في ظلّ الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، تشهد المجتمعات الخليجية حالة مركّبة من القلق الاستراتيجي والاستنفار العاطفي، تتجاوز كونها استجابة آنية لتطورات عسكرية متسارعة، لتعبّر عن بنية ذهنية تشكلت عبر عقود من السرديات التاريخية والاختبارات الأمنية المتكررة. فمع انتقال التوترات الإقليمية إلى مستويات تهدد المصالح الخليجية الحيوية بشكل مباشر، لم يعد الرأي العام يتفاعل مع الأحداث من زاوية التضامن أو الانتماءات الأيديولوجية، بل بات يعيد ترتيب أولوياته وفق معادلة الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والتنموي.
وإذا تعمقنا في هذا السياق، نجد أن هذه الأزمة ليست مجرد انعكاس لصراع عسكري عابر، بل هي اختبار للوعي الجمعي الخليجي، حيث إنّ التصورات الحالية تجاه إيران تحمل في طياتها ثقل تاريخ طويل من التوازن بين الموروثات العاطفية تجاه قضايا المنطقة وبين الإدراك المتنامي لمخاطر الانزلاق إلى ساحات صراع إقليمي مفتوح؟ ولفهم أبعاد هذه الأزمة من مختلف جوانبها، لا بدّ من تحليل العوامل النفسية والسياسية التي تشكل بنية الوعي الجمعي الخليجي في علاقته مع طهران.
الذاكرة الجمعية وإعادة إنتاج الريبة التاريخية
إنّ فهم الموقف الشعبي الخليجي من السياسات الإيرانية الراهنة يتطلّب العودة إلى الأثر العميق الذي تركته الثورة الإسلامية عام 1979 في تشكيل المخيال السياسي الإقليمي. فقد ارتبطت تلك المرحلة بخطاب عابر للحدود تبنّى فكرة “تصدير الثورة“، وهو خطاب فُسّر خليجياً بوصفه تهديداً ضمنياً للشرعيات السياسية القائمة ولمفهوم الدولة الوطنية في المنطقة. كما أيقظ حساسيات طائفية ظلّت كامنة أو مختبئة تحت السطح.
ومع تعاقب السنوات، لم تبقِ هذه المخاوف في إطارها النظري، بل تغذت من وقائع إقليمية ملموسة، حيث ارتبط النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية بظهور أطراف فاعلين يحملون السلاح خارج إطار الدولة، وتراجع مركزية الدولة، واتساع دوائر الاستقطاب الطائفي. وقد أسهمت هذه السياقات مجتمعةً في إنتاج ما يمكن تسميته بـ “الذاكرة الصراعية المستدامة“؛ وهي ذاكرة لا تنسى بسهولة، بحيث يُعيد هذا المنطق تفسير كل حدث جديد ضمن سردية تاريخية متراكمة من الشك والارتياب.
من منظور علم النفس السياسي، تميل المجتمعات التي تعرضت لفترات طويلة من التوتر إلى تطوير آليات دفاعية ذهنية تجعلها شديدة الحساسية تجاه أي مؤشر للخطر، حتى وإن كانت تلك المؤشرات قابلة لتأويلات متعددة. وهكذا، يُقرأ أي تحرك إيراني في المجال الإقليمي من خلال عدسة تاريخية ترى فيه جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتوسيع نفوذها، لا مجرد رد استجابة تكتيكية للضغوط الدولية.
من التعاطف الرمزي إلى أولوية البقاء الوطني
لطالما شكّلت القضية الفلسطينية حجر الزاوية والركيزة الوجدانية في الوعي الخليجي، مما أفرز أحياناً نوعاً من “التعاطف“ مع أي طرف يعلن مواجهته لإسرائيل. غير أن هذا التعاطف يظل محكوماً بسقف واضح: ألّا يتحول ذلك إلى تهديد مباشر للأمن الخليجي.
