنقرة أنها لا تشكل تهديداً لأي دولة ما لم يُستهدف أمنها مباشرة. وكثيراً ما يشير صانعو القرار الأتراك إلى أن إسرائيل نفذت عمليات عسكرية في عدد من الدول خلال السنوات الأخيرة، ووسّعت سيطرتها الإقليمية في بعض الحالات، وهو ما يُفسَّر في أنقرة باعتباره جزءاً من استراتيجية أكثر تساعاً لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة وردع معارضيها الإقليمين بشكل حازم. 

 

بالنسبة إلى تركيا، لا يمكن تجاهل هذه التطورات. فعلى الرغم من أنها لا تخشى تهديدات إسرائيل، إلا أنها تأخذها على محمل الجدّ، حيث يدرك الاستراتيجيون الإسرائيليون أن تركيا تمتلك قدرات عسكرية تسمح لها بالرد بفاعلية، الأمر الذي يدفع بعض المحللين إلى الاعتقاد بأن أي مواجهة محتملة بين الطرفين، إن حدثت، قد تتطلب ضربة مفاجئة واستباقية، على غرار العمليات التي نفّذتها ضد أطراف إقليمية أخرى. 

 

يبقى مسار الحرب مع إيران عاملاً حاسماً في تحديد شكل المنطقة. فإذا تمكّنت إيران من إطالة أمد الصراع وفرض تكاليف كبيرة على خصومها، فقد تتردد إسرائيل في مواجهة قوة إقليمية مثل تركيا. أما إذا تعرضت إيران لضعف سريع، ولا سيّما مع انخراط مباشر للولايات المتحدة في الحرب، فقد تجد تركيا نفسها أمام بيئة أمنية إقليمية أكثر غموضاً. 

 

في الوقت الراهن، تُراقب أنقرة تطوّرات الحرب بحذر، بينما تستعد لسيناريوهات محتملة قد تفرضها نتائجها. من منظور استراتيجي تركي، فإنّ المواجهة المستقبلية احتمالاً لا يُمكن استبعاده، بل تتعامل أنقرة بجدية مع الخطاب العدائي الصادر عن إسرائيل، وتعتبر في الحرب سيناريو يجب الاستعداد له.  

 

 

إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

 

القضية: العلاقات الإقليمية
البلد: إيران، تركيا

المؤلف

أستاذ مشارك في العلاقات الدولية
إبراهيم كاراتاش هو أستاذ مشارك في العلاقات الدولية، يقيم في إسطنبول تركيا.