غادرت الولايات المتحدة وإيران محادثاتهما المباشرة رفيعة المستوى في باكستان دون التوصل إلى اتفاق. ووفقاً للرواية الأمريكية، فقد شكّل الخلاف المستمرّ حول الملف النووي العقبة الأساسية. لكن الغائب الأبرز على طاولة التفاوض كان دول الخليج العربية التي تحمّلت ضربات على أراضيها خلال خمسة أسابيع في حرب سعت أساساً إلى تجنّبها. صحيح أنّ حضور هذه الدول في إسلام آباد لم يكن ليغيّر معادلة الخلاف النووي، إلا أنّ استبعادها من طاولة المفاوضات التي ستُحدد شكل منظومتها الأمنية لعقدٍ كامل يُعتبر خلل بنيوياً في إطار التفاوض نفسه.
ففي نهاية المطاف، تتحكّم دول الخليج بما يمكن تسميته «بيئة الامتثال» من موانئ وقواعد وبنى تحتية للطاقة وممرات بحرية، وهي العناصر التي تُحدّد ما إذا كان أي اتفاق قابل للصمود فعلاً.
يستدعي ما تواجهه دول الخليج خلال هذه الحرب توصيفاً واضحاً. فقد تعرّضت جميع دول مجلس التعاون لضربات إيرانية خلال الأسبوع الأول، على الرغم من أنّها أعلنت منذ البداية رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها لأي عمليات هجومية ضد إيران. فمنعت استخدام قواعدها لأغراض هجومية والتزمت وضعاً دفاعياً بالكامل، من خلال اعتراض المقذوفات الإيرانية من دون الرد عليها.
وقد وصف صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح تلك الهجمات بأنها صادرة عن دولة «لم نسمح باستخدام أرضنا أو أجوائنا أو مياهنا لأي عمل عسكري ضدها». ومع ذلك، لم يغيّر هذا الموقف شيئاً. فقد اعتبرت إيران أن مجرد وجود منشآت عسكرية أمريكية يشكّل سبباً كافياً للاستهداف، فضُربت دول الخليج لا بسبب أفعالها، بل بسبب ما يوجد على أراضيها.
يُمكن وصف المصطلح الاستراتيجي لما حدث بـ «انقلاب الأمن» حيث يتحوّل الارتباط بحليفٍ راعٍٍ من مصدر حماية إلى سبب يجعل الدولة هدفاً مشروعاً في نظر خصومه. فدول الخليج لم تُفعّل تحالفاتها بشكل هجومي ولم تنفّذ أي طلعة قتالية. ومع ذلك، تكبّدت أكثر من 120 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية، بما في ذلك أضرار في منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر التي قد يستغرق إصلاحها ما بين ثلاث إلى خمس سنوات. كما استُنزف نحو 75 في المئة من مخزون صواريخ «باتريوت» الاعتراضية لدى الإمارات والكويت، و87 في المئة لدى البحرين. وكان يُفترض أن يوفّر التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية ردعاً، لكنه في الواقع حوّل هذه الدول إلى أهداف.
المشكلة بعد الحرب
كُتب الكثير عن سقف الحياد الذي تتخذه دول الخليج خلال الحرب، وعن الخيارات التكتيكية المتاحة أمام دول مجلس التعاون، وعن قدرة ست دول منفصلة في مواجهة تحدٍّ يتطلّب كتلة استراتيجية واحدة. هذه نقاشات ضرورية وانطلقت من حجج مقنعة. لكن وقف إطلاق النار كشف عن مشكلة مختلفة وأكثر خطورة وهي استبعاد دول الخليج من العملية الدبلوماسية التي قد ترسم منظومتها الأمنية في المستقبل القريب.
لقد تم التوصّل إلى وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين عبر قناة وساطة باكستانية. وقاد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الوفد المفاوض لأمريكا يرافقه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ومستشار الرئيس جاريد كوشنر. وقدّمت طهران خطّة من عشر نقاط، قَبٍلها الرئيس دونالد ترامب كأساس للتفاوض. رحّبت جميع دول مجلس التعاون بوقف إطلاق النار، لكنها سارعت إلى طرح شروطها الخاصة: إعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم، ووقف الهجمات على أراضيها، ودفع تعويضات من قبل إيران. أما الإمارات فشدّدت على ضرورة أن تُعالج كافة التهديدات الإيرانية في أي تسوية مطروحة بما يشمل القدرات النووية والصاروخية والطائرات المسيّرة والوكلاء والإكراه البحري. كما أكدت مصر صراحة أن المحادثات الأمريكية–الإيرانية «يجب أن تأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية المشروعة» لدول الخليج.