فحين تبقى المواجهات بعيدة جغرافياً، يمكن للرأي العام أن يتفاعل معها بخطاب رمزي أو تضامني. لكن الحسابات المرتبطة بالمزاج الشعبي تتغيّر بسرعة لافتة ما إن تقترب الصواريخ من الممرات البحرية، أو تُستهدف منشآت الطاقة، أو تتأثر سلاسل الإمداد. في مثل هذه المواقف، تتقدم غريزة “الحفاظ على الدولة“، وحماية المكتسبات الذي تُحقق الرخاء الاجتماعي بعيداً عن أي اصطفافات عاطفية عابرة.
هذا التحول لا يعكس تناقضاً بقدر ما يعكس نضجاً سياسياً. فالمجتمع الخليجي، الذي بنى خلال عقود نموذج تنموية قائمة على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي والتكامل العالمي، يدرك تماماً أن الحروب الطويلة تنتج تآكلًا في المكتسبات. ومن ثم، فإن الانتقال من التعاطف مع “جار يواجه عدوًا” إلى رفض “جار يهدد الاستقرار“، هو إعادة تموضع عقلانية تضع أمن البلد واستقراره فوق الشعارات ولا يتجاوز الإطار الأخلاقي.
الفجوة بين حسابات القوة الصلبة ومشروعية القبول الشعبي
تتحرك الدول، بطبيعتها، وفق منطق تغليب مصلحتها الوطنية عند صياغة حساباتها الاستراتيجية وترتيباتها الإقليمية. ومع ذلك، فإنّ تجاهل الأبعاد المجتمعية في الدول المجاورة قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يراكم خسائر استراتيجية بعيدة المدى. فالصورة الذهنية التي تتشكل لدى الرأي العام ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي عنصر أساسي في تحقيق استدامة أي ترتيبات إقليمية.
في الحالة الخليجية، أدى تكرار التوترات إلى ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن إيران في الوعي الشعبي. لم تعد هذه الصورة مرتبطة فقط بمواقف الحكومات، بل أصبحت جزءاً من القناعة المجتمعية الأوسع. ومن هنا تكمن خطورة المسار الحالي: في حال أفضت الجهود الدبلوماسية إلى اتفاق وقف إطلاق النار في المستقبل، فإن غياب الثقة الشعبية سيجعل أي تقارب هشاً وقابلاً للانتكاس عند أول أزمة.
يُظهر التاريخ أن “السلام البارد” لا يتحول إلى شراكة مستقرة إلا إذا رافقه تحول في التصورات المجتمعية المتبادلة. وإذا استمرّ الرأي العام في النظر إلى الطرف الآخر باعتباره مصدراً دائماً للقلق، فإن الاتفاقات السياسية ستظلّ سطحية، محكومة بالشك، ومعرضة للانهيار تحت ضغط أي حادث أمني.
التنافر المعرفي بين الرفض القيمي والقلق الوجودي
يعيش الرأي العام الخليجي حالة من التنافر المعرفي بين موقفين متوازيين: رفض قيمي للسياسات الإسرائيلية نابعاً من التضامن مع الفلسطينيين، ومن الإدراك المتزايد للخطر الذي تشكله إسرائيل على الأمن والسلم الإقليميين وطموحاتها للهيمنة، يُقابله قلق وجودي من السياسات الإيرانية التي تمس المجال الحيوي الخليجي. هذا التنافر يجعل الانحياز لأي طرف أمراً غير ممكن وغير مرغوب فيه، بل يفرض نهجاً براغماتياً يُركز على تقليل المخاطر المحيطة بدول الخليج.
وقد برز في هذا السياق ما يمكن وصفه بـ “الحياد الحذر“؛ وهو موقف لا ينحاز لطرف دون الآخر، بل يركز على تحييد الخليج ومنع تحويل ساحاته إلى ساحة لتصفية الحسابات. هذا الحياد الحذر ليس سلبياً بالمطلق، بل هو تعبير عن أولوية استراتيجية: حماية المكتسبات التنموية من تداعيات الانخراط في صراعات مفتوحة.