هذه هي مطالب الدول التي تراقب اتفاقاً ثنائياً يُصاغ من فوق رؤوسها، وتحاول فرض مصالحها في بنوده قبل أن يُحسم.
استبعاد الخليج استراتيجية في غير محلّها
من منظور واقعي، يُقال إن دول الخليج ليست على طاولة المفاوضات لأنها لا تملك ما تفاوض عليه. فهي لم تخض الحرب، ولا يمكنها أن تتحكّم بالمتغيّرات التي تهمّ واشنطن أو طهران بالدرجة الأولى: المواد النووية، قدرات التخصيب، وإيقاع التصعيد. ووفق هذا المنطق، تُصبح التسوية شأناً خاصاً بالقوى الكبرى، فيما يُترك الخليج في موقع المتفرّج المُثقل بالاعتراضات.
هذا التصوّر خاطئ لأسباب استراتيجية لا أخلاقية.
تحتاج كل تسوية إلى بيئة امتثال، أي البنية المادية والاقتصادية والسياسية التي تحدّد ما إذا كانت البنود المُتفق عليها ستصمد أم ستنهار. تخضع هذه البيئة في الخليج إلى حدٍّ كبير لسيطرة دول مجلس التعاون نفسها. فلا يمكن لمضيق هرمز أن يعمل من دون سلطات الموانئ الخليجية، وخفر السواحل، والتنسيق البحري. كما أن ترتيبات القواعد العسكرية التي يقوم عليها الوجود الأمريكي في المنطقة مشروطة بموافقة خليجية يمكن توسيعها أو تقييدها أو سحبها. أما إعادة إعمار البنية التحتية للطاقة المتضررة، التي تعتمد عليها الأسواق العالمية، فتتطلب رأس المال الخليجي وقرارات تتعلق بالإيقاع والأولويات. كذلك تمرّ ترتيبات تبادل المعلومات الاستخبارية لرصد النشاط الصاروخي الإيراني عبر أنظمة خليجية، فيما يعتمد تنفيذ العقوبات في المجال البحري على تعاون هذه الدول.
ويمكن لاتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة وإيران أن يحدّد الشروط، لكن تحويل هذه الشروط إلى واقع عملي يظل بيد دول الخليج. واستبعاد الأطراف التي تتحكّم ببيئة الامتثال ليس براغماتية، بل تعكس خللاً بنيوياً يُنتج اتفاقاً غير قابل للاستمرار. وهنا يكمن الفرق بين وقف إطلاق النار والتسوية، إذ يتطلّب الأول طرفين مستعدين لوقف القتال، أما الثانية فتتطلّب إشراك جميع الأطراف التي يعتمد الاتفاق على سلوكها.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
لم يكن فشل المحادثات الأولية في إسلام آباد الخطر الأكبر على التسوية السلمية طويلة الأمد. فلو نجحت هذه المحادثات بشكل محدود، وأنتجت صفقة ثنائية تقتصر على القيود النووية وضمان الوصول إلى مضيق هرمز مقابل تخفيف العقوبات، مع ترك التهديدات الموجّهة نحو الخليج من دون معالجة، لكان ذلك أسوأ.
كذلك، يستدعي اقتراح دونالد ترامب بشأن إدارة مشتركة بين الولايات المتحدة وإيران لرسوم المرور في مضيق هرمز الانتباه، إذ يعكس استعداداً للتعامل مع أهم ممر استراتيجي في الخليج كقضية ثنائية أمريكية–إيرانية، بما يكرّس وصاية مشتركة بين قوتين كبيرتين على ممر مائي تعتمد عليه ست دول ذات سيادة لبقائها الاقتصادي.