في هذا الإطار، بات المزاج الشعبي الخليجي يُقَيّم الفاعلين الإقليميين بمعايير أقل أيديولوجية وأكثر واقعية، حيث انتقل من مرحلة التضامن العاطفي العابر للحدود إلى مرحلة قياس السياسات بميزان التكلفة والعائد. فلم يعد السؤال المركزي: من هو الأحق أخلاقياً؟ بل صار: من يحافظ على أمننا واستقرارنا، وكيف؟
البعد الجيلي وإعادة تشكيل صورة “الجار”
يشكل العامل الجيلي أحد أخطر المتغيرات في تشكيل الرأي العام الخليجي. فقد نشأ الشباب الخليجي في بيئة رقمية مفتوحة، وارتبط بعالم عابر للقارات عبر التعليم والتكنولوجيا وريادة الأعمال. يمثل الاستقرار بالنسبة إلى هذا الجيل شرطاً ضرورياً لتحقيق الطموحات الشخصية والمهنية، حيث يتشكّل وعيهم وتصوّراتهم من خلال تفاعلهم مع البيئة الرقمية الواقعية على حدّ سواء.
وبالتالي فإنه في حال استمرت صورة إيران في الوعي الجيلي على أنها مصدر دائم للتوتر، فإن ذلك سيؤسس لمسافة نفسية طويلة الأمد بين المجتمعين. وبمجر ان تترسخ هذه الصورة الذهنية، يصبح تجاوزها أكثر صعوبة من تجاوز خلافات سياسية عابرة. فبناء الثقة يتطلب وقتاً طويلاً وسلوكاً إيجابياً مستداماً لتعزيزها، في حين يكفي حادث أمني واحد لإعادة إنتاج مشاعر الخوف والارتياب.
هذا التحول الجيلي يعني أن تكلفة السياسات التصعيدية التي تنتهجها إيران لا تقتصر على الخسائر المادية أو العقوبات الاقتصادية، بل تمتد إلى تآكل الرصيد المعنوي في محيط جغرافي يفترض أنه الأقرب ثقافياً وتاريخياً.
نحو إعادة تعريف العلاقة الإقليمية
تعكس السيكولوجيا السياسية للرأي العام الخليجي اليوم لحظة نضج استراتيجي، وهي لحظة تعيد فيها المجتمعات الخليجية تعريف أولوياتها على أساس حماية الدولة الوطنية والحفاظ على مكتسبات التنمية الاقتصادية في بيئة إقليمية مضطربة. وفي سياق العلاقة بين إيران وجيرانها الخليجيين، لم تعد القوة الصلبة وحدها معيار النفوذ، بل أصبح القبول الشعبي عاملاً حاسماً في تحديد استدامة أي دور إقليمي.
إذا كانت إيران تطمح إلى مستقبل أكثر استقراراً في محيطها المباشر، فإن التحدي الحقيقي يتجاوز مجرّد إرساء موازين الردع العسكري، إذ يتطلب الأمر استعادة الثقة المجتمعية المفقودة. فالقوة العسكرية قد تفرض وقائع آنية، لكنها لا تبني سلاماً دائماً من دون شرعية اجتماعية.
لم يعد المشهد الخليجي الراهن محكوماً بالاصطفاف الأيديولوجي، بل بالالتزام البراغماتي بالهوية الوطنية في مواجهة التقلبات والفوضى الإقليمية. إنه تعبير عن رغبة واضحة في نظام إقليمي يقوم على احترام السيادة، وتغليب منطق التنمية على منطق المغامرة، وتحويل الجوار الجغرافي من مصدر للقلق إلى إطار للتعاون المستدام.
إنّ الآراء الواردة في هذه المقالة تخصّ مؤلّفها حصراً ولا تعكس رأي مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.