ما تحتاجه دول الخليج ليس مجرد لفتة إشراك بالمفاوضات، بل دوراً بنيوياً في تحديد هيكلية التسوية. ويتطلب ذلك في البداية إطاراً تفاوضياً يتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة والإكراه البحري كملفات قائمة بذاتها، لا كبنود فرعية ضمن اتفاق نووي. وقد طرحت جميع دول مجلس التعاون التي أصدرت مواقف بعد وقف إطلاق النار هذا المطلب بصيغ مختلفة: دعت السعودية إلى وقف الهجمات على دول المنطقة وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم؛ وطالبت الكويت بـ«تسوية شاملة ودائمة»؛ فيما شدّدت الإمارات على ضرورة أن يعالج أي اتفاق كافة التهديدات، بما يشمل القدرات النووية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والوكلاء والإكراه البحري. وهذه تُمثل الحدّ الأدنى لشروط اتفاق يمكن للمنطقة التعايش معه.
ثانياً، هذا الدور يعني وجود آلية للرقابة والتنفيذ تشارك فيها دول الخليج كأطراف مؤسسية، لا كمجرد مراقبين يتم اطلاعهم على ما يجري لاحقاً. ثالثاً، لا بُدّ من إعادة تقييم جدية لنموذج القواعد العسكرية. فقد أظهرت الحرب أن استضافة أصول عسكرية أجنبية قد تؤدي إلى «انقلاب الأمن» أي التعرّض للمخاطر من دون تمثيل بحيث تتحوّل القواعد المصمّمة للردع إلى أعباء استراتيجية. وإذا كان من المقرر استمرار ترتيبات الوصول في زمن السلم، فلا بدّ من صياغة اتفاق جديد يربط تعاقدياً بين الحماية في زمن الحرب والمشاركة الدبلوماسية بعد الحرب كشرطين من شروط هذه الترتيبات .
لا توجد حالياً مؤسسة خليجية قادرة على أداء هذا الدور. فقوّة درع الجزيرة والعمليات المشتركة لمجلس التعاون صُممتا لبيئة تهديد مختلفة، ويعكس أداؤهما ذلك. بالإضافة إلى ذلك، لطالما تحفّظ المجلس على إنشاء بنية أمنية فوق وطنية من النوع الذي تتطلبه تسوية مستدامة، لكن كلفة هذا التحفّظ باتت اليوم ملموسة: مخزونات مستنزفة من الصواريخ الاعتراضية، ومنشآت غاز مسال متضرّرة، وطاولة تفاوض تخلو من تمثيل خليجي مباشر. ولم يعد السؤال ما إذا كانت آليات الأمن الجماعي مريحة سياسياً، بل ما إذا كان غيابها قابل للاستمرار.
السؤال الأهم
لقد اكتسبت دول الخليج حقها في هذا الدور من خلال ضبط النفس تحت النار، والدفاع عن أجوائها، والثمن الذي تحمّلته في حربٍ سعت إلى منعها، ورفضت الانخراط فيها، ولم تتمكن من إيقافها. السؤال اليوم ليس ما إذا كان التحالف الأمريكي–الخليجي سيستمر، فهو سيستمر لأن البدائل أسوأ للطرفين، بل على أي أسس سيستمر.
تحالفٌ تقدّم فيه الدول الصغيرة القواعد العسكرية، وتشتري السلاح، وتؤجّل مواقفها دبلوماسياً، وتتحمّل أضرار الحرب، من دون أن تمتلك موقعاً تعاقدياً في كيفية إنهاء الحروب، هو تحالف ستُعاد صياغة الشروط التي قام عليها، ليس بشكل انتقائي، بل بفعل ما كشفته هذه الحرب.
لم تفشل محادثات إسلام آباد بسبب استبعاد دول الخليج. لكن أي نتيجة ناجحة كانت ستبقى على المدى الطويل، مقيّدة بغياب الأطراف التي تتولّى الحفاظ على بيئة الامتثال للاتفاق. وإذا أفرزت الجولة المقبلة صفقة ثنائية دون معالجة التهديدات الموجّهة نحو دول الخليج، وفي حال بقاء دول التعاون خارج التمثيل، فلن يصمد هذا الاتفاق، ولن يكون لدى الدول التي دفعت ثمناً باهظاً في هذه الحرب موقعاً يتيح لها الاعتراض. هذا هو الخلل البنيوي الذي يجب تصحيحه قبل بدء الجولة المقبلة، لا بعد انتهائها.